خطوط المواجهة: سد النهضة وخيارات الدولة المصرية

وصلت الأمور في ملف سد النهضةإلي نقطة مفصلية، حيث انتهت جولة المفاوضات الأخيرة في كينشاسا -ككل ما سبقها من جولات- لتكشف عن استمرار التعنت الأثيوبي وعدم وجود إرادة سياسية لديه لإحراز أي تقدم، وفي هذا ما يدل على أن إثيوبيا قد اتخذت موقف بسوء نيه هدفه السيطرة على النهر كاملاً، لذلك تذهب إديس أبابا إلى المفاوضات، بعد مماطلة وخلق ذرائع حتى تفشل المفاوضات، وهكذا حتى بات الأمر مهدداً لوجود شعوب دولتي المصب، لكنه والملاحظ في الجولة الأخيرة بكينشاسا أن المفاوض المصري تعامل بحرفية عالية مع التعنت الإثيوبي أن وافق على قيام دولة الكونغو بصفتها رئيس الاتحاد الأفريقي بدور في الوساطة ليستعين بمن يراه من المراقبين لتيسير المفاوضات فرفضت أثيوبيا أيضًا هذا الأمر، رغم قولها الدائم بالاكتفاء بوساطة الاتحاد الأفريقي.

وهنا تجلت احترافية المفاوض المصري، وكأنة يعلم أنها سترفض فأظهر هذا التعنت جلياً لكافة المراقبين حول العالم، فاضحًا موقف أديس أبابا ضعيفاً، وأثبت عدالة وتعاون القاهرة وحسن نيتها في محاولة الوصول إلى توافق مع أديسأبابا، ولم ينطلي على القاهرة مأرب أديس أبابا من إصرارها علي الملء الثاني دون اتفاق مكتوب، لأنه وبعد تمام هذا الملء سيحمي السد نفسه، بل ستكون القاهرة ومعها الخرطوم أشد حرصًا على السد من أديس أبابا حتى لا يصيروا مدنا من التاريخ لو انفجرت تلك القنبلة المائية الجبارة.

رفض مقترح تبادل المعلومات:

حاولت إثيوبيا تخفيف الضغط الدولي عليها بعد فشل جولة كينشاسا، فقدمت عرض للسودان ومصر حول تبادل المعلومات حول السد، وهو المقترح نفسه الذي سبق وأن رفضته في 2015 و2016، عندما تحججت وقتها بأنه لا يمكن تبادل المعلومات قبل الوصول لإتفاق حول السد الآن تقلب المعادلة مرة أخرى، وتريد فقط تبادل معلومات دون اتفاق، أي منطق تستخدمه إثيوبيا وأي مراوغة، لذلك رفضت عاصمتي المصب ذلك المقترح، وكذلك رفضتا الملء الثاني دون اتفاق ولم يقبلا بتبادل المعلومات أو حتى تعيين متخصصين في السدود لمتابعه عملية الملء.

حيث أن طلبهم أبعد من الملء نفسه طلبهم تأمين مستقبل أجيالهم باتفاق ملزم يضمن تشغيل السد وفق قيود ضد الأضرار بالغير أو محاولة استغلال السد في غير ماهو معلن من أغراضه، ولأن إثيوبيا تعلم يقينا أن أي اتفاق سيفرغ عملية السد من مضمونها الأكبر وهو السيطرة على النهر وما يستتبع ذلك من السيطرة علي من ينتفع به، فهي لذلك ترفض أي اتفاق مكتوب يلزمها بأي قيد رغم أن ذلك يجافي أي منطق تفاوضي بالأساس. لذلك لم يكن أمام الإدارة المصرية يد أن تضع العالم أمام مسئوليته ولتبين للكافة أن الأمور أوشكت أن تفلت وتذهب بالمنطقة وما بها من مصالح للكافة إلي أتون مسارات غير مأمونة لا يستطيع أحد أن يتوقع مداها أو نهايتها.

خطوط المواجهة:

الخط الدبلوماسي: لم تكن القاهرة يوما تسعي للاحتراب، خاصة في عمقها الأفريقي الذي تسعى في ظل الإدارة الحالية إلى العودة وبقوة إلى الحظيرة الأفريقية، وإذا كان هذا الخلاف أدى إلى صراع مصري إثيوبي، إلا أنه قد أظهر أهمية التعاون وفق منظومة مصالح تفيد الشعبين، وفي ضوء ذلك سعت القاهرة إلى تقديم الحل التفاوضي علي غيره، وقد أتضح ذلك في قول الرئيس السيسي حين قال: “إن الشعوب لا تنسى لذلك تجوب الدبلوماسية المصرية العواصم المؤثرة في القرار الدولي وقد سخرت إمكانات وزارة التعاون الدولي لشرح وجهة النظر المصرية، بالإضافة إلى إمكانية اللجوء الرسمي إلى مجلس الأمن الذي يملك العديد من الأدوات التي تسهم في حل تلك القضية كتشكيل لجنة للدراسة وإيجاد أدوات للتفاهم أو إصداره قرار ملزم بإيقاف الأعمال لحين انتهاء التفاوض أو بإحالة الملف لمحكمة العدل الدولية، دونما حاجة لموافقة الدول أطراف النزاع.

كما أن مصر لها أن ترفع الأمر في حال أحجم مجلس الأمن عن الاستجابة لبحث الملف مرة أخرى إلى الجمعية العامة واستصدار قراراً منها داعم لموقف القاهرة والخرطوم تماما كما فعلت أمريكا لإيقاف العدوان الثلاثي على مصر؛ فيما عرف بالاتحاد من أجل السلام كما تحاول القاهرة الآن استغلال المتناقضات؛ لنيل مساندة شرقية بعد أحجام الغرب عن المساندة فطلبت من روسيا التدخل وحصلت منها علي تصريح هام ومؤثر بأن روسيا لا تقبل المساس بالحقوق التاريخية للقاهرة في مياه النيل وهو ما يعزز قبول روسيا للطلب المصري في مجلس الأمن حال عرضه.

الخط العسكري: أجرت القاهرة مناورات عسكرية مع السودان داخل العمق السوداني تحت مسمى نسور النيل 1 و2، فيما المح البعض أنها تلويح بالخيار العسكري؛ فيما نعتبره نحن ورقة ضغط أيضًا من خلال التلويح بالقدرات العسكرية. وألمحت القاهرة أنها إذا اضطرت كارهة لاستخدام قدراتها العسكرية للحفاظ علي مقدرات شعبها فستفعل، ويميل ميزان القوة بقوة نحو القاهرة في حال المواجهة العسكرية التي ستكون عبارة عن ضربة انتقائية مركزة.

ويري المراقبون أن القاهرة قد وضعت هذا الأمر في حساباتها منذ فترة ولم تفاجأ بالموقف الإثيوبي فحصلت علي صواريخ كروز سكاي بعيدة المدى من فرنسا ذات المكونات الأمريكية وهي قادرة علي اختراق الدشم والتحصينات الخرسانية، وبمعني أخر أن فرنسا والولايات المتحدة تعلم سلفا. لماذا اشترت القاهرة هذه الصواريخ ؟ كذلك تقتني القاهرة طائرات الرافال ذات القدرة علي الوصول الي سد النهضة والتشويش على منظومة الدفاع الجوي سبايدر ام ار الاسرائيلية المنتشرة حول السد، بل أن تلك الطائرة لديها القدرة علي التعامل مع عدة أهداف في وقت واحد وإصابة أهدافها على بعد أكثر من 200 كيلو، ومجمل القول أن لدى القاهرة القدرة العسكرية التي تمكنها من إعادة الأمور إلي المربع صفر.

ختامًا، في كل الأحوال تجد القاهرة زخمًا شعبيًا هائلًا للإدارة المصرية لملف السد، وهناك ثقة كبيرة في قدرة مصر على الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر، ووفق المتاح من إمكانيات، وفي ظل التوازنات الدولية والإقليمية ذات الصلة بملف السد، لذلك تتعامل مصر مع الأمر بكثير من الحكمة تفضيلًا للحل السلمي وتحسبًا للتكلفة العالية للخيارات العسكرية، لذلك ستستمر الاقهرة في طرق أبواب العواصم والمنظمات الدولية للتدخل لمنع وقوع صراع في منطقة القرن الأفريقي، يمكنه تهديد السلم والأمن الدوليين، ومصالح كل الدول في هذه المنطقة.

د. عبد الناصر مأمون

المشرف على وحدة الأمن الإقليمي -حاصل على دكتوراه العلاقات الدولية كلية الدراسات الأفريقية العليا. -حاصل على ماجستير العلوم السياسية جامعة القاهرة. -باحث مشارك المؤتمر الدولى حول تحقيق التنمية المستدامة في أفريقيا. -باحث مشارك في المؤتمر العلمي الدولي بجامعة القاهرة حول الأمن في أفريقيا. -محلل زائر في الشأن الأفريقي لدى العديد من القنوات الفضائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى