بعد استئناف الطيران..إلى أين اتجهت العلاقات الاقتصادية بين “القاهرة” و”موسكو”؟

شهدت العلاقات الاقتصادية بين مصر وروسيا تطورًا غير مسبوقًا فى عهد الرئيس “عبد الفتاح السيسى”، ساعد على تعميق العلاقات الثنائية بين البلدين وتدعيم المصالح المشتركة بينهما، وذلك فى الوقت الذى أدركت فيه موسكو أهمية الدور المحورى لمصر فى الشرق الأوسط وإفريقيا، والإنجازات التى حققها الاقتصاد المصري منذ تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي وآفاقه المستقبلية الإيجابية، اللذان جعلا منه اقتصادًا جاذبًا للاستثمارات، وفى الوقت الذى أدركت فيه مصر أهمية تعزيز التعاون مع الدول ذات المصالح المشتركة.

وشكل الاتصال الهاتفى الذى تلقاه الرئيس “عبد الفتاح السيسي” فى الثالث والعشرين من أبريل 2021 من الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، تأكيدًا على هذا التقدم غير المسبوق فى العلاقات المصرية الروسية، حيث أعرب خلاله الرئيس ” بوتين” خلال الاتصال عن حرص بلاده على تعزيز مختلف أوجه العلاقات الثنائية الوثيقة مع مصر، خاصة تلك المتعلقة بالتعاون فى قطاع السياح، وتم التوافق بين الرئيسين على استئناف حركة الطيران الكاملة بين مطارات البلدين بما فى ذلك الغردقة وشرم الشيخ، وذلك بعد توقف دام أكثر من خمس سنوات إثر تحطم الطائرة الروسية فى سيناء أواخر عام 2015.

وتأسيسا على ما سبق، يتناول هذا التحليل رصد وقراءة واقع وتطورات العلاقات الاقتصادية بين مصر وروسيا فى عهد الرئيس “عبد الفتاح السيسى”، وآفاق العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

أطر التعاون الاقتصادى بين البلدين:

توجد العديد من الأطر ومؤسسات التعاون التى تجمع بين مصر وروسيا، من بينها عدد من أطر ومؤسسات التعاون التى تجمع بين روسيا والقارة الإفريقية أو الدول النامية والأقل نموًا واللتان تعتبر مصر واحدة منهم، وأخرى بين البلدين فقط، وتتمثل أهم هذه الأطر فيما يلى:

(*) مذكرات تفاهم واتفاقات ثنائية:

(&) توقيع مذكرتين للتفاهم بين الهيئة العربية للتصنيع وشركتي “أزموت” و”ألمز” الروسيتين فى 11 اكتوبر 2019، في إطار نقل وتوطين التكنولوجيا وتعميق التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة من خلال الشراكة والتعاون مع الشركات العالمية بما يعزز الإقتصاد القومي وسد الفجوة الإستيرادية وزيادة فرص الإستثمار في مصر.

(&) التوقيع على اتفاقية شراكة استراتيجية بين البلدين عام 2018.

(&) التعاون الروسى فى إنشاء محطة الضبعة النووية، حيث وقعت الحكومة المصرية والروسية اتفاقية تعاون في 19 نوفمبر 2015 تقضي بإنشاء روسا لأول محطة نووية، والتي تطورها شركة روساتوم الروسية العملاقة للطاقة النووية، وتضم أربع مفاعلات لإنتاج الطاقة الكهربائية في منطقة الضبعة، كما تم توقيع اتفاقية أخرى تحصل مصر بموجبها على قرض روسي لتمويل إنشاء هذه المحطة، وقد شهد شهد الرئيسان ” السيسي” و”بوتين” فى 11 ديسمبر 2017 التوقيع على وثيقة تم بموجبها إعطاء إشارة البدء في مشروع الضبعة النووي.

(&) التوقيع فى أكتوبر 2015 على مذكرتى تفاهم في مجال الاستثمار، الأولى بين وزارة الاستثمار المصرية ووزارة التنمية الاقتصادية الروسية لتشجيع وجذب الاستثمارات الروسية إلى مصر، والثانية بين وزارة الاستثمار وصندوق الاستثمار المباشر الروسي لتعزيز التعاون الاستثماري بين البلدين، وقد اتفقا الجانبان على تيسير جهود إقامة منطقة التجارة الحرة بين مصر والاتحاد الجمركى الاورواسي بما يوسع آفاق العلاقات التجارية والاقتصادية مع روسيا وسائر دول الاتحاد.

(&) مذكرة تفاهم بشأن البدء فى إنشاء المنطقة الصناعية الروسية فى مصر تم توقيعها فى فبراير 2016.

(*) استفادة مصر من المعاملة التفضيلية للاتحاد الأوراسى مع الدول النامية والأقل نموا:

تعتبر مصر ومن بين 103 دولة من الدول النامية المستفيدة من نظام الأفضليات المعمم للاتحاد الأوراسى الذى يضم 5 دول (روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان أرمينيا وقيرغيزستان)، ويمنح 2800 سلعة معاملة تفضيلية للدخول إلى أسواق تلك الدول، وذلك بخصم نحو 25 % على تعريفة الدولة الأولى بالرعاية، ويشترط ذلك البرنامج لتصبح السلعة خاضعة لتلك المعاملة التفضيلية أن تتمتع بمجموعة من الشروط من بينها ( الحصول على السلعة أو إنتاجها بالكامل في هذا البلد، إنتاج السلعة في البلد باستخدام مواد خام أو منتجات نصف جاهزة أو تامة الصنع ناشئة عن بلد آخر أو بضائع مجهولة المصدر، شريطة أن تكون هذه البضائع قد عولجت بما فيه الكفاية في هذا البلد…..).

(*) المنتدى الاقتصادي الروسي الإفريقي:

ويُعقد على هامش قمة روسيا-إفريقيا، وتم إنشاؤه ليصبح خطوة استراتيجية هامة على طريق توفير ظروف ملائمة لتنمية العلاقات الاقتصادية والتجارية بين روسيا الاتحادية والدول الافريقية، كما يتيح فرصة ملائمة لتنويع اشكال واتجاهات التعاون الروسي الافريقي، وعُقد الاجتماع الأول منه يومى 23-24 أكتوبر 2019.

اتجاهات العلاقات الاقتصادية بين البلدين منذ عام 2015:

شهدت العلاقات الاقتصادية بين مصر وروسيا تطورا ملحوظا منذ زيارة الرئيس “عبد الفتاح السيسى” إلى روسيا عام 2015، والتى تم بعدها فتح أفاقًا جديدة للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، ومن الممكن الاستدلال على ذلك من خلال ما يلى:

(*) التبادل التجارى بين البلدين:

تتمتع مصر بعلاقات تجارية قوية مع روسيا، وتعتبر الشريك التجارى الأول لروسيا فى إفريقيا، وقد شهد حجم التبادل التجارى بين البلدين ارتفاعًا ملحوظًا خلال عامى 2017 و2018، حيث ارتفع من 2.1 مليار دولار عام 2013 إلى 5.43 مليار دولار عام 2018، وذلك بمعدل نمو 155%، وتسجل مصر عجز فى الميزن التجارى مع روسيا فى غير صالحها بلغ 4.6 مليار دولار عام 2018، قبل انخفاضه إلى 3.3 مليار دولار عام 2019.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على احصائيات مركز التجارة العالمى ITC.

(*) الاستثمارات الروسية فى مصر:

يبلغ عدد الشركات الروسية العاملة فى مصر نحو 467 شركة، وذلك بمجالات مختلفة مثل البترول والغاز، وقد شهدت الاستثمارات الروسية بمصر تطورا كبيرا منذ عام 2015، حيث سجل صافى تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر الروسى فى مصر أعلى قيمة له عام 2016 وهى 56.7 مليون دولار، مقارنة بـ 4.2 مليون دولار عام 2013.

وبصفة عامة فقد ارتفعت الاستثمارات الروسية المباشرة في مصر خالا السنوات القليلة الماضية لتصل إلى 7.4 مليار دولار خلال العام الماضى 2020، وذلك حسب تصريحات صحفية لسفير روسيا فى مصر “جيورجي بوريسينكو” فى أغسطس 2020.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على احصائيات البنك المركزى الروسى.

الآفاق المستقبلية للعلاقات الاقتصادية بين مصر وروسيا:

أصبحت العلاقات الاقتصادية المصرية الروسية في تطور مستمر يومًا بعد يومًا منذ تولى الرئيس “عبد الفتاح السيسى” رئاسة مصر في عام 2014، حيث شهدت تطورًا سريعًا على مستوى العلاقات الدبلوماسية انعكس على العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ودلل على هذا عدد الزيارات الرئاسية المتبادلة بين البلدين وعلى مستوى الوزراء، وتوافق الرؤى والاتجاهات فى عددا من القضايا الإقليمية وهو ما أسفر عن تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات من بينهم الجانب الاقتصادي، مما يجعلنا نتوقع حدوث تطور سريع في العلاقات الاقتصادية بينهما فى السنوات المقبلة، وذلك من خلال ما يلى:

(&) زيادة التبادل التجارى بين الطرفين:

حيث يجرى مفاوضات حول إنشاء منطقة تجارة حرة تجمع بين مصر والاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU)، والذى يضم: روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا قويرغيزستان، وقد عقدت الجولة الأولى من المفاوضات في يناير 2019، بما يساعد على تعزيز وزيادة التبادل التجارى بين القاهرة وموسكو.

(&) زيادة الاستثمارات الروسية في مصر:

وهو ما يدلل عليه الزيادة التى حققتها الاستثمارات الروسية فى مصر خلال السنوات الأخيرة، وتوقيع مذكرة التفاهم بشأن المنطقة الصناعية الروسية بمصر فى فبراير 2016، والتى تعتبر المشروع الأكبر والأهم لموسكو خارج حدودها، ومن المتوقع أن تضخ استثمارات بقيمة 7 مليارات دولار، وتوفر 35 ألف فرصة عمل، هذا بالإضافة إلى والإجراءات والإصلاحات التى قامت بها الحكومة المصرية لخلق مناخ جاذب للاستثمار، حتى أصبحت مصر الأولى افريقيًا فى جذب الاستثمار الأجنبى المباشر للمرة الثالثة على التوالى والثانية عربيا عام 2019.

(&) طفرة قوية في توافد السياحة الروسية إلى مصر:

وذلك بعد التوافق الذى تم بين الرئيس “السيسى” والرئيس الروسى “بوتين”، فى المكالمة الهاتفية الاخيرة التى جمعت بين الرئيسين فى 23 أبريل 2021،  بشأن استئناف حركة الطيران الكاملة بين مطارات البلدين بما فى ذلك الغردقة وشرم الشيخ، بعد توقف دام أكثر من خمس سنوات إثر تحطم الطائرة الروسية فى سيناء أواخر عام 2015، ويشكل استئناف حركة الطيران بين البلدين انتعاشة قوية للسياحة الروسية بمصر بشكل خاص والسياحة المصرية بشكل عام، وذلك فى ظل تجاوز أعداد السائحين الروس فى مصر 2.5 مليون سائح قبل توقف حركة الطيران.

(&) تعميق العلاقات الاقتصادية بين الطرفين بصفة عامة (الاتفاقات-مذكرات التفاهم- المساعدات العينية والنقدية)، بهدف دعم التعاون العسكرى واستمرار تقارب الرؤى السياسية:

لاسيما وأن كلا الطرفين بحاجة إلى الاخر فيما يخص التنسيق السياسى بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية، حيث يجمع بين البلدين تقارب فى الرؤى السياسية فيما يخص القضية الليبية والسورية ومكافحة الإرهاب، مما يجعل تعميق العلاقات الاقتصادية بين البلدين حلا يستند إليه من أجل  زيادة التوافق السياسى بينهما.

هذا فضلا عن التعاون العسكرى بين القاهرة وموسكو والذى تطور بشكل ملحوظ فى عهد الرئيس “السيسى”، من خلال الصفقات العسكرية بين البلدين، ومن بينها شراء مصر 46 مروحية هجومية روسية للقوات الجوية وعدة مروحيات روسية لحاملات طائرات الهليكوبتر الفرنسية ميسترال، واستلام مصر فى 26 أغسطس ٢٠١٥ لمنظومة “300 -S” الروسية، والتى تعد الأقوى على الإطلاق في التصدي للطائرات بجميع أنواعها والصواريخ البالستية والجوالة، مما شكل إضافة نوعية قوية لقوات الدفاع الجوي بشكل غير مسبوق، وإتمام روسيا لصفقة بقيمة 1.5 مليار دولار لبيع 20 طائرة مقاتلة من طراز Su-35 لمصر في مارس 2019، وغيرهم من الصفقات، بالإضافة إلى التدريبات العسكرية بين البلدين، والتى كان منها على سبيل المثال؛ التدريبات البحرية الروسية-المصرية التاريخية في يونيو 2015 في البحر الأبيض المتوسط، ومناورات الصداقة للدفاع الجوي عام 2019.

حاصل القول، شهدت العلاقات الاقتصادية المصرية الروسية تطوراً ملحوظأ خلال السنوات الآخيرة، مدعومة بالتقارب فى الرؤى السياسية بين البلدين والتحسن الملحوظ للاقتصاد المصرى منذ تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادى، وبات هذا واضحاً فى التوجه الروسى لمصر لعقد اتفاقيات تعاون ثنائى ودعم التنمية وزيادة توجه المستثمرين الروس إليها، والرغبة الروسية فى وجود منطقة تجارة حرة تجمعها بمصر، ويساعد كل هذا فى فتح أفاقًا لتعميق هذه العلاقات خلال السنوات المقبلة، ولدعم المشروعات التنموية التى تقوم بها مصر، وزيادة الحضور المصرى في السوق الروسى.

قمر ابو العلا

باحثة بوحدة الدراسات الاقتصادية باحثة اقتصادية، وحاصلة على ماجستير في الاقتصاد، جامعة القاهرة، شاركت في العديد من التقارير الاقتصادية والاجتماعية في الشئون المصرية والخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى