بعد إعلانه عن التراجع.. إلى أين يصل التصعيد بين “فيرماجو” وقوى المعارضة؟

تشهد الأوضاع في الصومال درجة حادة من الإحتقان بين الأطراف المتصارعة، أنعكست بعض ملامحها في الإشتباكات التي شهدتها العاصمة مقديشيو خلال الأيام الأخيرة بين القوات التابعة للرئيس “محمد عبد الله فيرماجو” (المنتهية ولايته) وتلك التابعة لقوى المعارضة- أدت إلى إنقسامات خطيرة داخل قوات الأمن الحكومية على أسس عرقية.

 لقد بلغ حد الأزمة إعلان القوات التابعة للمعارضة سيطرتها على بعض أجزاء من العاصمة الصومالية، وهو ما عكس مؤشرات خطيرة باحتمالات دخول البلاد في حرب أهلية، حتى مع إعلان “فيرماجو” التراجع عن قرار تمديد فترة ولايته لعامين إضافين (والذي يمثل السبب الرئيسي في تأجيج الصراع الراهن)، والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة والعودة للحوار، في خطوة فسرها البعض بأنها تمثل رضوخاً من قبل الرئيس الصومالي للضغط المحلي والدولي، بيد أن ثمة رأي آخر يرى في تصريحات “فيرماجو” نوعاً من المناورة لا يستهدف بها حلحلة حقيقية للأزمة.

عودة الصراع المسلح:

تصاعدت حدة التوتر في العاصمة الصومالية مقديشو خلال الأيام الأخيرة، فقد سيطر مقاتلون مسلحون موالون للمعارضة على أجزاء من العاصمة غداة اشتباكات مع الجيش الصومالي، ما أعاد إحياء المخاوف من عودة الصومال إلى بؤرة الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد لسنوات طويلة.

وقد تصاعدت حدة التوتر الراهن في الصومال بعد إعلان الرئيس “عبد الله فيرماجو” في منتصف أبريل الجاري عن تمديد فترة ولايته (المنتهية) لعامين إضافيين، قبل أن يقر البرلمان الصومالي قانوناً يقنن استمرار الرئيس والسلطة التشريعية حتى عام 2023 لحين عقد انتخابات مباشرة، مع إبطال اتفاق سبتمبر 2020 الخاص بالتوافق على اجراء انتخابات غير مباشرة، وهو ما أدى إلى تأجيج الصراع بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة، وتحول الصراع خلال الأسبوع الماضي إلى مواجهات مسلحة في العاصمة مقديشيو. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الصومال لم يشهد أعمال عنف ذات طابع سياسي منذ عدة سنوات، حيث تهيمن حالة من التوازن الهش على الحياة السياسية في البلاد، وتقتصر أعمال العنف في البلاد على الهجمات التي تشنها حركة “الشباب”.

وشهدت الأيام الأخيرة حدوث انشقاقات داخل مؤسسات الأمن والجيش الصومالي إزاء إعلان الرئيس الصومالي تمديد فترة ولايته، فقد أنشق بعض القادة من الشرطة والجيش الصومالي وأعلنوا انضمامهم إلى المعارضة، ومن ثم دخل الطرفان في مواجهات مسلحة في العاصمة الصومالية، خاصةً بعد وصول قوة من الجيش الصومالي -معارضة لتمديد ولاية الرئيس “فيرماجو”- إلى العاصمة بعدما أن انسحبت من قواعدها في إقليم شبيلي (جنوب شرقي البلاد).

وقد نجحت القوات الداعمة للمعارضة من السيطرة على بعض المناطق في مقديشيو، مما أثار مخاوف من عودة البلاد إلى دائرة حرب أهلية شاملة، خاصة وأن حركة الشباب بدأت تعمل على استغلال الأوضاع الراهنة في توسيع انتشارها، وهو ما تجسد في إعلان الحركة عن سيطرتها على بعض المدن خلال الأيام الأخيرة، على غرار “كاران” و”سيغال” و”عبدالعزيز” و”هولوداغ” و”هودن”، حتى باتت هذه القوات على بعض أمتار من القصر الرئاسي، وهو ما ردت عليه القوات الحكومية عبر الهجوم على مقر سكن الرئيس السابق ” حسن شيخ محمود” والوزير الأسبق “عبد الرحمن عبد الشكور”.

من ناحية أخرى، شهدت مناطق أخرى من العاصمة الصومالية مواجهات عسكرية أخرى، وذلك عندما تقدمت القوات الحكومية إلى حي تهيمن عليه عشيرة “الهوية” ما أفرز مواجهات مسلحة بين قوات المعارضة في هذه المناطق وقوات الحكومة الفيدرالية، وشارك في هذه المواجهات بعض الموالين لرئيس شرطة بنادر ” صادق عمر حسن”، والذي تم إقالته بعد محاولته منع انعقاد جلسة البرلمان الذي أقر قانون مد فترة ولاية الرئيس.

وتتصاعد خطورة التصدعات التي شهدتها المؤسسات الأمنية الصومالية خلال الفترة الأخيرة في ظل الطبيعة الإثنية التي تسيطر على هيكلية مؤسسة الجيش والشرطة الصومالية، وينتمي الرئيس الصومالي “عبد الله فيرماجو” إلى إحدى العشائر الرئيسية في البلاد، وهي قبيلة “دارود”، بينما ينتمي غالبية القادة العسكريين في مقديشيو إلى عشيرة كبرى أخرى هي قبيلة “هوية”، وهي العشيرة التي ينتمي إليها كثير من زعماء المعارضة، وهو ما يمثل عامل إضافي لتأجيج الصراع السياسي الراهن.

 لكن في المقابل، يجب الأخذ في الإعتبار أن الرئيس “فيرماجو” لا يزال يضمن ولاء عدد من أقوى قيادة الجيش، بما في ذلك بعض العناصر المنتمية لقبيلة “هوية” التي ينتمي إليها غالبية المعارضة، على غرار الجنرال “أودووا يوسف راغي”، لكن فعلياً يرتكز إعتماد “فيرماجو” بالأساس على القادة العسكريين المنتميين لعشائر “هرتي- دارود” و”رحنوين”.

إعادة هيكلة مواقف الأطراف الداخلية:

في 27 أبريل الجاري، أعلن رؤساء ثلاث ولايات صومالية (من أصل خمس ولايات فيدرالية) رفضهم تمديد ولاية الرئيس الصومالي والسلطة التشريعية لمدة عامين، حيث أصدر رؤساء ولاية “هيرشبيلي” وولاية “جلمدغ” وولاية “جنوب غرب الصومال” بيانا مشتركاً دعوا خلاله إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية عاجلة وفقاً لاتفاق 17 سبتمبر 2020 لحلحة الأزمة الراهنة، ويعكس هذا البيان تغيرات جذرية في موقف الولايات الثلاثة المحسوبة على الرئيس الصومالي “عبد الله فيرماجو”، والذين كانوا قد أعلنوا في وقت سابق عن دعمهم لقرار التمديد للرئيس.

من ناحية أخرى، أعلن رئيس الوزراء الصومالي “محمد حسين روبلى” أنه لا يؤيد الطرح الخاص بتمديد فترة الرئيس “فيرماجو”، وهنا تجدر الإشارة إلى أن “روبلي” كان قد اختاره الرئيس “فيرماجو” بعد الإطاحة برئيس الوزراء السابق “حسن على خيري” في سبتمبر الماضي، نظراً لموالاة “حسين روبلي” للرئيس، فضلاً عن عدم وجود طموح سياسي له، ومن ثم تعكس التصريحات الأخيرة لرئيس الحكومة الصومالية مؤشرات لتبني رئيس الوزراء موقفاً مخالفاً لرئيس الجمهورية، وهو ما يعني احتمالات وجود تصدعات في صفوف الفريق الداعم للرئيس، وذلك في أعقاب المواجهات المسلحة التي شهدتها العاصمة مقديشيو بين فصائل داخل الأجهزة الأمنية.

رضوخ أم مناورة؟:

أعلن الرئيس الصومالي “محمد عبدالله فرماجو” في 27 أبريل الجاري، قبوله بالتخلي عن محاولته تمديد فترة حكمه لعامين جديدين، بعدما تعرض لضغط داخلي وخارجي مكثف خلال الفترة الماضية، وقد أشار “فيرماجو” أنه سيتوجه إلى البرلمان الصومالي في مطلع مايو المقبل، لإعلان التراجع عن قانون التمديد لتحقيق “التوازن حول الأسس القانونية لاتفاقيات الانتخابات”، كما أعلن عن استعداد الحكومة لاجراء الانتخابات على أساس اتفاق 17 سبتمبر2020 ومقترحات لجنة “بيدوا” في 16 فبرير2021، وقد دعا “فيرماجو” جميع الأطراف إلى حوار وطني شامل وغير مشروط حول أزمة الانتخابات العامة للتوقيع على اتفاقيات الانتخابات.

من ناحية أخرى، تشير بعض التقديرات إلى أن الخطوات التي يتخذها الرئيس الصومالي وحلفائه في الداخل تستهدف فقط تهدئة الأجواء والمناورة لتجنب الاستمرار في التصعيد غير المحسوب في ظل وجود ضغط دولي هائل، وحدوث انشقاقات داخلية تهدد استمرارية وشرعية الرئيس “الهشة”، ويدعم أصحاب هذا الرأي طرحهم بتصريحات الرئيس “فيرماجو” الأخيرة، والتي حاول التنصل من مسئولية تدهور الأوضاع الراهنة وتحميل جهات داخلية وخارجية نتاج حالة الإستقطاب التي وصلت لها البلاد.

أيضاً يشير أنصار هذا الرأي إلى أن إعلان الرئيس عن توجهه إلى البرلمان لإعادة مناقشة سبل حلحلة الأزمة تحمل مؤشراً آخر بشأن محاولات “فيرماجو” المراوغة، نظراً لأن اللوائح الإدارية لمجلس الشعب الصومالي تقر عدم جواز مناقشة ما تم التصويت عليه قبل إنقضاء مدة 6 أشهر من تاريخ التصويت، ومن ثم فقانونياً لا يمتلك المجلس حق إلغاء القرار الأخير الصادر عنه في 12 أبريل الجاري بإلغاء اتفاق 17 سبتمبر 2020 والتمديد للرئيس والسلطة التشريعية.

ماذا بعد؟:

هناك قلق دولي وإقليمي واضح من تدهور الأوضاع في الصومال، خاصةً في ظل التداعيات المحتملة على اندلاع أية صراعات مسلحة في الصومال على منطقة القرن الإفريقي ككل، وهو ما يمثل تهديداً لمصالح الكثير من الفواعل الدولية والإقليمية، وإهداراً للمكتسبات التي حققها الشركاء الدوليين في الصومال خلال السنوات الماضية، وقد تجسد هذا القلق الدولي والإقليمي في ردود الفعل الواسعة التي صدرت عن الكثير من القوة الدولية والإقليمية، فضلاً عن العديد من المنظمات الدولية والإقليمية، وقد عبرت كافة الأطراف عن قلقها من تدهور الأوضاع في الصومال، ودعوة الأطراف كافة إلى العودة إلى الحوار، وإجراء انتخابات عاجلة لحلحلة الأزمة الراهنة.

من ناحية أخرى، ثمة توجهات أمريكية واضحة لتعزيز الحضور في منطقة القرن الإفريقي، خاصةً في ظل الأزمات المتفاقمة التي بات يعاني منها دول الإقليم – ومنها الصومال- في الوقت الراهن، وما يمثله ذلك من تداعيات خطيرة على حركة الملاحة في البحر الأحمر، فضلاً عن تقويض النفوذ الأمريكي في المنطقة لصالح منافس واشنطن الرئيسي وهو الصين، ومن ثم أعلنت الإدارة الأمريكية تعيين الدبلوماسي المخضرم “جيفري فيلتمان” كمبعوث خاص لواشنطن في المنطقة، في مؤشر على انخراط أمريكي مكثف في المنطقة خلال الفترة المقبلة.

وفي إطار التطورات الأخيرة التي تشهدها الصومال، فقد باتت الأخيرة على مشارف حرب أهلية، مع التخوف من تحول الأمر إلى صراعات بالوكالة بين أطراف اقليمية ودولية في مقديشيو، وهو ما يعكس تداعيات خطيرة بشأن مستقبل الأوضاع الأمنية في الصومال ومنطقة القرن الإفريقية. لكن يبقى المحدد الأبرز، الذي يمكن التعويل عليه في تهدأة التوتر الراهن هو دور الشركاء الدوليين، إذ لا يرجح أن يتنازل هؤلاء الشركاء بسهولة عن التقدم الذي تم تحقيقه خلال السنوات الأخيرة، لذا يرجح البعض أن يضغط الشركاء الدوليين على الحكومة الصومالية للدفع نحو تسوية الأزمة، خاصةً وأن هؤلاء الشركاء يمثلون الممول الرئيسي لعملية الاستقرار في الصومال.

بل يمكن أن يشكل توقف هذا التمويل من تداعيات خطيرة على بقاء الحكومة الفيدرالية ذاتها، ويتوقع أن تشهد الفترة المقبلة مشاورات مكثفة بين الفواعل الدولية والإقليمية والداخلية بشأن كيفية تعزيز دور بعثة الأميصوم وتمديد فترة عملها لحين فرض الاستقرار في مقديشيو، وتجنب استغلال حركة الشباب للأوضاع الأمنية المتدهور والعمل على تكثيف نشاطه وتوسيع رقعة انتشاره.

أيضاً، يبقى للبعد القبلي دوراً محورياً في حلحلة الأزمة الراهنة في الصومال، حيث يمكن التعويل على دور القيادات القبلية في تسوية الصراع السياسي بين الأطراف المختلفة، وذلك نظراً للمكانة والسلطة التي يحظى بها قادة القبائل الرئيسية في الصومال. فعلى الرغم مما يمثله البعد القبلي من محدد هام لتأجيج الصراعات في بعض الأوقات، بيد أنه يمكن لقادة القبائل العمل على محاولة فرض التوافق بين القوى السياسية، وربما يدعم هذا الطرح ما أشارت إليه بعض التقارير الصومالية من دور بعض القيادات القبلية في الضغط على رؤساء ولايات “هيرشبيلي” و”جيلمدغ” و”جنوب غرب الصومال”، فضلاً عن رئيس الوزراء (وهم محسوبون على حلف الرئيس فيرماجو) للتراجع عن موقفهم المتشدد والعمل على التوصل إلى تسوية سياسية توافقية.

أخيراً، يمكن القول إنه على الرغم من توقف المواجهات المسلحة بين الإطراف المتصارعة في العاصمة الصومالية، بيد أن هذا السكون لا يزال هشاً، وقابل للتأجيج في أي وقت، خاصةً بعدما أعلنت قوى المعارضة تمسكها بالبقاء في النقاط التي تسيطر عليها في مقديشيو لحين إجراء الانتخابات، وعدم الوثوق في تصريحات الرئيس الذي يستعد للوقوف أمام البرلمان، ومن ثم ففي ظل أزمة الثقة الراهنة، وتحفذ كل طرف لحسم الصراع لصالحه، تبقى حالة عدم اليقين مهيمنة على الوضع الداخلي في الصومال، مع بقاء الباب مفتوحاً أمام كافة الإحتمالات.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى