تعزيز الإجراءات: كيف تُدير الحكومة المصرية عملية التطعيم ضد “كورونا”؟

اتسمت تحركات الحكومة المصرية في المشاركة بأكبر عملية تطعيم تشهدها البشرية فى التاريخ، بالتحرك السريع والإدارة الرشيدة والقرارات المدروسة، منذ بدء ظهور لقاحات كورونا حول العالم فى النصف الثانى من العام 2020، وذلك بداية من المشاركة فى التجارب الإكلينية للقاحات ودراسة اللقاحات الأكثر كفاءة وفاعلية ومنح الترخيص الطارئ لها بهيئة الدواء المصرية، وتحديد الفئات الأكثر استحقاقًا للتطعيم فالأقل، وإطلاق موقع إلكترونى لعملية التسجيل وتجهيز وحدات ومراكز للتطعيم، وصولا إلى بدء حملة التطعيم فى مارس 2021، وحصول ما يقرب من 900 ألف مواطن على التطعيم حتى الأول من مايو 2021.

وبناء على ما سبق، يمكن طرح السؤال التالي، والإجابة عنه، هو: هل نجحت الحكومة المصرية في إدارة عملية التطعيم ضد “كورونا”، وما هي ملامح التجربة المصرية في هذا الشأن، وأهم تحركات الإدارات المسئولة عن التعامل نع الأزمة؟.

تحرك سريع:

اتسمت الإجراءات التى قامت بها الحكومة المصرية للمشاركة فى عملية تصنيع واكتشاف اللقاحات ضد فيروس كورونا المستجد وتوفيرها لتطعيم المواطنين بالتحرك والاستجابة السريعة، ويمكن توضيح ذلك فيما يلى:

(*) المشاركة فى التجارب الإكلينكية:

 ففى الوقت الذى تمت فيه التجارب الإكلينكية للقاحات فيروس كورونا حول العالم، شاركت مصر التجارب السريرة للقاح الصينى (سينوفارم) فى إطار التعاون مع الحكومة الصينية، وشركة G42 الإماراتية للرعاية الصحية، بواقع 3 ألاف مبحوث.

(*) محاولات الوصول إلى لقاح مصرى:

أجرى المركز القومى للبحوث عددا من التجارب للتوصل إلى لقاح مصرى، وقد توصل فريق طبي إلى لقاح (كوفي فاكس)، والذى أعلن فى 23 مارس 2021 انتهاء المرحلتين الأولى والثانية من التجارب وفى انتظار موافقة هيئة الدواء المصرية لإجراء المرحلة الثالثة من التجارب على عدد من المتطوعين.

(*) التعاقد على استيراد جرعات لقاح كورونا:

كانت مصر أولى الدول الإفريقية التى حصلت على أول جرعة للقاح فيروس كورونا، حيث استقبل مطار القاهرة فى 10 ديسمبر 2020، جرعة حجمها 50 ألف جرعة من اللقاح الصيني (سينوفارم) كهدية من دولة الإمارات، وتوالى استلام مصر لجرعات جديدة من اللقاح منذ بداية العام الحالى فضلا عن التعاقد على 100 مليون جرعة من اللقاحات، حيث تم إبرام صفقة مع الصين لتوريد 20 مليون جرعة من لقاح (سينوفارم) بالإضافة إلى جرعات أخرى سيتم الحصول عليها من خلال مرفق كوفاكس COVAX، والذى يضمن التوزيع العادل للقاحات حول العالم، وفى الأول من مايو 2021  أعلن المتحدث باسم وزارة الصحة “خالد مجاهد” عن تعاقد الوزارة على توريد 10 ملايين جرعة من اللقاح  الروسى (سبوتنيك V)، إلى جانب التعاقد على 4 ملايين جرعة من لقاح الجرعة الواحدة الروسى (جونسون أند جونسون)، والتى ستصل مصر في الربع الأخير من العام الحالى.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاستناد إلى تصريحات صحفية لوزارة الصحة المصرية.

(*) إنشاء مراكز لتطيعم المواطنين بلقاح كورونا:

تم تخصيص 138 مركز ووحدة صحية تطعيم لقاحات كورونا بمختلف محافظات الجمهورية، كما يجرى حاليًا إنشاء أضخم مجمع لتطعيمات لقاح كورونا بأرض المعارض، والذى سيضم  96 عيادة ثلاثية، ومكان انتظار يسع 500 مواطن ممن يرغبون في الحصول على اللقاح، وجاهز لاستقبال نحو 10 آلاف مواطن للتعقيم يوميا، وسيتوفر به طاقم طبى وتمريض ضخم يضم 200 طبيب و200 فرد من التمريض، بالإضافة إلى 200 فرد من مدخلي البيانات و20 فردا من فرق التوعية المجتمعية، وكل هذا استعدادا لتطعيم أكبر عدد من المواطنين بعد الانتهاء من تطعيم الفئات المستحقة.

المشاركة فى إنتاج اللقاحات العالمية:

لم تتوقف إنجازات الدولة المصرية فى المشاركة بأكبر عملية تطعيم تشهدها البشرية عند المشاركة فى التجارب الإكلينكية للقاح الصينى ومحاولة الوصول إلى لقاح مصري فعال والتعاقد على جرعات للقاحات ضد كورونا لتطعيم المواطنين فقط، بل عملت مصر أيضًا على بحث المشاركة فى إنتاج اللقاحات العالمية بغرض توفيرها للمواطنين داخل مصر وتصديرها إلى الدول الإفريقية.

ففى أغسطس 2022 تم تحضير خط إنتاج خاص باللقاح، والذي نال إشادة منظمة الصحة العالمية، وقد وقعت الشركة المصرية لإنتاج اللقاحات (فاكسيرا) اتفاقيتين مع شركة (سينوفاك) الصينية تنص على تصنيع 40 مليون جرعة لقاح، كما وقعت شركة (مينا فارم) للأدوية المصرية اتفاقًا مع الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة يقضي بإنتاج أكثر من 40 مليون جرعة من اللقاح الروسي (سبوتنيك V) في مصر سنويا في المرحلة الأولى.

قرارات مدروسة وتنظيم جيد لعملية التطعيم:

اتسمت عملية التطعيم فى مصر باللقاحات المضادة لفيروس كورونا المستجد بالإدارة الحكيمة والقرارات المدروسة، حيث لم تمنح هيئة الدواء المصرية الترخيص الطارئ للقاحات كورونا التى ظهرت عالميت إلا بعد مروروها بعمليات التقييم اللازمة بإدارات ومعامل هيئة الدواء طبقا للقواعد العالمية والمحلية المتبعة للتأكد من أمان وجودة وفاعلية اللقاحات، وتم حتى الأن منح الترخيص الطارئ للقاحات: كورونا فاك وسينوفارم وكوفيشيلد/استرازينيكا، وسبوتنيك V واسترازنيكا AZD 1222.

كما ظهر التنظيم الجيد لعملية التطعيم ضد فيروس كورونا منذ الاستعداد لوصول اللقاحات إلى مصر، ففى 20 ديسمبر 2020 أعلنت وزارة الصحة عن وضع خطة لمتابعة آلية توزيع لقاحات فيروس كورونا فى إطار الخطة الشاملة، وتم تحديد ثلاث مراحل لتلقى اللقاح، هم:

 (&) المرحلة الأولى: تشمل الفئات المستحقة ذو الأولوية، وفى مقدمتهم الأطقم الطبية، يليهم المرضى الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس، والعاملين بقطاع السياحة، وكبار السن فوق 65 سنة، ومن لديهم نقص المناعة وذو اثنين أو أكثر من الأمراض المزمنة أو مرضى الانسداد الرئوى أو لديهم تاريخ جلطة دماغية سابقة أو سمنة مفرطة.

(&) المرحلة الثانية: تتضمن المواطنين والمقيمين فوق 50 سنة أو لديهم إحدى الأمراض المزمنة وسمنة والعاملين فى الخطوط الأمامية مثل المسعفين والمدرسين وقطاع النقل ومحلات البقالة.

 (&) أما المرحلة الثالثة فتشمل جميع المواطنين والمقيمين الراغبين فى تلقى اللقاح. كما دشنت وزارة الصحة المصرية موقعا إلكترونيا لتسهيل عملية التسجيل لتناول اللقاح وتنظيم عملية تحديد الفئات المستحقة لتلقى اللقاح وتنظيم عملية التطعيم بتحديد التوقيت والمكان المناسب لكل فرد لتلقى اللقاح.

وقد بدأت أولى عمليات التطعيم فى 24 يناير 2021، بتطعيم أول أفراد الطاقم الطبي باللقاح، تلاها تطعيم أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن فوق 65 سنة والعاملين بقطاع السياحة، وحتى الأول من مايو 2021، بلغ إجمالى عدد المسجلين على الموقع الإلكتروني لتسجيل طلبات تلقى كورونا 2 مليون شخص، وحصل ما يقرب منهم 900 ألف شخص على اللقاح.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاستناد إلى تصريحات صحفية لوزارة الصحة المصرية.

في النهاية، يمكن القول إن الدولة المصرية أثبتت تميزها فى المشاركة بعملية إنتاج اللقاحات والتطعيم ضد فيروس كورونا منذ الوهلة الأولى لبداية ظهور اللقاحات العالمية، مما جعل من هذه التجربة المصرية إنجازا جديدا يضاف إلى إنجازات قطاع الصحة فى مصر خلال السنوات الأخيرة والتصدى لانتشار جائحة كورونا منذ ظهورها، ويؤكد على مدى صلابة الدولة المصرية فى التحرك السريع والاستجابة الملائمة أوقات الأزمات، وقوة الاقتصاد المصري الذى ساعد على الإدارة الجيدة للأزمة والقدرة على إجراء التعاقدات للحصول على جرعات اللقاح وإنشاء خطوط لإنتاج اللقاحين الصينى والروسى محليا بالتعاون مع الشركات المصنعة لهم.

قمر ابو العلا

باحثة بوحدة الدراسات الاقتصادية باحثة اقتصادية، وحاصلة على ماجستير في الاقتصاد، جامعة القاهرة، شاركت في العديد من التقارير الاقتصادية والاجتماعية في الشئون المصرية والخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى