تحول دراماتيكي: التداعيات المحتملة لمقتل الرئيس التشادي “إدريس ديبي”

أعلن المتحدث باسم الجيش التشادي الجنرال “عظيم برماندوا أغونا” في 20 أبريل الجاري، عن وفاة الرئيس التشادي “إدريس ديبي إيتنو” متأثراً بجروح تعرض لها على خط الجبهة في المعارك الراهنة ضد المتمردين في شمال البلاد، لينهي بذلك حكم الجنرالي التشادي الذي حكم البلاد لاكثر من 30 سنة، ويأتي ذلك بعدما أظهرت النتائج الأولية للإنتخابات الرئاسية في تشاد فوز الرئيس “إدريس ديبي” بولاية سادسة بعدما حصل على 79.3% من الأصوات في الإنتخابات التي شهدت نسبة مشاركة تجاوزت حاجز الـ 64.8%، وتعكس التطورات الراهنة في تشاد العديد من الدلالات والتداعيات المحتملة على مستقبل السلطة في نجامينا، والمحيط الإقليمي لمنطقة الساحل والصحراء.

الانتخابات وبداية حركة التمرد:

مع بداية الانتخابات الرئاسية التي شهدت ترشح الرئيس “ديبي” ليحصل على ولاية سادسة، بدأت مجموعة من المتمردين يطلقون على أنفسهم “جبهة التغيير والوفاق في تشاد”  FACTفي التحرك من قاعدتهم المتمركزة بجنوب ليبيا للهجوم على تشاد والتقدم نحو العاصمة نجامينا، وبالفعل دخل المتمردون تشاد في 11 أبريل الجاري، وأعلنوا أن هدفهم هو تخليص البلاد من حكم الرئيس “ديبي” الذي يحكم البلاد منذ أكثر من ثلاثة عقود، ويقود هذه الجماعة المتمردة أمير حرب يسمى “محمد مهدي”، وهو ينتمي لنفس الجماعة العرقية التي ينتمي لها الرئيس التشادي السابق “حسين حبري” وهي جماعة ” القرعان”.

ويعد “مهدي” أحد القادة الرئيسيين للمعارضة المسلحة للسلطة في إنجمينا، حيث شارك في العديد من حركات التمرد ضد السلطة في تشاد، وقد حصل على اللجوء السياسي في فرنسا وظل هناك لأكثر من 25 عاماً، وفي عام 2005 وقعت “الحركة من أجل الديمقراطية والعدالة” في تشاد، (كان ” مهدي” أحد ممثليها في فرنسا) اتفاقية سلام مع الرئيس “ديبي”، وبناء عليها تولي “محمد مهدي” وظيفة حكومية في وزارة البنية التحتية التشادية، قبل أن يعود في عام 2008 لينضم إلى حركة التمرد التي هاجمت العاصمة التشادية، لكنها فشلت في اسقاط النظام.

وقد تحالف “محمد مهدي” مع الزعيم التاريخي لحركات التمرد التشادية ” محمد نوري”، وقد أرسله الأخير إلى ليبيا في عام 2015 لإعادة تنظيم “قوات التمرد”، لكن خلافاً نشب بين الرجلين في وقت لاحق، وهو ما دفع “مهدي” إلى تشكيل قوة خاصة به في ليبيا قوامها 1500 مسلح.

وتجدر الإشارة إلى أن تشاد تملتئ بالجماعات المسلحة المتمردة التي تسعى للسيطرة على الحكم، وهو ما أدي إلى وجود العديد من محاولات الهجوم التي تقودها حركات التمرد على غرار ما قامت به حركة “اتحاد قوى المقاومة” في عام 2008، والتي كانت قد اقتربت من الإطاحة بديبي قبل أن تطردهم القوات الفرنسية والتشادية من المدينة، وقد كررت هذه الحركة المحاولة مرة أخرى في 2019 لكنها فشلت أيضاً بسبب تدخل القوات الفرنسية، وتستقر هذه الحركة بالأساس في ليبيا، وهي تتشكل بالأساس من عناصر من قبيلة “الزغاوة” التي ينتمي لها الرئيس “ديبي”، وكان يقودها “تيمان إرديمي” ابن شقيق “ديبي”، قبل أن يتم القبض عليه.

وفي وقت سابق من الإعلان عن وفاة الرئيس، كان الجيش التشادي قد أعلن أن “ديبي” قد تقدم إلى الخطوط الأمامية للقتال ليقود بنفسه صد الهجمات التي يقوم بها جماعة المتمردين، وقد علم قائدهم “محمد مهدي” عن وجود الرئيس في الخطوط الأمامية ما دفع المتمردين إلى تكثيف الهجوم في يومي 18و 19 أبريل، حيث كان القتال يدور في وسط غرب البلاد، ونجحوا بالفعل في إصابة “ديبي” بجروح خطيرة أودت بحياته.

تحالفات خارجية وعداءات داخلية:

حافظ “ديبي” الرئيس الذي تم على رئيسًا لتشاد في أول انتخابات متعددة الأحزاب في البلاد،  وحصل على ثلاث ولايات تالية- على علاقات قوية بالغرب، خاصة فرنسا، وقد فرض الزعيم التشادي نفسه بقوة في إطار الإستراتيجي الدولية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي، وبات يمثل ركيزة أساسية في الجهود الدولية لتحقيق الاستقرار في هذه المنطقة، وبات ينظر إليه بإعتباره حليفاً مهماً في الحرب ضد الجماعات المتطرفة في غرب إفريقيا والساحل والصحراء، كما سمح لفرنسا بإقامة قاعدة عسكرية لها في تشاد، وهو الأمر الذي دعم استمرار نظام حكمه.

لكن، على المستوى الداخلي، واجه “ديبي” ضغوطًا ضد نظامه بسبب الإتهامات الموجه له بإرتكاب انتهاكات ضد حقوق الإنسان، وعلى الرغم من فوزه في انتخابات عام 2016، إلا أن تقارير رصدت عمليات ترهيب للناخبين.

من ناحية أخرى، أدى فشل الحكومة التشادية في تحقيق أي تنمية إقتتصادية إلى تصاعد الغضب الداخلي، خاصةً مع انخفاض أسعار النفط التي أدت إلى تفاقم الفقر وزيادة السخط في الدولة الحبيسة، حيث تعد تشاد واحدة من أفقر دول العالم، يعيش ثلثا سكان البلاد البالغ عددهم 15.8 مليون نسمة في فقر مدقع، وتحتل تشاد المركز الـ187 على لائحة البلدان الأقل تطوراً من أصل 189 بلداً، فضلاً عن الفساد المستشري، فعلى الرغم من إنخراط “ديبي” في مشروعات تعاون مع البنك الدولي لإنشاء أنابيب لنقل النفط بين تشاد والكاميرون، في خطوة كان يفترض أنها تمثل مدخل لتنمية الاقتصادي التشادي المتدهور، بيد أن البنك الدولي وجه اتهامات للرئيس ديبي باستغلال أموال المشروع لتعزيز سلطته.

لذا، يمثل البعد الاقتصادي محدداً هاماً في صياغة التطورات الراهنة في تشاد، فنجامينا تحتل المرتبة الـ10 بين الدول الإفريقية التي تمتلك احتباطات نفطية مؤكدة بحوالي 1.5 مليار برميل، مع انتاج يومي بأكثر من 140 ألف برميل، ومن ثم يمثل النفط المصدر الرئيسي للإيرادات العامة لتشاد، هناك انخراط لشركات صينية وتيوانية وفرنسية أمريكية تهيمن على انتاج وتصدير النفط التشادي. وتجدر الإشارة إلى أن معظم عائدات تشاد من النفط توجه بالأساس لسداد القروض التي كانت تأخذها حكومة “ديبي” (توجه بالأساس لخدمة المصالح الشخصية للنخب الحاكمة) وليس للتنمية. كذلك، لا تقتصر ثروات تشاد على النفط، بل أن ثمة اكتشافات واسعة من الذهب تم الكشف عنها مؤخراً، بيد أنها باتت تمثل مصدراً جديداً للصراع المسلح بين الحركات المتمردة.

مجلس عسكري بقيادة نجل “ديبي”:

وفي أعقاب الإعلان عن وفاة الرئيس “إدريس ديبي”، أعلن المتحدث باسم الجيش التشادي تعليق العمل بالدستور الذي كان ينص على تولي رئيس الجمعية الوطنية إدارة البلاد في حالة شغور منصب الرئيس أو إعاقته، وأعلنت حالة الطوارئ، وفرض منع التجول، وأغلقت الحدود البرية والجوية، وحل البرلمان والحكومة، حيث سيتم تشكيل حكومة ومؤسسات انتقالية تشرف على تنظيم انتخابات، كما أعلن الجيش سلسلة من الإجراءات الاستثنائية، تشمل حظر التجول في كل أنحاء البلاد بين 6 مساء و5 صباحا، وإغلاق جميع منافذ البلاد البرية والبحرية حتى إشعار آخر.

وأشار المتحدث باسم الجيش أن المجلس العسكري سيتولى مسئولية تشاد خلال الأشهر الـ 18 المقبلة، بقيادة نجل الرئيس “ديبي” والبالغ من العمر 37 عاما، وهو الجنرال “محمد إدريس ديبي”، (الشهير بمحمد كاكا) والذي خدم كضابط في الجيش التشادي، وقد كان حتى وفاة والده يشغل منصب رئيس الحرس الرئاسي.

ردود فعل واسعة:

أدى الإعلان عن مقتل الرئيس التشادي عن ردود فعل خارجية وداخلية واسعة، فقد قدمت وزارة الخارجية الأمريكية تعازيها لشعب تشاد، مشيرة إلى أن واشنطن تدعم الانتقال السلمي للسلطة وفقًا للدستور التشادي، بينما أشار قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا الجنرال “ستيفن تاونسند” أنه ليس من الواضح ما الذي ستعنيه وفاة “ديبي” على العلاقات الأمريكية- التشادية، لكنه أكد أن نجل ديبي يميل إلى علاقات جيدة مع فرنسا والولايات المتحدة، وفي وقت سابق عن وفاة الرئيس التشادى، كانت السفارة الأمريكية في نجامينا قد أمرت الموظفين بالاحتماء في مكانهم ، مشيرة إلى احتمال حدوث اضطرابات.

من ناحية أخرى، أشادت فرنسا بالرئيس الراحل “ديبي” واصفة إياه بأنه “صديق شجاع وجندي عظيم” حاول حماية بلاده، وحثت باريس على أن تتم المرحلة الانتقالية بعد ديبي في ظل ظروف سلمية. أما الإتحاد الأوروبي، فقد دعا جميع الأطراف إلى ضبط النفس واحترام حقوق الإنسان وتنظيم انتخابات شاملة. كما اعرب الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريس” عن الحزن العميق لسماعه نبأ وفاة ديبي، وقدم أعمق التعازي لعائلة الرئيس وللشعب والحكومة التشادية.

 بينما أشاد الرئيس” عبد الفتاح السيسي” بجهود الرئيس “إدريس ديبي” في خدمة القضايا الأفريقية، حيث وصفه بالزعيم الوطني والحكيم، ومن جانبها أعلنت الخارجية الإماراتية إدانتها لمقتل الرئس التشادي، داعية إلى انتقال سلمي للسلطة يحقق أمن واستقرار تشاد والمنطقة. أما داخلياً، فقد اعلن زعيم المعارضة التشادية “صالح كبزابو” أنه فوجئ بوفاة الرئيس “ديبي” ودعا إلى إجراء محادثات لحل مشاكل البلاد.

التداعيات المحتملة:

تعكس التطورات الراهنة في تشاد عن جملة من التداعيات المحتملة التي ربما تؤثر على مستقبل الوضع السياسي في نجامينا، فضلاً عن التداعيات المحتملة لهذه التطورات على السياق الإقليمي المحيط بشكل عام، خاصةً فيما يتعلق بالأوضاع الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي.

فداخلياً، تخيم على الوضع الراهن حالة من الضبابية وعدم اليقين، في ظل تعدد الفواعل الداخلية التي تتنافس على السلطة في الوقت الراهن، فمن ناحية، ربما تثير فكرة تولي نجل الرئيس “ديبي” السلطة رفض جماعة “الزغاوة”، وهي العرقية التي ينتمي لها الرئيس الراحل “ديبي”، بيد انها لها تجربة سابقة في رفض لفكرة التوريث في الحكم، ومن ثم لا يزال موقف هذه القبيلة غير واضح حتى الآن، في المقابل، ثمة تصاعد واضح في حدة الإحتقان الداخلي في الداخل التشادي، ومنذ عام 2015 ارتفعت وتيرة التظاهرات التي تندد بالاوضاع السياسية والإقتصادية الراهنة، وفي ظل الحشد الراهن الذي تقوده قوى المعارضة التشادية تبقى كافة الإحتمالات مطروحة في الفترة المقبلة، كذا، لا تزال الجماعات المتمردة تواصل تقدمها نحو العاصمة نجامينا للسيطرة على الحكم، وقد أعلنت “جبهة التغيير والوفاق في تشاد” عن رفضها لتعيين نجل الرئيس بإعتبار أن تشاد ليست مملكة، وتعهدت بالزحف نحو العاصمة، وبالتالي في ضوء تعدد الأطراف والفواعل المتنافسة على الحكم يبقى مستقبل نجل الرئيس في الحكم غير واضح، ويعتمد استمراره على قدرته على تشكيل تحالفات قوية من الأطراف الداخلية المختلفة وصد الإعتداءات التي تشكلها الجماعات المتمردة، وربما يعزز من فرص وجود دعم خارجي له متمثلاً في فرنسا والولايات المتحدة.

أما خارجياً، فثمة تداعيات خطيرة ربما تتمخض عن الوضع الراهن في تشاد، فربما تشهد الفترة المقبلة انحصار للدور التشادي في عمليات مكافحة الإرهاب والتطرف في منطقة الساحل، وهو ما تجسده ملامحه في استدعاء الحكومة التشادية للقوات التي كانت قد نشرتها في منطقة “ليتاكو- غورما” في الساحل الإفريقي في وقت سابق من هذا العام، للمساعدة في صد حركات التمرد التي تهاجم العاصمة، ولما كانت نجامينا تمثل المساهم الأكبر في القوات المنتشرة في منطقة الساحل لمكافحة الإرهاب، سواء في بعثة الأمم المتحدة في مالي، أو في قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات، ومن ثم فيمثل إنكفاء تشاد داخليا وانحصار دورها ومشاركتها في المنطقة تداعات خطيرة، ربما تتيح لافرصة أمام الجماعات الإرهابية لتوسيع رقعة انتشارهم.

من ناحية أخرى، ثمة تخوفات بشأن إنعكاس التطورات الراهنة في تشاد على الملف الليبي، وهو ما عكسه البيان الذي أصدره مجلس النواب الليبي الذي طالب لجنة 5+5 العسكرية باتخاذ كافة الإجراءات لتوحيد المؤسسة العسكرية والحيلولة دون تحول الجنوب الليبي لساحة خلفية للقتال الراهن في تشاد، خاصةً وأن الجنوب الليبي يشهد نشاطاً لعدد من حركات التمرد التشادية.

في النهاية، يجب الإشارة إلى أن ثمة مصالح قوية لشركات النفط الدولية في تشاد، ومن ثم لن تتخلى بسهولة عن الأموال الضخمة التي ضختها في نجامينا، كما أن الشركاء الدوليين لا يتوقع أن يتنازلوا بسهولة عن التكاليف الباهظة التي تحملوها في هذا المنطقة، ومن ثم يرجح أن تدفع فرنسا – بدعم أوروبي وأمريكي- لتعزيز التواجد خلال الفترة المقبلة، ودعم الحكومة التشادية، وهو ما يعني تأجيل الانسحاب الفرنسي من منطقة الساحل الإفريقي كما كان يخطط الرئيس ماكرون، وهو ما قد يمثل نقطة فاصلة في خسارة الأخير في الانتخابات الرئاسية المقبلة في باريس.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى