مسار مختلف: هل تأثرت تحويلات المصريين العاملين في الخارج بـ “كورونا”؟

تشكل التحويلات المالية للعاملين بالخارج أهمية متزايدة كأحد المصادر الرئيسية للتدفقات المالية الخارجية الواردة للدولة، حيث تساعد على تحسن العجز فى ميزان المدفوعات، كما تعمل على تدعيم الاحتياطى النقدى الأجنبى للدولة، وتعتبر أحد الأدوات الهامة التى تساهم مساهمة إيجابية وفعالة فى تنمية الاقتصاد الوطني.

وفى مصر، تطورت تحويلات العاملين بشكل سريع خلال السنوات القليلة الماضية، حيث باتت مصر تعتمد على تحويلات العاملين بالخارج بنسبة كبيرة، فقد بلغت تلك التحويلات في عامى 2018، و2019 نحو 10.17%، و11% من الناتج المحلي الإجمالي على التوالى. وتعد تلك التحويلات، وتحديداً في منطقة الخليج العربي، من المصادر الرئيسية للتدفقات بالعملة الصعبة إلى السوق المصرية، حيث ساهمت بقوة في خفض العجز في الحساب الجاري قبل أزمة وباء كورونا. وهو ما سوف يتم التعرض له في النقاط التالية:

تحويلات المصريين قبل وأثناء جائحة كورونا:

اتجهت تحويلات العاملين المصريين بالخارج نحو التزايد بشكل عام منذ عام 2016 وهو عام تعويم الجنيه المصرى، حيث زادت قيمة التحويلات بنسبة 27.8% في العام المالي 2016/2017 واستمرت فى الزيادة خلال السنوات التالية. وقد كشفت بيانات رسمية صادرة من البنك المركزى المصرى فى منتصف شهر مارس 2021، ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال العام 2020 ‏‏‏بمعدل 10.5%‏ بزيادة قدرها 2.8 مليار دولار عن عام 2019، وذلك على الرغم من التداعيات السلبية التي خلفتها جائحة فيروس كورونا المستجد خلال العام الماضى. فقد بلغت تحويلات المصريين العاملين بالخارج في عام 2020 نحو 29.6 مليار دولار، مقابل تحويلات بلغت نحو 26.8 مليار دولار خلال 2019. وأظهرت البيانات ارتفاع تلك التحويلات تحديدا ًخلال الفترة من شهر أكتوبر وحتى ديسمبر 2020 ، بنحو 529.2 مليون دولار لتسجل نحو 7.5 مليار دولار، مقابل نحو 7.0 مليار دولار خلال الفترة المناظرة من العام المالي 2019 وذلك كما هو موضح فى الشكل رقم (1).

إحصاءات المصرين العاملين بالخارج وتوزيعهم الجغرافى:

طبقا لتقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة الهجرة المصرية، يوجد نحو 13 مليون مصرى يعملون بالخارج، منهم حوالى 6.2 مليون شخص يعملون في الدول العربية- أي بنسبة 65.8%، من إجمالي المصريين بالخارج، وذلك حتى نهاية عام2019، يليها دول الأمريكتين والدول الأوروبية، كما هو موضح بالشكل رقم (2).

وعلى جانب الدول العربية، تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولي من حيث عدد المصريين العاملين بها، إذ يبلغ عدد المصريين بالسعودية نحو 2.9 مليون شخص بنسبة 3.22 % من المصريين المقيمين في الدول العربية، يليها الإمارات العربية المتحدة، والكويت والأردن. أما الدول الإفريقية”غير العربية”، فقد سجل عدد المصريين المتواجدين بها خلال عام 2019، نحو 46.9 ألف شخص، منهم بجنوب إفريقيا 40 ألف شخص، و نيجيريا 900 شخص تقريبا، كذلك دول شرق أفريقيا مثل كينيا وتنزانيا. وفى الدول الآسيوية، يوجد نحو 14 ألف مصري منتشرين فى الصين واليابان تحديدا، وغيرها من الدول الأسيوية. وفى الدول الأوروبية وصل عدد المصريين المقيمين بالدول الأوروبية نحو 1.75 مليون شخص مقيمين معظمهم في إيطاليا، وفرنسا، وانجلترا.

لماذا تزايدت التحويلات رغم جائحة كورونا؟:

تتعدد الأسباب المفسرة لتزايد تحويلات المصريين العاملين بالخارج رغم جائحة كورونا وتداعياتها السلبية على دول العالم، والتى يمكن حصرها فيما يلى:-

(*) ارتباط تحويلات العاملين بالخارج بصورة كبيرة على نمو الناتج المحلي العالمي، وحقيقة أن تحويلات المصريين ارتفعت رغم انكماش أغلب اقتصادات العالم قد تُفَسر بإمكانية عودة العاملين والمهنيين المصريين إلى مصر بمدخراتهم بعد فقدان البعض وظائفهم بالخارج، أو العودة إلى مصر والعمل عن بُعد لمن أمكنه ذلك. خاصة فى ظل استقرار العملة المصرية خلال الجائحة، وتحسن الظروف الاقتصادية فى مصر مما ساهم في عودة عدد من المصريين وأموالهم من الخارج للاستقرار مجددا في وطنهم

(*) الميل إلى الادخار أحد العوامل المهمة التي حافظت على تدفق التحويلات الخارجية منذ تعويم الجنيه المصري، فمثلا ساعدت شهادات الادخار بفائدة 15% التي قدمها بنكي الأهلي ومصر الحكوميين في مارس 2020، في تدفق مزيد من المدخرات إلى البلاد. وجمع البنكين حوالي 383 مليار جنيه حصيلة الشهادات قبل إيقافها في سبتمبر2020. وفي ذلك الوقت أظهرت بيانات المركزي زيادة في تحويلات العاملين بالخارج بنسبة 20% في السنة التالية كنتيجة مباشرة لطرح الشهادات مرتفعة العائد.

(*) جاذبية فارق الفائدة الحقيقى بين الجنيه المصرى والعملات الأخرى، والذى مازال رغم تخفيضات الفائدة المحلية أعلى من العملات الناشئة الأخرى، فضلا ًعن زيادة قوة وانتشار فروع البنوك المصرية لدى الدول التى يتركز فيها المصريين العاملين فى الخارج، وتوسعهم فى استخدام أحدث وسائل التطبيقات المالية التكنولوجية فى تحويل مدخرات المصريين بسرعة وأمان، إلي جانب تشكيلة وحزم المنتجات المصرفية المتطورة التى تحقق لهم السيولة والأداء السريع والأمان والعائد المرتفع ودون مخاطر.

(*) ومن أهم  الأسباب التى أدت أيضا لارتفاع معدل تدفق تحويلات الجنيه المصرى، هو مؤشر استقرار سعر الصرف ذاته مع الميل للارتفاع؛ لأن المدخر دائما ما يتخلص من العملة المتوقع لها الانخفاض فى المستقبل إلي العملة المتوقع لها الارتفاع، ومع تحسن أداء الجنيه المصرى ليكون ثاني أفضل عملة من بين العملات الناشئة، أدى ذلك إلي زيادة الطلب عليه وجزء كبير من هذا الطلب هو من العاملين فى الخارج.

(*) احتفاظ الدولار بسعر صرف مرتفع وحرية الحصول عليه، مما شجع المغتربين على تحويل الدولارات التي بحوزتهم عبر القنوات الرسمية، وهي البنوك.

في النهاية يمكن القول، إن زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج تسهم بشكل كبير فى تحسين أداء الاقتصاد المصرى، حيث أن الزيادة المستمرة في تلك التحويلات والتي تتم بالدولار الأمريكي، قد ساهمت في استقرار أسعار الصرف في السوق المصري، وهو ما يؤدي إلى تحسين قيمة الجنيه المصري. كما أن تحويلات العاملين تشكل جزء هام من الدخل القومى المصرى واحتياطات النقد الأجنبى. فضلاً عن كونها ضخت في شرايين الاقتصاد المصري المزيد من الاستثمارات والمدخرات والنفقات الاستهلاكية فزادت من قوة مقاومة الاقتصاد لانعكاسات وباء كورونا. يضاف إلى ذلك أن زيادة تحويلات المصريين بالخارج تكمن في أنها تضيف للمعروض من الدولار في الاقتصاد المصري، وهو ما يعني زيادة المدخرات الدولارية ومن ثم زيادة قدرة البنوك على الأقراض بالدولار وليس فقط بالجنيه المصري، وذلك كله يصب في احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، وفى صالح دعم الاقتصاد المصرى بصفة عامة.

د.جيهان عبد السلام

رئيس وحدة دراسات مصر -أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة. -حاصلة على دكتوراه الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا. -عضو هيئة تحكيم البحوث الاقتصادية لدى المركز الجامعي لترامنست. -عضو هيئة تحكيم لدى كلية الاقتصاد والإدارة وعلوم التيسير. -عضو هيئة تحكيم لدى جامعة الشهيد لخضر. -خبير اقتصادي وكاتبة في العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى