تساؤلات مشروعة: ما هي أسباب إلغاء زيارة رئيس الوزراء الفرنسي للجزائر؟

ما زالت تداعيات تأجيل زيارة رئيس الوزراء الفرنسي جون كاستكس بطلب من الجزائر متواصلة؛ وما تزال الدوائر الفرنسية لم تستفق بعد من صدمة تصريحات وزير العمل الجزائري الهاشمي جغبوب التي وصف فيها فرنسا بأنها العدو الدائم والتقليدي للجزائر. وكان الوزير يرد على أسئلة نواب مجلس الشيوخ، لكن السياق الذي وردت فيه لا يمت بصلة للسياسة الخارجية الفرنسية أو بالعلاقات الجزائرية الفرنسية. فالوزير كان يوضح لأعضاء الغرفة العليا في البرلمان أسباب العجز الهيكلي لصندوق التقاعد، محاولاً إقناعهم بأن عجز صناديق التقاعد ظاهرة عالمية لم تسلم منها حتى فرنسا. بيد أن هذا التصريح جاء ثلاثة أيام قبل تأجيل موعد زيارة الوفد الفرنسي الذي يقوده الوزير الأول جون كاستيكس. كما أن رأي الوزير وهو الملزم بواجب التحفظ بدا منسجماً مع توجهات تيار قوي في الدولة وفي المجتمع يرفض أي تقارب مع مستعمر الأمس، خصوصاً في ضوء اتهامات لفرنسا بالتدخل في الشأن الداخلي الجزائر عبر دعم عناصر موالية لها مندسة في الحراك، حيث سخرت لها باريس منابرها الإعلامية كقناة “فرانس 24” للتهجم على رموز الدولة والجيش والمخابرات.

من جهتها قالت الحكومة الفرنسية إن مثل هذه التصريحات لا مبرر لها ولا تخدم العلاقات الثنائية بين البلدين. كما انتقدت الخارجية الفرنسية تهديدات وزير الاتصال والمتحدث باسم الحكومة الجزائرية للسفير الفرنسي، مؤكدة بأنها لا تعكس نوعية العلاقات الثنائية، ولا دينامية تعزيزهما المدعومة من قبل السلطات العليا في البلدين.

وفي حوار مع موقع “عربي بوست” حذّر وزير الاتصال والمتحدث باسم الحكومة الجزائرية الدكتور عمار بلحيمر، السفير الفرنسي من مغبة الاستمرار في مقابلة الأحزاب السياسية المطالبة بمرحلة انتقالية، مؤكداً  بأنه تحركاته مقيدة بالأعراف الدبلوماسية، وإلا فإن الدولة لن تتردد للحظة في اتخاذ التدابير اللازمة لتصحيح هذا الوضع المناف للتقاليد والأعراف الدبلوماسية.

ولاشك أن هذا التأجيل أو الإلغاء الضمني يؤكد وجود شرخ في العلاقات الجزائرية الفرنسية،  وهو مؤشر على عمق الأزمة التي تمر بها العلاقات بين البلدين منذ عزل الرئيس بوتفليقة مطلع ابريل 2019. وبغض النظر عن مبررات كل طرف في تأجيل الزيارة، إلا أن الدوافع الحقيقية أكثر تعقيداً وترتبط باستحقاقات داخل الجزائر وفرنسا، وتتعداهما إلى الإقليم. بالإضافة إلى تعقيدات الملفات السياسية العالقة بين البلدين وتحديداً ملف الذاكرة، والتفجيرات النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، حيث انتقدت الجزائر عدم تعاون باريس في هذا الملف، وامتناعها عن تسليمها خرائط مواقع التفجيرات النووية. ومن ثم فإن أي حديث عن إعادة بعث العلاقات بين الجزائر وباريس يعد ضرباً من الخيال، خصوصاً بعد أن صارت إسرائيل على الحدود الغربية للجزائر.

 مبررات متباينة لكنها غير مقنعة:

تباينت مبررات الطرفين الفرنسي والجزائري حول تأجيل زيارة الوزير الأول الفرنسي والوفد المرافق له إلى الجزائر والتي كانت مبرمجة يوم الأحد 11 أبريل 2021. فقد أصدرت الحكومة الفرنسية بيانا برّرت فيه تأجيل الزيارة بالظروف الوبائية، وهو ما حتّم عليها تقليص عدد أعضاء الوفد الحكومي الذي كان سيتنقل إلى الجزائر إلى ثلاثة أعضاء (الوزير الأول، وزير الخارجية ووزير المالية). أما السلطات الجزائرية فقد برّرت طلب تأجيل الزيارة بتقليص عدد أعضاء الوفد، ومدة الزيارة إلى يوم واحد، بدعوى أنه غير كاف ولا يرقى إلى الرهانات المحيطة بالزيارة، وطبيعة الملفات المعقدة المدرجة على جدول أعمال اجتماع اللجنة العليا المشتركة. ومن هذا المنطلق، يبدو أن مبرر الوضع الصحي غير منطقي، ومن ثم يجب البحث عن مبررات أخرى. ويعد هذا التأجيل الرابع من نوعه منذ 2017، حيث اجتمعت اللجنة العليا المشتركة في باريس، وقد ضم الوفد الجزائري ثمانية وزراء.

من جهة ثانية، فإن أكبر خاسر من وراء هذا التأجيل هو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يراهن كثيراً على إعادة البعث التعاون الاقتصادي مع الجزائر، وهو الذي يطمح إلى ولاية رئاسية ثانية، حيث تعتبر الجزائر رهاناً فرنسياً داخلياً. من ثم فسيكون من الصعب على الرئيس الفرنسي الدفاع عن سياسة التهدئة مع الجزائر أمام خصومه من معارضي التقارب بين البلدين. فمنذ انتخاب الرئيس تبون لم يتوقف الرئيس ماكرون عن إرسال إشارات ايجابية بشأن تحقيق التقارب وبعث التعاون الاقتصادي المتعثر مع الجزائر.

تداعيات فتح فرع لحزب ماكرون في الأراضي الصحراوية:

إن السبب الرئيس وراء طلب الجزائر تأجيل زيارة الوفد الفرنسي هو إعلان مارين كريستين فيرديي جوكلاس، نائبة رئيس مجموعة الصداقة الفرنسية – المغربية والمتحدث باسم نواب حزب ماكرون الجمعية الفرنسية، الخميس الماضي عن إقامة فرع لحزب “فرنسا إلى الأمام” الذي يرأسه الرئيس الفرنسي، في مدينة الدخلة الخاضعة لسلطة المغرب. وهو ما رأت فيه الجزائر اعترافاً فرنسيا بمغربية الصحراء وانحيازاً مفضوحاً للسياسة المغربية تجاه النزاع في الصحراء الغربية، الأمر الذي يعتبر بالنسبة للسلطات الجزائرية إشارة سلبية تجاه أي تقارب بين البلدين. فالجزائر باتت تنظر إلى النزاع في الصحراء الغربية بمثابة قضية تمس بأمنها القومي، خصوصاً بعد قرار المغرب إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فضلاً عن كونها قضية تصفية استعمار وتقرير مصير. ومن ثم، فإن الاصطفاف الفرنسي تجاه المغرب قد بات عقبة كؤود في طريق أي تقارب بين البلدين.

وحتى وإن كان قرار حزب ماكرون بفتح فرع له في مدينة الدخلة الصحراوية استفزازياً، إلا أن هناك من يرى أنه لا يؤثر في الزيارة المؤجلة لأن الانحياز الفرنسي للطرح المغربي حول الصحراء الغربية ليس جديداً. ويرى أصحاب هذا الرأي وهم من اللوبي الفرنسي في الجزائر أن الدعم الفرنسي للمغرب في القضية الصحراء الغربية لم يكن في يوم من الأيام عاملاً محدداً في العلاقات الجزائرية الفرنسية. وهذا التيار كان سائداً طيلة عقدين من حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وساهم في تقديم عديد التنازلات لفرنسا في كافة المجالات لاسيما المحالات الاقتصادية والثقافة واللغوية.

وهناك عامل أخر لا يقل أهمية عن العامل السابق وهو اغتيال قائد الدرك الصحراوي الداه البندير بقصف من طائرة مسيرة؛ حيث كان في مهمة عسكرية في المنطقة المحررة “روس إرني” في تيفاريتي الخاضعة لسيطرة البوليساريو. وقد رأت الجزائر في هذه الحادثة ثمرة تعاون عسكري تقني بين المغرب وإسرائيل، إذ لا يمكن تحقيق ما اعتبره المغرب انجازاً لولا الدعم التقني الإسرائيلي. فالجزائر تدرك جيداً أن هذا الأسلوب تتقنه إسرائيل بامتياز بحكم تجربتها في ملاحقة قادة المقاومة الفلسطينية. أضف إلى ذلك، أن استخدام الطائرات المسيرة في عمليات عسكرية نوعية يقتضي وجود قمر صناعي يوجه الطائرة المسيرة ويزودها بإحداثيات الهدف. ومن ثم فإن عملية اغتيال القائد العسكري الصحراوي تتضمن رسالة موجهة للجزائر بشكل مباشر، ومفادها أنه يتعين عليها الاستعداد في المستقبل لكافة الاحتمالات بما فيها الأسوأ منها.

اغتيال رئيس تنسيقية الحركات الأزوادية “سيما” استهداف للجزائر:

لقي رئيس تنسيقية الحركات الأزوادية “سيما” سيدي إبراهيم ولد سيداتي مصرعه اثر تعرضه لطلق ناري من مجهولين بالقرب من بيته في العاصمة باماكو. وجدير بالذكر أن سيدي إبراهيم ولد سيداتي يعد أحد مهندسي عملية السلام في مالي، وهو الذي وقع في 20 جوان 2015 بالجزائر العاصمة على اتفاق المصالحة الوطنية.

ولا شك أن عملية الاغتيال التي استهدفت أحد أقوى حلفاء الجزائر لا يمكن فصلها عن الأزمة الدبلوماسية الصامتة بين الجزائر وفرنسا والمستمرة منذ عزل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. كما يجب قراءة هذه الحادثة في ضوء التطورات الأخيرة في الإقليم خصوصاً بعد أن صار الموساد الإسرائيلي على الحدود الغربية للجزائر. لذلك فإن اكبر مستفيد من اغتيال هذه الشخصية الطارقية هي الأطراف التي تقود مخططاً يرمي لزعزعة استقرار الجزائر عبر حروب الجيل الرابع.

ختاماً، يمكن القول إن مستقبل العلاقات الجزائر الفرنسية محكوم بتطور الأحداث في الإقليم، لاسيما بعد إقامة المغرب علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بمباركة فرنسية، وإصرار لوبيات مغربية ويهودية في فرنسا على استفزاز الجزائر وعرقلة أي تقارب بين البلدين. كما أن العلاقات الثنائية محكومة بمدى التزام باريس باحترام سيادة الجزائر والنأي بنفسها عن الشأن الداخلي الجزائري والتوقف عن دعم دعاة المراحل الانتقالية والفوضى.

د.فتحي بولعراس

خبير مشارك خريج معهد الدراسات السياسية بتولوز- فرنسا (2002)، وحاصل على شهادة الماستر في الأمن الدولي والعلاقات، وعلى شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة العلوم الاجتماعية بتولوز – فرنسا (2007). مدير برنامج التكوين في الدكتوراه تخصص "دراسات سياسية مقارنة"، مدير مخبر "الدراسات السياسية والدولية" بجامعة بومرداس سابقاً (2014-2018)، عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة بومرداس سابقاً (2014-2017)، مؤسس مجلتي "السياسة العالمية" (2014-2018)، و"الدراسات السياسية والقانونية" (2014-2017). يعمل حالياً مدرساً بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية بالجزائر العاصمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى