مستقبل أكثر مرونة.. السياسات المصرية للتحول نحو الاقتصاد الأخضر

يعد موضوع الاقتصاد الأخضر من الموضوعات المهمة التى تحظى باهتمام المجتمع الدولي ومنظمات حماية البيئة، فهو نموذج جديد من نماذج التنمية الاقتصادية سريعة النمو التي تعتمد بشكل مباشر على الاستثمارات الخضراء التي تهدف إلى معالجة العلاقة المتبادلة بين الموارد الطبيعية للبيئة، وبين استغلال هذه الموارد بما يخدم المجتمع ويحقق الرفاه الاقتصادي، ويحد من الآثار العكسية للنشاطات الإنسانية على التغير المناخي، والاحتباس الحراري واستنزاف الموارد.

وفي ضوء، إعطاء الحكومة المصرية الأولوية للتمويل المستدام وسعيها لاتساق الاستثمار العام مع مبادئ الاقتصاد الأخضر، ووفقاً لرؤية 2030، تتبنى الحكومة المصرية فى موازنتها الجديدة لعام 2020\2021، استراتيجية وطنية للانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، وقد بدأت في التوجه نحو الاهتمام بهذا النوع من الاقتصاد كأحد السبل الهامة، والرئيسية في خطط التنمية الشاملة التي تجرى على أرض الوطن، وذلك من خلال تنفيذ العديد من المشروعات التي تتناسب مع الأولويات الاقتصادية والبيئية. تأسيسا على ما سبق، يمكن طرح هذا السؤال، والإجابة عنه، وهو: هل اتسقت توجهات الحكومة المصرية مع معايير الاقتصاد الأخضر؟.

مشروعات مصرية:

بلغت قيمة المشروعات الخضراء المؤهلة فى مصر نحو 1.9 مليار دولار حتى سبتمبر 2020، منها 16% في مجال الطاقة المتجددة، و19% في مجال النقل النظيف، و26% في مجال المياه والصرف الصحي، و39% في مجال الحد من التلوث. كما قامت الحكومة بتنفيذ العديد من المشروعات الخضراء للحفاظ على البيئة، والتى تعتمد على الطاقة النظيفة والطاقة المتجددة، وتتمثل أهم هذه المشروعات فيما يلي:

(*) لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة مع زيادة عدد السكان، تقوم مصر بتنفيذ إستراتيجيتها للطاقة المستدامة ، والتي تتضمن زيادة استخدام الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الطاقة. وقد حددت الحكومة أهدافًا لمصادر الطاقة المتجددة لتشكل 42٪ من الكهرباء في البلاد بحلول عام 2035.وفى هذا الاطار ، تم تنفيذ مشروع مجمع بنبان للطاقة الشمسية بإجمالي استثمارات أكثر من 2 مليار دولار، وبإجمالي قدرة إنتاجية 1465 ميجا وات، ويضم 32 محطة بقدرة 1465 ميجاوات تعادل 90% من إنتاج السد العالى.

(*) يجرى تنفيذ مشروع توليد الكهرباء بتكنولوجيا الضخ والتخزين “عتاقة”، بإجمالي تكلفة 2.7 مليار دولار، وبإجمالي قدرة إنتاجية 2400 ميجا وات، بالإضافة إلى توقيع عقد بقيمة 4.3 مليار جنيه لتنفيذ مشروع محطة توليد الكهرباء من طاقة الرياح بخليج السويس، وبإجمالي قدرة إنتاجية 250 ميجا وات .

(*) فى مجال النقل، جاري تنفيذ مشروع القطار الكهربائي بإجمالي تكلفة 1.2 مليار دولار، و7 مليار جنيه، سيستفيد منه نحو 500 ألف راكب يومياً، بالإضافة إلى أنه يجرى تنفيذ مشروع خطي مونوريل العاصمة الإداريةالممتد إجمالى طوله لـ 56 كم ويشمل 22 محطة ، والمخطط انتهاء تنفيذه بالكامل مع نهاية عام 2023.

(*) زيادة عدد السيارات المحولة للعمل بالغاز الطبيعي بنسبة 44.9%، لتصل إلى 325 ألف سيارة في أغسطس 2020، مقارنة بـ 224.3 ألف سيارة في أغسطس 2016 وذلك ضمن مبادرة “البرنامج القومي لتحويل وإحلال السيارات للعمل بالغاز الطبيعي”. حيث أن التحول للغاز الطبيعي في السيارات، يسهم في خفض الانبعاثات الملوثة للهواء، والتوسع في استخدام الطاقة النظيفة غير المكلفة.

(*) وفيما يتعلق بمجال المياه والصرف الصحي، جاري تنفيذ محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر، بإجمالي تكلفة استثمارية للمشروع تبلغ مليار دولار، وبطاقة إنتاجية مستهدفة تبلغ  5.6 مليون م3 يومياً، وكذلك جاري تنفيذ توسعات بمحطة معالجة مياه الصرف الصحي بمنطقة الجبل الأصفر بإجمالي تكلفة للمشروع تصل إلى  7.8 مليار جنيه، وبطاقة مليون م3 يومياً توسعات للمحطة، لتصل إلى 3.5 مليون م3 يومياً بنهاية 2023، في حين تم تنفيذ محطة تحلية مياه البحر بالعلمين بإجمالي 150 مليون دولار، وبطاقة إنتاجية تصل  إلى 150 ألف م3 يومياً.

(*) وفيما يخص مجال الحد من التلوث، هناك مشروع الإدارة المستدامة للملوثات العضوية الثابتة بتكلفة إجمالية بلغت 6.7 مليون دولار، كما بلغت تكلفة تنفيذ مشروعات لتقليل تأثر القطاعات المختلفة بالتغيرات المناخية وحماية طبقة الأوزون 42.1 مليون دولار، في حين بلغ إجمالي تمويل البرنامج الوطني لإدارة المخلفات الصلبة 77.9 مليون يورو.

(*) فى مجال العمران، تم إنشاء مجتمعات حضرية مستدامة منخفضة الكربون وفى مقدمتها العاصمة الإدارية الجديدة، ومدن أخرى بلغ عددها 14 مدينة جديدة وذكية.

(*) مشروع بقيمة 200 مليون دولار مع البنك الدولي لدعم مبادرات مصر للحد من الهواء والتلوث من القطاعات الحيوية وزيادة المرونة في مواجهة تلوث الهواء في القاهرة الكبرى. وهو جزء من مشروع القاهرة الكبرى لإدارة تلوث الهواء وتغير المناخ ومدته ست سنوات ، والذي يدعم جهود مصر للحد من تلوث الهواء وانبعاثات الملوثات بما يتماشى مع استراتيجية التنمية المستدامة في البلاد.

خطط دعم التحول للأخضر:

 تعتبر موازنة العام الجديد 2020 \2021 أول موازنة خضراء تنفذها الدولة المصرية بالتوافق مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه تم إرساء قواعد الموازنة الخضراء، تماشياً مع قرارات مجلس الوزراء المصرى فيما يتعلق بالقواعد البيئية، حيث قررت الحكومة أن تكون 50% من معايير الخطة للدولة تتوافق مع المعايير البيئية، لدمج البعد البيئي في مشروعات الوزارات الأخرى، حتى تصل 50% من مشروعات الوزارات المختلفة لمشروعات خضراء خلال الفترة المقبلة.

وما سبق، يعتبر خطوة كبيرة نحو تحول مصر إلى الاقتصاد الأخضر، حيث شملت الموازنة نحو 691 مشروع بتكلفة كلية حوالى 447.3 مليار جنيه. كما تم توجيه 14% من إجمالي الاستثمارات العامة إلى هذه المشروعات، وذلك وفقاً لما أعلنته وزارة التنمية الاقتصادية والتخطيط. كما جاري العمل على تحقيق 30% من المشروعات الخضراء مع استهداف رفع تلك النسبة لتصبـح 50% في الأعوام الثلاث القادمة(2024/2025).

ومن المستهدف خلال الفترة المقبلة زيادة الاستثمارات العامة الموجهة للمشروعات الخضراء، من 15% في خطة العام الحالي (20/2021)، إلى 30% في خطة العام المالي (21/2022). كما قدمت الحكومة المصرية حوافز للوزارات للتحرك نحو المشروعات الخضراء من خلال إعطاء الأولوية للتمويل.

وعلى صعيد متصل، تعتبر مصر من أوائل الدول فى منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا التى تتخذ خطوات واضحة نحو تعزيز التمويل الأخضر، عن طريق سندات سيادية خضراء بقيمة 750 مليون دولار فى سبتمبر 2020، لأجل 5 سنوات.

 ويقصد بـ” التمويل الأخضر ” استخدام المنتجات والخدمات المالية، مثل القروض والتأمين والأسهم والسندات، وغيرها من أجل تمويل المشروعات الخضراء أو الصديقة للبيئة، وتشمل تلك الاستثمارات كل من: الطاقة المتجددة، معالجة النفايات وإعادة تدويرها، ومعالجة مياه الصرف الصحي، وحماية التنوع البيولوجى، والتخفيف من التلوث. وتهدف تلك السندات بصفة أساسية إلى تمويل المشروعات الصديقة للبيئة وتشجيع التوجه الإستثماري إليها.

مزايا التحول نحو الاقتصاد الأخضر:

يجسد التمويل الأخضر جزء من الهدف السابع والثامن من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة المعنى بكل من ( طاقة نظيفة وبأسعار معقولة، والعمل اللائق ونمو الاقتصاد)، وهو جوهر الاستدامة لأنه يسعى إلى تعزيز النمو المستدام والشامل، والعمالة الكاملة والمنتجة، والعمل اللائق للجميع. ويشدد التمويل الأخضر بوجه الخصوص على تعزيز قدرة المؤسسات المالية المحلية على التشجيع والتوسع، والوصول إلى الخدمات المصرفية والتأمين والخدمات المالية للجميع دون الإضرار بالبيئة، وهى تلك الأهداف الانمائية التى تسعى مصر نحو تحقيقها تماشياً مع المتطلبات التنموية العالمية، كما يتماشى مع أهداف رؤية مصر 2030، ومن أهم المزايا الاقتصادية التي يحققها التحول إلى الاقتصاد الأخضر ما يلى:-

(&) حماية مصر من عقبات مشكلة التغير المناخى التى تتعدد خسائرها الاقتصادية والصحية، حيث يوفر الاقتصاد الأخضر التمويل اللازم للاستثمار في مجال الزراعــة. كما ينتج عن تلك الاستثمارات تحسـين نوعيـة وجـودة التربـة وزيـادة العائـدات مـن المحاصـيل الرئيسية، وتجنب العديد من المشكلات المتعلقة بنقص إنتاجية المحاصيل وارتفاع أسعارها، حيث تسبب تغير المناخ فى تراجع انتاجية أهم المحاصيل مثل ( القمح والأرز والذرة )، ويترب على ذلك تراجع حجم المعروض وارتفاع أسعارهم.

وقد تناولت العديد من الدراسات المتعلقة بالآثار المتوقعة لتغير المناخ على القطاع الزراعي على وجه التحديد، وتوقعت أن إنتاجية العديد من المحاصيل الزراعية مهددة بشكل كبير فى أفريقيا من جراء تغير المناخ بشكل يفوق أى دولة أخرى على وجه الخصوص، وستكون أكثر المناطق المتأثرة بشدة من ذلك كل من: الجابون، ونيجيريا، ومصر، والصومال، فى حين أن جنوب ووسط إفريقيا قد تتعرض لتأثير أكثر ضررًا، وذلك بحلول عام 2080.

(&) تخفيض كميــات الطاقــة المستخدمة فــي عمليــات الإنتاج الملوث للبيئة، وهو ما يؤدي إلى تقليل النفايــات وانبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وخفض انبعاث ثاني أكسيد الكربون بنسبة 13٪، ؛ وبالتالي الحفاظ على الصحة العامة في مصر.

(&) الحد من فجوة العرض والطلب على المياه، حيث تتوقع العديد من الدراسات المتخصصة في أبحاث المياه زيادة بنسبة 200٪ في الطلب على المياه بحلول عام 2030 (مدفوعًا بالنمو السكاني والتنمية فى أفريقيا )، وقد يؤدي ذلك إلى مواجهة المنطقة لمشكلة نقص حاد فى المياه، فمن الممكن أن يتأثر نحو  75-250 مليون شخص بزيادة نقص المياه، مما يعرض شعوب تلك الدول لمخاطر الجفاف. ولذلك تسعى مصر نحو تبنى المشروعات ذات العوائد البيئية الايجابية والقادرة على خلق مصادر للمياه وترشيد استخداماتها بما يحافظ على استمراريتها ومواجهتها للطلب للمتزايد، وتقليل استهلاك المياه بنسبة قد تصل إلى 40٪.

(&) يسهم التمويل الأخضر فـي التقليل مـن معدلات الفقـر عن طريق استغلال الأمثل للمـوارد الطبيعية والأنظمة الأيكولوجية، والذي بدوره يضمن تـوفير العديد من المشروعات البيئية النظيفة التي تخلق العديد الوظــائف الجديــدة ولاسيما فــي قطاعــات الزراعــة، والنباتات،  والطاقة، والنقل.

(&) دفع معدلات النمو الاقتصادي، والمساهمة الفعالة فى تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، حيث أكدت الدراسات أن عملية التحول إلى اقتصاد أخضر يمكن أن تساعد مصر في تحقيق وفورات سنوية تقدر بما يزيد عن 2.4 مليار دولار سنوياً.

في النهاية، يمكن القول إنه مع استمرار جائحة كوفيد -19 في إضعاف معظم اقتصادات العالم، يعتبر التوجه نحو تبنى معايير الاقتصاد الأخضر، هو المفتاح لمستقبل أكثر مرونة واستدامة، وهو ما تعمل عليه مصر، باعتباره هدفاً قومياً فى محاولة منها لمراعاة المعايير البيئية عند إقامة المشروعات الكبرى حفاظًا على حقوق الأجيال القادمة، والاستمرار فى تنفيذ إستراتيجية التعافي الأخضر، التي تستهدف تنفيذ مشروعات متوافقة مع متطلبات البيئة وحمايتها بما يخدم فى النهاية مصالح الاقتصاد المصرى ومواطنيه.

 

 

.

 

 

د.جيهان عبد السلام

رئيس وحدة دراسات مصر -أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة. -حاصلة على دكتوراه الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا. -عضو هيئة تحكيم البحوث الاقتصادية لدى المركز الجامعي لترامنست. -عضو هيئة تحكيم لدى كلية الاقتصاد والإدارة وعلوم التيسير. -عضو هيئة تحكيم لدى جامعة الشهيد لخضر. -خبير اقتصادي وكاتبة في العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى