التعامل مع ” كورونا” نموذجاً.. مصر والإدارة الرشيدة للطوارئ الاستراتيجية

د. عبدالغفار عفيفي الدويك.

خبير استراتيجي وأكاديمي مصري ومستشار مركز رع للدراسات الاستراتيجية

شهد العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة تغيرات سريعة ومتلاحقة في كافة مجالات الحياة نجم عنها العديد من الأزمات الدولية المعاصرة، بفعل التطورات غير المسبوقة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والهندسة الوراثية والكيمياء الحيوية وغيرها من العلوم، لم يواكبه مستوى من التكيف المناسب من جانب الأبنية السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، للتعامل مع الآثار المترتبة عليها، الأمر الذي نتج عنه تزايدا ملحوظا في الأزمات الدولية الجديدة. كان من أبرز مخاطرها الفيروسات الوبائية فضلا عن التغير المستمر في الظواهر الجوية والتغير المناخي وظهور الأمراض المعدية الجديدة، ناهيك عن الإرهاب الدولي الداعشي، وغيره من أعمال الجريمة المنظمة التي وجدت مناخ موات لها داخل مشهد سياسي إقليمي مضطرب، كما أن جائحة كوفيد19 كانت بمثابة لحظة كاشفة عن درجة استعداد وجاهزية دول العالم للتصدي للتهديدات غير التقليدية، عانت العديد من دول العالم من الارتباك عند إدارة هذه الأزمة سواء الدول النامية والفقيرة، بل أيضًا الغنية والمتقدمة، ولم تعد الآليات والأساليب التقليدية قادرة أو كافية للتعامل معها.

الخصائص النوعية للأزمات الدولية في ضوء الجائحة:

الواقع يشير إلى أن العديد من التقارير الدولية كانت قد حذرت وتنبأت بالعديد من الأزمات الوبائية، وفي هذا السياق نتعرف على الخصائص النوعية للأزمات الدولية المعاصرة في ضوء جائحة كورونا كوفيد-19 في موجتها الأولى من أهمها: اتساع نطاق الأزمة، حيث بدت أنها بلا حدود فهي تشمل الكون كله. والامتداد الزمني غير المعروف للأزمات والذي يصعب تقديره، بات ما يطلق عليها الأزمات الممتدة. والضغوط المعلوماتية المتعددة، (غير مسبوقة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والتي خلقت حالة من الخوف والتشكيك في أي بيانات رسمية أكدها( مؤشر إيدلمان للثقة ) بعدم الثقة في أداء الحكومات في إدارة الأزمات المعاصرة. كما أن الأزمات الدولية المعاصرة منتجة للأزمات، حيث أفرزت أزمة كورونا أزمات عديدة جزئية عابرة للحدود من أهمها: أزمة نقل المواطنين العالقين بالدول الأخرى، والأزمات المتعلقة بالحجر الصحي، وتقديم الخدمات العلاجية، والأزمات بتوفير المستلزمات الطبية، وتعبئة الكوادر الطبية المتخصصة، وأزمة البطالة والعمالة الموسمية وغير الرسمية، وأزمة تدبير تمويل إضافي لإدارة أزمة طارئة  وغيرها من الأزمات، التي من أعقدها أزمة توعية المواطنين الرافضين لواقع جديد تفرض عليهم قيود معيشية إعتبروها مقيدة للحرية، وغيرها من الأزمات.

ومن حيث منهج المعالجة المعاصرة تعددت استراتيجيات إدارة الأزمة ما بين استراتيجية الإنكار (أمريكا في بدايتها)، ومناعة القطيع( روسيا والصين)، والترهيب ( بريطانيا ) والمبادرة والتعاطف الإنساني( نيوزيلاندا وتايوان ) واستخدام نماذج النظم المعقدة والتقنيات الحديثة( كوريا الجنوبية )، واستخدام عناصر القوة الشاملة ( المانيا )، ولم تخلو بعض التجارب من اللجوء إلى الإدارة العشوائية للأزمة ( إيران وإيطاليا)  ولازالت هذه الاستراتيجيات في مجال الاختبار والتجريب وتقييمها مرتبط بمدى نجاحها، وتعدد متغيراتها من بلد لآخر يصعب تحديد الاستراتيجية الأمثل لإدارة الأزمة.

الآثار الناجمة عن الجائحة:

 تأسيسا على ما سبق، يمكن رصد بعض الآثار الناجمة عن جائحة كورونا، من أهمها: عودة دور الدولة الوطنية فى مواجهة العولمة المتوحشة، حيث تراجع دور المجتمع الدولى فى مؤازرة الدول المصابة، وهو ما وضح داحل كل الاتحاد الأوروبى ( باستثناء المانيا التى قدمت العون للعديد من دول أوروبا).

وعلى الرغم من أنه سيظل  من الصعب مقارنة أداء الدول فيما يختص بإدارة جائحة كورونا لأسباب عديدة منها الظروف الاقتصادية وكفاءة المنظومة الصحية, واختلاف طبائع وعادات التركيبة السكنية، إلا أن العامل الحاسم كان تحديد السياسة العامة قبل إستراتيجية المواجهة، وقد التزمت غالبية الدول بتوجيهات منظمة الصحة العالمية، وتباينت الدول فيما بينها في اختيار الإستراتيجية المناسبة، حيث كان من الصعب أن تكون هناك إستراتيجية واحدة قادرة على تقديم حل جذرى للأزمة فى ظل تمفصل الأسباب وحالة عدم اليقين التى صاحبتها، لقد مثلت كورونا تهديد مباشر لبقاء المجتمعات ما تتطلب مراجعة منظومة الأمن الصحي لغالبيتها.

مصر والتعامل مع الأزمة:

في ضوء خصائص الأزمات الدولية المعاصرة والتحديات المصاحبة لأزمة كورونا يمكن القول بأن: النجاحات المصرية جاءت مقارنة في ضوء تجارب ناجحة في الصين وكوريا وتايوان ونيوزيلندا وألمانيا في مواجهة الموجتين الأولى والثانية. لقد كانت مصر من أولى الدول التي رصدت تطور تصاعد الجائحة في الصين منذ بداية انتشار الفيروس،” وبنظرة فاحصة للمنهجية المصرية المتفردة ومن خلال الخصوصية الوطنية في إدارة الأزمة، فقد قدم فريق إدارة  الجائحة في مصر نموذجاً رشيدا اتسم بالآتي:

(&) تطبيق مصر “لإستراتيجية القوى الشاملة”: بمعنى تعبئة كل قدرات الدولة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والبشرية والتقنية في إدارة الأزمة، من خلال الإدارة متعددة الأطراف للأزمات المعاصرة على المستوى الداخلي والخارجي، فداخليا تطلب الأمر مشاركة أصحاب المصلحة من الحكومة والقوات المسلحة والقطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني، في صيغة تحقق توازن المصالح بين هذه الأطراف وتعبئة مواردهم وإمكاناتهم المتاحة وتوظيفها لإدارة  الجائحة، وخارجيا فإن الطبيعة العابرة للحدود للأزمات المعاصرة سواء من حيث الانتشار أو الآثار والنتائج تتطلب هذا النوع من الإدارة والتعاون بين الدول والمنظمات الدولية.

 كما كانت مصر صاحبة المبادرة الأولى بزيارة وزيرة صحتها للصين وإيطاليا وهو ما أطلق عليه ” بدبوماسية الأقنعة ” وكان لصعوبة الموقف وطول امتدادها الزمني أن فرضت الجائحة ضرورة تبني استراتيجية التعايش مع الأزمات أو ابتكار استراتيجيات جديدة تراعي خصائص الأزمات الدولية المعاصرة.

(&) وضع خطة طوارئ واضحة وطرق تنفيذها: لقد قدمت مصر خطة طوارئ واضحة في مضمونها ومعناها والعوامل المحركة لها والمخاطر الناتجة عنها ومداها ونطاقها وحدتها، اتسمت بالمرونة والتكيف مع التطورات المتلاحقة ارتباطا بالتحديث المستمر للمعلومات، والمرونة في البدائل المتاحة والإلتزام بتوجيهات منظمة الصحة العالمية. كما استخدمت مصر أدوات غير تقليدية، في محاولة منها للكشف المبكر عن المرض، وتحقيق مفهوم المواجهة القَبْلية من خلال رصد الحالات المحتمل إصابتها، وتحقيق المراقبة الشاملة لجميع الأفراد للتأكد من التزامهم بالتعليمات، ومن أمثلة ذلك استخدام البيانات الضخمة مستفيدة مما لديها في برنامج مبادرة 100مليون صحة. كما كان هناك استفادة من الخبرة السابقة من خبرات أزمتي أنفلونزا الطيور والخنازير. وإنتشار فيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية عام 2015.

(&) التكامل الاستراتيجي في التعامل مع الأزمة: قدمت مصر خبرتها من توظيف متميز للتكامل بين القطاع المدني والعسكري في إدارة الأزمة، وشفافية مطلقة في سياسة الحكومة، فنحن هنا أمام مستوى جديد من التكامل، بين الحكومة والقطاع الخاص على المستوى الإستراتيجي.

وفي إطار الإستراتيجية الشاملة استندت مصر على عناصر قوة الدولة المستمدة من خبرتها التاريخية ومن ثقافتها المجتمعية فبرز في سياق هذه العملية: التضامن داخل المجتمع وبين الحكومة والقطاع الخاص، حيث ساهمت بعض الشركات الصناعية بتغيير خطوط إنتاجها من أجل توفير المعدات والمستلزمات الطبية اللازمة لمواجهة فيروس كورونا، مع توافر البنى التحتية القوية في مجال الصحة والرعاية الاجتماعية.

(&) الاستفادة من قدرات وخبرات القلب الصلب للدولة(الجيش): كما كان لخبرات الجيش وكفاءته اللوجستية، ومنها إنشاء مستشفيات ميدانية، وطائرات إسعاف طائر لنقل المصابين، وتعبئة عدد كبير من الكوادر الطبية المتخصصة، ساهموا في تنفيذ المهام بعيدا عن الإجراءات التقليدية أو الروتينية، حيث قامت القوات المسلحة بإنشاء العديد من المستشفيات الميدانية لدعم جهود وزارة الصحة حال تفاقم الأوضاع بالتنسيق مع المديريات الصحية الأكثر احتياجا. وقد أدت جهود القوات المسلحة البارزة وبكفاءتها المعهودة في الجائحة إلى زيادة  ثقة المواطن في إدارة الحكومة للأزمة.

(&) الابتكار الإداري المناسب في التعامل مع الأزمة: خلال الجائحة تم ابتكار إجراءات إدارية مناسبة للتعامل مع تطورات الأزمة، وتطويع وتكييف بعض الإجراءات التقليدية بما يتماشى وطبيعة تطور الأزمة، والمرونة والتكيف الإداري ( في ادارات المرور والشهر العقاري ومكاتب البريد والبنوك التي إبتكرت الكثير في إجراءاتها لخدمة العملاء، وغيره من الإجراءات لتسهيل الخدمات للمواطنين )، كما لعب الإعلام وشركات اتصالاات المحمول بالتنسيق مع وزارة الصثحة دوراً واضحا بالتواصل مع المواطنين سواء للإرشاد والتوجيه أو مواجهة الشائعات والأخبار الكاذبة، للحد من حالة الخوف وتهدئة الرأي العام، أو الدعوة إلى الاستهانة بالخطر، والدعوة للإلتزام بالإجراءات المفروضة من جانب السلطات المعنية.

(&) المعالجة السريعة للآثار الناجمة عن الجائحة: اهتمت مصر أيضا بالآثار الناتجة عن جائحة كورونا، وهو ما يشير إلى فهم واستيعاب للجوانب الاستراتيجية للأزمة، وكان من أهم ما اتخذته من تدابير اقتصادية واجتماعية ومن أهمها: المصادقة على خطة مساعدة اقتصادية،  من أجل مساعدة الشركات والموظفين في تخطي العواقب الاقتصادية لوباء كورونا المستجد، وتمويل سلسلة من التدابير الاجتماعية مثل إعانة البطالة الجزئية، ودعم الشركات التي اضطرت إلى وقف أنشطتها.

(&) تبني استراتيجية الفصح الموسع والفرز المنهجي: لقد تضمنت خطة الطوارئ الطبية بعض العناصر الفعالة في إدارة  الجائحة، من حيث تبني استراتيجية الفحص الموسع والفرز المنهجي خاصة القادمين والمسافرين من الموانئ والمطارات المصرية. كما ركزت على علاج الأشخاص الذين يعانون من أعراض حادة والذين تقل احتمالية تعافيهم، وهو ما ساعد على خفض معدل الوفيات، فضلا عن التزام المواطنين بارتداء الأقنعة، وممارسة التباعد الاجتماعي، وهو ما ساعد على الحد من تفشي الوباء. كما تولي الدولة الأشراف على الحجر المنزلي وتقديم العلاج والمرور الدوري على الحالات المصابة ومتابعتها حتى تعافيها، أو نقلها لعلاج مكثف تخصصي وفق درجة إصابة الحالة.

(&) توفير معدات الحماية الخاصة بالجيش الأبيض: فعلى المستوى المهني للخط الأول من الجيش الأبيض، قامت الحكومة منذ البداية بتوفير معدات الحماية الشخصية المناسبة للطاقم الطبي، وأنشأت مواقع فحص ومعالجة منفصلة للعاملين في مجال الرعاية الصحية، وتوسعت في استخدام التقنية في المجال الطبي، من حيث القدرة على إنتاج المعدات والمستلزمات الطبية المتطورة، وبما يغطي الاحتياجات الفعلية، فضلا عن جهود علمية لإنتاج اللقاح والأدوية  في تعاون علمي وثيق بين وزارة الصحة ووزارة التعليم العالي، وكان الجيش الأبيض أول من تلقوا اللقاح بمجرد أن أقرته منظمة الصحة العالمية ( WHO ) على صلاحيته تحت بند وظرف استخدامات الطوارئ.

(&) ابتكار نماذج جديدة من نظم المعلومات والتطبيقات للتعامل مع الأزمة وتبعاتها: فعلى المستوى العملياتي أو التنفيذي قامت مصر بخطوات إيجابية من خلال ابتكار نماذج جديدة من نظم المعلومات والتطبيقات، في حالة ظهور الموجة الثالثة من الجائحة، على كافة المستويات بدءا من الدولة وتدريجا نحو المحافظات والمدن المختلفة، ومرورا بتحديد المناطق الأكثر تعرضا للإصابة بالفيروس، كان هذا جزء من كل متعدد الجوانب والأبعاد.

 في النهاية يمكن القول، إن ما تم ذكره من مبادرات وتحركات مصرية على مستوى الإنذار المبكر قبل انتقال الإصابات لمناطق جديدة والمستوى العملياتي- يؤكد على نجاح الحكومة في إدارة  الجائحة بنجاح مقارنة بتجارب بعض الدول المتقدمة، هو ما يؤكد أيضاً رؤيتنا نحو تراجع نسب الإصابة، وزيادة عدد المتعافين وإنخفاض معدلات الوفيات مقارنة بدول عديدة قد تملك منظومات صحية متطورة ، ونجاح  تكامل الإدارة الإستراتيجية الشاملة للازمة مع خطة الطوارئ الطبية للجائحة. ويعد الدليل الأمثل هو عدم لجوء مصر إلى إجراءات تقشفية بل تم توفير كافة السلع الأساسية وبأسعار مناسبة للجميع ولم تتوقف عجلة الإنتاج بل توسعت في إقامة المشروعات وزيادة فرص العمل، وتعد مصر من أولى الدول التي قامت بالتسجيل الرقمي لبيانات المواطنين الراغبين في تلقي اللقاحات المناسبة وفق مجموعة من الأولويات والشروط وقبل كل شيء وفق رغبة المواطنين. وفي الأخير، يمكن القول إن نجاح مصر سيظل مشروطاً بتضافر جهود المواطنين مع الحكومة وإلتزامهم بتدابير الوقاية التي حددتها وزارة الصحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى