ما الذي يمكن أن تقدمه ظاهرة معتنقي الإسلام في المعركة ضد الجهاديين؟

منتصر حمادة- خبير مشارك بالمركز.

لا زالت المعضلة الجهادية تثير القلاقل أينما حطت الرحال، سواء في المنطقة العربية أو العالم الإسلامي، أو حتى في الدول الغربية، والتي كانت قبل منعطف اعتداءات نيويورك وواشنطن، تعتقد أنها محصنة منها، خاصة أنها كانت تحتضن مجموعة من الرموز الجهادية، ممن تعودت على إصدار الفتاوى ضد أنظمة وشعوب المنطقة، إلى غاية قدوم الاعتداءات التي عصفت بمجموعة من الدول الغربية، ليشرع حينها صناع القرار، في إعادة النظر، الكلية أو النسبية، في طبيعة تعاملها وتدبيرها للحضور الإسلامي الحركي، الدعوي والسياسي والجهادي.

ظاهرة معتنقى الإسلام في الساحة الغربية:

يهمنا هنا في هذا التحليل التوقف عند ظاهرة معتنقي الإسلام في الساحة الغربية، وخاصة في الساحة الأوربية، من باب البحث عن مخارج عملية يتميز بها بعض هؤلاء، يمكن أن تساعد مسلمي أوربا وشعوبها بشكل عام، على مواجهة المعضلة الجهادية، والتي نزعم بلا أدنى شك، أنها ستطول، لاعتبارات عدة، أخذاً بعين الاعتبار مجموعة من الأسباب المركبة والمغذية لبقاء الظاهرة.

معلوم أن اعتناق الإسلام في الساحة الغربية، متعدد الأسباب، ولكن ما هو شبه غائب في التناول البحثي والإعلامي، هو طبيعة أنماط التديّن التي يعتنقها هؤلاء، لأن الدين هنا واحد- أي الإسلام، ولكن أنماط اعتناقه، أي أنماط التديّن، تبقى مختلفة، من قبيل التديّن الصوفي، التديّن الجهادي، وأنماط أخرى من التديّن.

نذكر من أسباب اعتناق الإسلام، على سبيل المثال لا الحصر، تبعات النهل من العدمية والفوضوية، التأثر بمعاملة مسلمين هناك، لا يرفعون شعارات إصلاحية، ولا علاقة لهم أساساً بخطاب دعوي أو إسلامي حركي أو شيء من هذا القبيل، وإنما يعملون بقاعدة “الدين المعاملة”؛ قراءة نصوص إسلامية مباشرة، دون المرور على الوسائط الفكرية والإعلامية وغيرها، من قبيل قراءة النصوص القرآنية أو تأمل التجربة النبوية أو بعض النصوص التراثية، وخاصة الصوفية؛ إضافة إلى أسباب أخرى.

مقامات اعتناق الإسلام في الساحة الأوروبية:

إذا افترضنا أننا اختزلنا جميع الأسباب في سبب واحد، فإننا أمام محطة ثانية، عنوانها طبيعة التديّن الإسلامي الذي يعتنقه هذا المتديّن المسلم الجديد؛ وإذا حسمنا في أهم هذه المداخل، يمكننا حينها الانتقال في سؤال آخر، لا يقل إثارة للقلاقل الغائبة في التناول البحثي، وعنوانه مخارج هذا الاعتناق أو تأثيره على الواقع الإسلامي هناك، سواء مع المواطنين الأوربيين غير المسلمين، وهم أهل الدار، أو مع الجاليات المسلمة في أوربا.

نزعم أن هناك ثلاث مقامات مرتبطة باعتناق الإسلام في الساحة الأوربية، ونوجزها في ما يلي:

(*) هناك مقام خاص بالنخبة، سواء كانت سياسية أو بحثية أو إعلامية أو فنية أو رياضية أو غيرها، على قلته مقارنة مع باقي المقامات، ويمكن ذكر مجموعة من الأسماء، منها المغني البريطاني كات ستيفانس (يوسف إسلام)، السفير الألماني السابق مراد هوفمان، مغني الراب الفرنسي عبد المالك، الناشط الجمعوي الإسباني منصور إسكوديرو، الباحث إريك جوفروا، أحد رموز الاشتغال الأوربي على سؤال التصوف، ومؤلف كتاب “الإسلام سيكون روحانياً أو لن يكون”، وأسماء نخبوية أخرى.

(*) هناك مقام خاص بما قد نصطلح عليه العامة، أي حالة مواطن أوربي اعتنق الإسلام، دون أن يكون محسوباً على النخبة، وإنما إما لأنه تزوج بامرأة مسلمة، أو تأثر بمعاملة بعض المسلمين- أي إنه اعتنق الإسلام عبر تديّن العامة أو قل تديّن البسطاء، وهو التديّن الأقرب إلى الفطرة السليمة، البعيدة عن التديّن الحركي الذي أساء إلى المسلمين وغير المسلمين منذ عقود مضت، سواء في المنطقة العربية والعالم الإسلامي أو خارج المجال الإسلامي.

(*) وهناك ثالثاً، التديّن الإسلامي الحركي، والمقصود به تديّن الحركات الإسلامية، من سلفية وإخوان وجهاديين، موازاة مع الذين يعتنقون الإسلام عبر بوابة التصوف، وإن لم يكن هذا الأخير مصنفاً في خانة التديّن الحركي، على اعتبار أن أتباعه غير معنيين بأدبيات “الحاكمية” و”الجاهلية” و”الولاء والبراء” والتقية.. إلخ.

بعد استحضار مُجمل هذه المداخل التي اعتنق عبرها غير المسلم، الإسلام، حينها، ننتقل إلى السؤال أعلاه سالف الذكر، وجاء في صيغة كالتالي: ما هو تأثير هذا الاعتناق على أحوال المسلمين هناك؟ وهل يمكن أن يكون إضافة نوعية أو يكون باباً من أبواب إثارة مشاكل، تبقى الجاليات المسلمة في غنى عنها، خاصة مع تصاعد أصوات خطاب الإسلاموفوبيا، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، قبل وبعد اندلاع هذه الجائحة العالمية التي ساهمت في تفاقم الأوضاع الاقتصادية للعالم بأسره؟

تكمن أهمية الشق الثاني من هذا السؤال في استحضار السياق التاريخي الذي تمر منها القارة الأوربية والعالم بأسره- أي سياق ما بعد “أزمة كورونا”، خاصة أن التجارب التاريخية التي تتقاطع مع هذه الأحداث الجسام، تتميز بما يُشبه “عودة الديني”، وتهم الظاهرة هنا التفرعات الثلاثة للديانات الإبراهيمية: اليهودية والمسيحية والإسلام، موازاة مع اعتناق البعض الآخر للديانات الأسيوية.

قلاقل النخبة والعامة الأوروبية التي اعتنقت الإسلام:

واضح أنه لا يمكن توقع مشاكل ميدانية كبيرة مع أهل المقام الأول والمقام الثاني، أي أهل النخبة والعامة الأوربية التي اعتنقت الإسلام، وبيان ذلك كالتالي:

(&) أقصى القلاقل التي يمكن أن تصدر عن أهل المقام الأول، أي المقام النخبوي، تهم الاشتغال النظري في قضايا تهم الخطاب الإسلامي (الفقه، التصوف، فلسفة الدين، تجديد الخطاب الديني، .. إلخ)، وهذه قضايا نظرية تهم النخبة المسلمة في العالم بأسره، وقائمة منذ قرون، ولا تخرج نتائجها عن قاعدة “البقاء للأصلح”، رغم كثرة الهرج والمرج السائد في المنطقة والعالم الإسلامي، سواء بسبب تطفل الإيديولوجيات الدينية والمادية (من سلفية، إخوان، شيعة، يسار، قوميين، اشتراكيين،.. إلخ)، أو بسبب تقاعس أداء العديد من المؤسسات الدينية في المنطقة العربية على الأقل (مؤسسة القرويين، مؤسسة الأزهر، مؤسسة القيروان).

(&) أقصى القلاقل التي يمكن أن تصدر عن أهل المقام الثاني، أي مقام العامة، تبقى حالات فردية، ولا تثير الكثير من الإثارة الإعلامية والبحثية والأمنية وغيرها، بل غالباً ما يتم حصر أسبابها وتداعياتها في الشق العائلي الصرف، مادامت بعيدة عن أي ارتباطات بمشاريع دينية إيديولوجية، سواء كانت دعوية أو سياسية أو جهادية، وبالتالي، تبقى هذه القلاقل، حالات عابرة.

بقي أمامنا إذن، مدخل اعتناق الإسلام عبر بوابة مشاريع دينية، من قبيل المشروع الإسلامي الحركي (إخوان، سلفية وهابية، شيعة.. إلخ)، أو عبر باب التصوف، في شقيه النظري أو الطرقي.

نبدأ بهذا الأخير، أي العمل الصوفي، حيث يجب الفصل بين اتجاهين اثنين، وإن كانت النتيجة في مرحلة ما بعد اعتناق الإسلام شبه متقاربة: نتحدث عن معتنق الإسلام عبر بوابة التصوف الطرقي، أي عبر بوابة الانتماء إلى طريقة صوفية ما، أو عن الذي اعتنق الإسلام عبر بوابة التصوف الفردي، الذي يرفع شعار “ما بعد الطرقية”، بمعنى تبني الخيار الصوفي، بشكل فردي، دون الانتماء المؤسساتي إلى طريقة صوفية ما، وغالباً ما يكون ذلك تحت تأثير أحد أعلام التصوف (ابن عربي، الحلاج، الغزالي، عبد القادر الجيلاني.. إلخ)، ونذكر من هذه الأسماء اليوم، إريك جوفروا سالف الذكر، أو إدريس أبركان، متخصص في علوم الأعصاب، محاضر ومستشار للعديد من الحكومات في العالم، وأسماء أخرى.

وإجمالاً، لا نسمع عن قلاقل تصدر عن هؤلاء، بخلاف السائد من الصنف أو التيار الثاني، أي التيار الإسلامي الحركي، وهذا هو المحور الثاني من مقامات الاعتناق.

معلوم أن تأمل خطاب العديد من رموز الإسلاموفوبيا، يجعلنا نستحضر حضور ما يصدر عن أتباع الإسلاموية بشكل عام، وقد تزايدت حدة الأسباب المغذية للاتجاهين خلال العقدين الأخيرين: الخطاب الإسلامي الحركي يغذي الخطاب الإسلاموفوبي، والعكس صحيح، والنتيجة، أنهما يتسببان للمسلمين ولغير المسلمين في قلاقل حقيقية، ويكفي أن نستحضر، على سبيل المثال لا الحصر، ظاهرة الأوربيين الذين اعتنقوا الإسلام وشدوا الرحال إلى سوريا والعراق خلال حقبة ما بعد اندلاع الثورة السورية، حيث لا نجد منهم من اعتنق الإسلام عبر التصوف، لأنهم اعتنقوا الإسلام عبر البوابة الجهادية.

في هذه الجزئيات الدقيقة، رغم أنها تهم أقلية إيديولوجية أساساً، تتضح بعض القلاقل التي يمكن أن تصدر عن معتنقي الإسلام عبر البوابة الإيديولوجية، ومنها البوابة الإخوانية والجهادية.

صحيح أننا نتحدث عن أقليات، على غرار السائد في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، أي إن الإيديولوجيات الإسلامية الحركية متواضعة الحضور، مقارنة مع عامة وخاصة المسلمين، ولكن الإشكال مع القلاقل التي تصدر عنها (مواقف تحرض على العنف، تشدد وغلو، اعتداءات.. إلخ)، أنها توظف من غلاة اليمين في السياسة والفكر والإعلام، هناك في أوربا، بما في ذلك غلاة الإسلاموفوبيا، بينما غالبية المسلمين، لا علاقة لهم أساساً بهذه الإيديولوجيات: إنها الأقلية المشاغبة التي تشوش على الأغلبية المسالمة.

والشاهد هنا، أن اعتناق الإسلام عبر بوابة التصوف في الساحة الأوربية، يساهم في تغذية قيم المشترك الإنساني، كما يساهم في الإبقاء على صورة جمالية وإحسانية للإسلام، كما يساهم بالضرورة في المواجهة النظرية والعملية للمعضلة الجهادية وصد خطاب الإسلاموفوبيا؛ بخلاف الأمر مع اعتناق الإسلام عبر البوابة الإسلاموية، لأنه يساهم في تكريس أزمات مجتمعية، تسيء للجميع، للمسلمين ولغير المسلمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى