لماذا أخفقت المشاريع الفكرية الحداثية فى مصر؟ (2)

د. حسن حماد ‏

تناولنا فى المقال السابق بدايات المشاريع الفكرية فى مصر بدءًا من المشروع الليبرالى الذى تزامن ميلاده مع ميلاد دولة مصر الحديثة على يد محمد على باشا، ثم تناولنا أيضًا المشروع اليسارى الماركسى وتطرقنا إلى تحولاته التى مر بها حتى اللحظة الراهنة.

وفى هذا المقال نتوقف أمام ثلاثة مشاريع أخرى وهي: المشروع العلمى الوضعى، والمشروع اليسارى الإسلامى والمشروع العلمانى.

يرتبط المشروع الأول، وهو مشروع– ذو طابع أكاديمى تمامًا– باسم الراحل الدكتور زكى نجيب محمود، الذى تبنى مشروعًا ثقافيًا قوامه الدفاع عن المنهج العلمى، والترويج للتفكير الوضعى، وقد عبر الرجل عن رؤيته فى عدد من المقالات والمؤلفات، لعل من أهمها: «نحو فلسفة علمية»، «تجديد الفكر العربي»، «خرافة الميتافيزيقا»… وغيرها من عشرات الكتب المؤلفة والمترجمة، غير أن هذه الدعوة لم تلق تجاوبًا يُذكر نتيجة هيمنة الموروث الثقافى المعادى للعلم والمناهض لأى فكر عقلى يعادى المسلمات!

ومن المشاريع المعاصرة التى لا يمكن إغفالها مشروع د. حسن حنفى الذى بدأ يدافع عنه منذ الحقبة الساداتية، وفيه يحاول أن يستخرج من رحم التراث الدينى الإسلامى أفكارًا ثورية على غرار «لاهوت التحرير» فى الغرب. وقد قدم حنفى مشروعه الجديد عبر عدد هائل من المؤلفات يأتى فى مقدمتها «التراث والتجديد»، «من العقيدة إلى الثورة» (خمسة أجزاء)، «الدين والثورة فى مصر» (ثمانية أجزاء)، «من النقل إلى الإبداع» (تسعة أجزاء)، ورغم غزارة وعمق هذا الإنتاج وأهميته لكن يبدو أن المهمة لم تكن سهلة لأن طبيعة المقدس فى النص الإسلامى تختلف جوهريًّا عن طبيعة المقدس فى النصوص المسيحية، من حيث إن هذه النصوص الأخيرة قد خضعت لمرحلة طويلة من النقد والتفكيك أصبح معها النص المقدس أكثر قابلية للتأويل وأكثر استجابة للتصورات التحررية والليبرالية، لذلك فإن مشروع حسن حنفى لم يُحقق الآمال المرجوة وظل مجرد أحلام فيلسوف!

ولا يمكن أن نتحدث عن المشاريع الفكرية التحررية دون أن نتوقف عند المشروع العلمانى وهو مشروع يرتبط بنيويًّا بالمشروع الليبرالى وأيضًا بالمشروع الشيوعى الماركسى، لكنه اتخذ طابعًا مستقلًا منذ تزايد وتيرة الإرهاب الدينى وتصاعد قوة جماعات الإسلام السياسى، ذلك التصاعد الذى بلغ ذروته مع وصول جماعة الإخوان لحكم مصر عام 2012 وهنا أصبحت الحاجة ملحة لوجود تيار يدافع عن مدنية الدولة، ويسعى لإرساء قيم الحرية والمواطنة والعقلانية.

ويخوض التيار العلمانى حاليًّا معركته على جبهتين: الأولى الدفاع عن مفاهيم العلمانية وتبرئتها من وصمة الاتهام بالفكر الإلحادى واللادينى، والكشف عن أهميتها وضرورة ترسيخ قيمها حتى لا يتكرر مرة أخرى مشهد استيلاء تيار الإسلام السياسى على السلطة. أما الجبهة الثانية فتستهدف نقد الخطاب الدينى التكفيرى، وفضح مآربه وأهدافه الإرهابية والقمعية.

ويتصدر د. مراد وهبة مقدمة المدافعين عن هذا التيار. وإلى جانب د. مراد نجد عددًا كبيرًا من الكتاب والإعلاميين والفنانين مثل د. طارق حجى ود. خالد منتصر ود. إسلام بحيرى ود. سيد القمنى والمرحوم وحيد حامد ومن قبله أسامة أنور عكاشة ود. بهى الدين مرسى وقليل من أساتذة الجامعات مثل د. عصام عبدالفتاح ود. عبدالله شلبى ود. حسين على حسين ود. جهاد عودة ود. أشرف منصور ود. عبده كساب ود. خيرى فرجانى ود. محمود سطوحى ود. سمير فاضل ومحمد الشناوى وأحمد سامر ووهبة دربالة ود. يوسف زيدان وأحمد سعيد زايد. وكاتب هذه السطور، وبالتأكيد هناك آخرون سواء داخل الجامعات أو خارجها ينتمون لهذا المشروع، ربما خانتنى الذاكرة فى أن أشير إليهم فى هذا المقال. على أية حال فإن المشروع العلمانى شأنه شأن المشاريع الليبرالية والمشاريع اليسارية يُعانى هو الآخر من العزلة والاغتراب، ولا يحظى بقاعدة شعبية تمنحه القوة فى الاستمرار والفاعلية.

وهنا يُثار السؤال: –

لماذا تعجز هذه المشاريع عن الوصول إلى الإنسان العادى، إلى الجماهير التى تحلم بالتغيير، لماذا رغم هذا المخاض الثورى الذى عاشته مصر بعد 25 يناير و30 يونيو نعانى من حالة تصحر ثقافى وسياسى وتزداد الفجوة بين النخبة السياسية والثقافية وبين الجماهير يومًا بعد يوم؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستجدونها فى العدد القادم إن شاء الله.

نقلا عن صحيفة الوفد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى