كشفت ملامحها زيارة ” قيس سعيد” للقاهرة”.. العلاقات الدولية في فكر جماعة الإخوان

يطرح الهجوم الذي لاقته زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد للقاهرة من قبل جماعة الإخوان في تونس، وإصرارها على إفشال الزيارة عبر تحركات بدرت مبكرة متمثلاً في محاولات تشويه العلاقات بين البلدين منذ ثورة يونيو 2013- العديد من التساؤلات حول مفهوم العلاقات الدولية عن جماعة الإخوان، والأطر النظرية والعملية للعلاقات الدولية في منظومتها بعد 2013، وحدود التغير في فقه العلاقات الدولية عند تلك القوى الإسلامية التي ارتكبت العنف ضد دولها سواء بطريقة معلنة أو نفذت اغتيالات سرية، وأهم معوقات تطور العلاقات الدولية عندها.

توضيحاً، يمكن القول، إن أحداث 2011 وما بعدها أقحمت بعض فروع جماعة الإخوان في السياسة الخارجية، خاصة حركة النهضة التونسية كلاعب في تفاعلات السياسية الدولية، وإدخالها في موقع الحدث والاحتكاك المباشر في السياسات الإقليمية والدولية، وإن كان هذا الحضور من منطلق برجماتي في معظم الأحيان، وقائم على مبادئ مغايرة لفكر مؤسس الجماعة الأم حسن البنا.

وقبل الإجابة عن التساؤلات السابقة، يجب الإشارة إلى أن التطورات المتسارعة للبيئتين المحلية والدولية بعد 2013، ساعدت في تغير جماعة الإخوان وفروعها المنتشرة عبر العالم من مبادئها التي حافظت عليها في بناء منظومة علاقاتها الدولية، ووسعت من دوائر سياستها الخارجية، ووضعت مجموعة من الآليات والأدوات لتحقيق أهدافها، من أبرزها فتح مكاتب في معظم الدول، وتوسيع مستوى دبلوماسيتها الشعبية، بل تجاوزت عن موروثات أسلافها في فقه العلاقات الدولية، واستندت إلى أدلة شرعية في علاقاتها الخارجية مع دول ومؤسسات أجنبية. ولتوضيح ما سبق يمكن التطرق إلى المنطلقات الفكرية لقوى الإسلام السياسي عن العلاقات الدولية، ومبادئ حركات الإسلام السياسي في العلاقات الدولية بعد 2013،  دوائر السياسة الخارجية لقوى الإسلام السياسي المغربية وسماتها:  

منطلقات فكرية عن العلاقات الدولية:

ظلت قوى الإسلام السياسي لعشرات السنوات تنظر للعلاقات الدولية، والتعامل مع أطراف النظام الدولي من منظور مؤسس الجماعة الأم حسن البنا، الذي قصر العلاقات الدولية على الدائرة العربية والإسلامية. وكانت تستند رؤية تلك القوى للعلاقات الدولية إلى ما عبر عنه البنا في رسائل المؤتمر الخامس عام 1928، بقوله”فإن أريد بالسياسة معناها الخارجي، وهو المحافظة علي استقلال الأمة وحريتها، وأشعارها كرامتها وعزتها، والسير بها إلي الأهداف المجيدة التي تحتل بها مكانتها بين الأمم ومنزلتها الكريمة في الشعوب والدول، وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شؤونها، مع تحديد الصلة بينها وبين سواها تحديداً يفصل حقوقها جميعاً، ويوجه الدول كلها إلي السلام العالمي العام وهو ما يسمونه (القانون الدولي)…. فإن الإسلام قد عني بذلك كل العناية وأفتي فيه بوضوح وجلاء، وألزم المسلمين أن يأخذوا بهذه الأحكام في السلم والحرب علي السواء، ومن قصر في ذلك وأهمله فقد جهل الإسلام أو خرج عليه…. قرر الإسلام سيادة الأمة الإسلامية وأستاذيتها للأمم في آيات كثيرة من القرآن… ثم أوجب علي الأمة المحافظة علي هذه السيادة، وأمرها باستعداد العدة و استكمال القوة، حتى يسير الحق محفوظاً بجلال السلطة كما هو مشرق بأنوار الهداية”.

وكانت من المنطلقات الفكرية في العلاقة مع الأخر التي أرسها مؤسس الجماعة، والتي تخلصت منها قوى الإسلام السياسي بعد 2013، هي النفور من الدول غير المسلمة، والجهاد ضد المستعمر في شتى ديار المسلمين، حيث قال البنا في هذا الشأن ” لقد خرجت الدول الأوربية من الحرب العالمية وبذور الحقد والبغضاء متأثرة في صدور الكثير منها، وجاء مؤتمر الصلح ومعاهداته لطمات قاسية لبعضها وخيبة أمل مؤلمة لكثير منها, هذا إلى ظهور كثير من الفكر الجديدة,  المبادئ المتعصبة شديدة التعصب , ولابد أن تنتهي هذه الحال بهذه الأمم إلى خلاف جديد و حرب طاحنة ضروس تبدد شملهم و تمزق وحدتهم و تعيدهم إلى رشدهم و تردهم عن ظلمهم, وتهب لأمم الإسلام فرصة أخرى تسوي فيها صفوفها وتجمع شملها و تستكمل حريتها واستقلالها وتسترد دولتها، ووحدتها تحت لواء أمير المؤمنين”.

إن الأسس الفكرية للعلاقات الدولية، والنظام الدولى التي كرسها حسن البنا لأتباعه، تسببت لفترة طويلة في سطحية رؤية فروع الجماعة في بلاد المغرب، وغيرها في التعامل مع الدول الغربية، ومحدودية دوائر سياستها الخارجية، واهتماماها بالقضايا العالمية ذات التوجه الإسلامي فقط، وبأي نزاع دولى يمس المسلمين، كأنها لم تكن معنية بخريطة التكتل الدولى، والظواهر الدولية، وهذا ما تسبب في أن تكون تحركاتها الخارجية رد فعل أو دفاع سلبي أجبرت على التعامل معه نتيجة ممارسات بعض القوى الدولية ضد الدول العربية والإسلامية.

بناءا على ما سبق، يمكن القول أن رؤية مؤسس الجماعة حسن البنا للسياسة الخارجية ظلت مؤشر رئيسي في تحركات قوى الإسلام السياسي حتى نهاية فترة السبعينات. وقد تخلصت منها جزئيا قبل الثورات العربية في 2011، وكليا بعد 30 يونيو 2013 من منطلق برجماتي، باعتبارها شريكا في النظم الحاكمة، ولتحسين صورتها أمام الدول الغربية باعتبارها أحزاب إسلامية أكثر تقدماً، وأن سياستها الخارجية تتفق مع السياسة الخارجية الرسمية للحكومات المشاركة فيها، وهو ما أكده راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة التونسية، ونشرته جريدة الصباح التونسية، حيث قال:” ليس لحركة النهضة سياسة خارجية مستقلة، وبمنأى عن السياسة الخارجية الرسمية، باعتبار أن الحركة جزء من الحكومة وجزء من الدولة”. وإن كانت هذه المواقف والتصريحات لا تعبر عن تطابق كامل وتنسيق بين السياسة الخارجية لقوى الإسلام السياسي الشريكة في الحكومات والسياسة الرسمية لدولها، حيث أنه في كثير من الأحداث كانت السياسة الخارجية لهذه القوى المغربية ( حركة النهضة التونسية، وحزب العدالة والتنمية المغربي، وحركة مجتمع السلم الجزائرية) مخالفة للسياسة الرسمية للدولة، وتتحرك في مسارات مختلفة وتصدر بيانات متعارضة عن المواقف الرسمية.

فقد أخذ حزب العدالة والتنمية المغربي سياسة مغايرة للسياسة الخارجية الرسمية للدولة المغربية أثناء أحداث الانقلاب الفاشل على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في يوليو 2016، حيث أصدر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي عبد الإله بن كيران في ذلك الوقت، وثيقة تأييد وتهنئة أرسلها إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. كما أخذت حركة النهضة التونسية موقف مغاير عن الرئاسة التونسية من زيارة الرئيس قيس سعيد للقاهرة في أبريل 2021، حيث شنت الصفحات المقربة من حركة النهضة الإخوانية، على الشبكات الاجتماعية، هجوما حادا على قيس سعيد بسبب الزيارة، في سياق هجوم واسع ضده يجري منذ شهور بسبب توتر علاقته بالحركة ورئيسها راشد الغنوشي. ولم يتوقف الهجوم ضد سعيد عند شبكات التواصل الاجتماعي، حيث ندد الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي بالزيارة واعتبر أن قيس سعيد لم يعد يمثله بعد أن زار القاهرة. وقال المرزوقي، المقرب من الحركة الإخوانية، على صفحته الرسمية: “سعيد لا يمثل الثورة التي سمحت له بالوصول للسلطة، ولا يمثل استقلال تونس، ووحدة دولتها ومصالحها وقيمها”.

مبادئ فروع الجماعة في العلاقات الدولية بعد 2013:

تنطلق قوى الإسلام السياسي المغربية في سياستها الخارجية سواء كانت متسقة أو منفصلة مع الحكومات المشاركة فيها منذ 2013،  من مقاصد برجماتية، وتحرص على إقامة علاقات دولية مع كافة دول العالم، ومؤسساته الدولية، وإن كانت أحداها تصرح وتعلن عن رفض التعامل مع إسرائيل، مثل حركة مجتمع السلم ( حمس) إخوان الجزائر، من منطلق موصية حسن البنا بضرورة الانشغال بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، والجهاد ضد المستعمر، وملاحقة الصهيونية. وفي هذا السياق استخدمت قوى الإسلام السياسي المغربية مبادئ عدة لتحقيق أهدافها وتطور مستوى علاقاتها الدولية، منها ما هو شرعي ديني من موروث الفقة الإسلامي، وهذا الاتجاه ظهر واضحاً في مفهوم وأهداف السياسة الخارجية التي تضمنتها برامج أحزاب هذه القوى الإسلامية. ومنها ما فرضته عليها تطورات البيئتين الداخلية والخارجية بعد خروج جماعة الإخوان من السلطة في مصر  يونيو 2013.

ويمكن، تحديد المبادئ الشرعية التي اعتمدت عليها قوى الإسلام السياسي في تفكيك نظرتها الكلية للنظام الدولي، والاتجاه نحو بناء نظرية وسياسات للعلاقات الدولية تتحرك من خلالها، في مبدأين، الأول، هو مبدأ “المصالح المرسلة”، وهو أحد أدلة الأحكام التبعية التي يعتمد عليها العلماء والفقهاء في إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية، التي تطبق على الأعمال التي لا يوجد بها نص شرعي في منعها أو إباحتها. ووفقا لهذا المبدأ نشير إلى أن قوى الإسلام السياسي المغربية، وغيرها سارت على خط حركة حماس الفلسطينية، واعتبرت الأعمال السياسية والعلاقات الدولية تخضع لهذه القاعدة، وأنه من الضروري توسيع مستوى العلاقات الدولية، وتنوع أدوات وآليات السياسة الخارجية التي تتبعاها مع الدول الإقليمية والدولية باعتبار ذلك عامل رئيسي في المحافظة على بقائها وقبول استمرارها من القوى الغربية كشريط في حكومات دولها. وقد يكون ما قامت به حركة النهضة خلال الثلاثة سنوات الأخيرة، مثال واضح على تطبيق هذا المبدأ (المصالح المرسلة)، حيث أنه في الوقت الذي تعتبر فيه حركة النهضة القضية الفلسطينية قضية مركزية للأمة وتلتزم بدعمها والعمل على المساهمة الجادة في نصرتها، فإنها تراجعت عن إقرار فصل في الدستور ينص على رفض التطبيع مع إسرائيل مما أثار الكثير من الاحتجاجات ضد موقفها هذا سواء من داخلها أو من قبل أطراف سياسية أخرى، بالإضافة إلى حديث البعض عن لقاءات متعددة ما بين قيادات النهضة وبعض الصهاينة. كما أن بعض قوى الإسلام السياسي، منها حركة النهضة التونسية وحزب العدالة والتنمية المغربي، طورت موقفها في الفترة الأخيرة من الغرب عموماً والولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً.

 أما المبدأ الشرعي الثاني، الذي أتبعته القوى الإسلامية المغربية في تفكيك التعامل مع النظام الدولي وتوسيع دائر علاقاتها الدولية بعد 2013، هو أن ” الأصل في العلاقات الدولية..التعاون والتعارف”، وقد طورت معظم قوى الإسلام السياسي لمفومها عن العلاقات، ووسعت من علاقاتها الدولية منذ 2011، بناءاً على هذا المبدأ، حيث ترى أن الأصل في العلاقات مع أطراف النظام الدولي هو التعاون والتعارف، وتستند تلك القوى في علاقاتها مع الغرب، الذي ترفضه برامجها الحزبية القديمة، إلى قول اله تعالي ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” الأية 13 (الحجرات). على هذا السياق طورت قوى الإسلام السياسي الجزائرية والمغربية والتونسية منظومة العلاقات الدولية عندها، واعتبرت أن الإيمان بالعلاقات الدولية ضرورة إنسانية، وبالتالي يتعين فهم واستيعاب تعقيدات موقف الأطراف الدولية من النظم السياسية العربية التي تشكلت بعد 2011.

 أما المبادئ التي فرضتها التغيرات المحلية والإقليمية والدولية، والتي ألزمت قوى الإسلام السياسي بتعزيز تعددية النظام الدولى، والاتجاه نحو تعاون ايجابي مع المنظمات الدولية، وبخاصة الأمم المتحدة- فقد تمثلت في التوافق مع السياسة الخارجية الرسمية للدولة، والدفاع عن مصالح العامة لكسب شعبية الداخل، وإبداء الالتزام بتحقيق التغيير والتخلي عن المرجعية الإسلامية الجامدة التي أرسها مؤسس الحركة حسن البنا. لكن رغم إعلان قوى الإسلام السياسي عن تطابق مواقفها مع السياسة الخارجية الرسمية لدولها تجاه القوى الدولية، فإنها تظل تنظر إلى أن التأثير في المحيط الدولي يقوم على تحقيق استقلال حقيقي لموارد الأمة الإسلامية في مواجهة الغرب. وقد ظهر ذلك بوضوح في برامج وأهداف تأسيس تلك القوى، حتى أنها لم تستطع تغييرها كليا في مؤتمراتها التى عقدها خلال الفترة من 2016- 2018، حيث أكد المؤتمر السابع لحركة مجتمع السلم الجزائرية، المنعقد في مايو 2018، على تفعيل اتحاد المغرب العربي، من خلال التبادلات التجارية البينية، وتنشيط المنطقة العربية الحرة الكبرى، وتشجيع التنسيق والتعاون جنوب-جنوب في المجالات الاقتصادية والثقافية، وغيرها من المجالات الحيوية وخاصة منطقة الساحل، بالإضافة إلى تعزيز المبادلات الاقتصادية والتجارية مع بلدان العالم الإسلامي في إطار منظمة التعاون الإسلامي، كل هذا يشير إلى أن الحركة ( مجتمع السلم) مازالت تعطى أولوية للدائرة العربية والإسلامية عن الدائرة الأوروبية وأمريكا اللاتينية والكاريبي، ودول أمريكا الشمالية.

وقد يكون هذا النهج الخارجي لحركة مجتمع السلم مختلف عن التوجه الخارجي لحركتى النهضة التونسية والعدالة والتنمية المغربية، باعتبارهما شريكا في السلطة، فحركة النهضة تتحرك في جميع دوائر السياسة الخارجية، رغم تأكيدها في الفصل الأول من بيانها التأسيسي أنها ذات مرجعية إسلامية، وتسعى إلى “النضال من أجل تحقيق وحدة المغرب العربي كخطوة باتجاه تحقيق الوحدة العربية فالوحدة الإسلامية وتحرير فلسطين”. لكن يبدو أن برجماتية النهضة في سياستها الخارجية جعلتها تطور من أدوات سياستها الخارجية، لدرجة أنها تمتلك مكاتب خارجية موزعة على عدة دول أوروبية لتنشيط دورها الخارجي وتحسين صورتها كفاعل رئيسي في السلطة التونسية. أما حزب العدالة والتنمية المغربي فقد أخذ نفس طريق النهضة في علاقاته الدولية، وكان أكثر تقاربا مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموماً، فقد قال باحثون غربيون أن حزب العدالة والتنمية المغربي متفق مع توجهات السياسة الخارجية الأمريكية ومصالحها، وأن إعادة النظر من قبل قيادات الحزب في المفاهيم الجامدة حول التعامل مع الأخر ساعدت في تبني هذه الرؤية الأمريكية، التي تقوم على أن الحزب من أكثر قوى الإسلام السياسي اعتدالاُ.

دوائر السياسة الخارجية عند فروع الإخوان:

ثمة عوامل تحدد دوائر السياسة الخارجية لقوى الإسلام السياسي المغربية، أدت إلى عدم تطابق الحراك السياسي الخارجي لتلك القوى المغربية الثلاثة (النهضة التونسية والعدالة والتنمية المغربي، ومجتمع السلم الجزائرية)- أولها، المشاركة السياسية الفعالة مع السلطة: وهنا نشير إلى أن اختلاف مستوى المشاركة السياسية بين القوى الثلاثة، أدى إلى اختلاف مستوى الالتزام بالسياسة الخارجية الرسمية فيما بينهما، فوجود حركة مجتمع السلم الجزائرية خارج الحكومة، لم يلزمها كلياً بالسياسة الخارجية الرسمية للدولة الجزائرية. وثانيها، يتعلق بمستوى التمسك بالمبادئ التي أرساها البنا عن التعامل مع الغرب، وتعتبر ( مجتمع السلم) أكثر قوى الإسلام السياسي المغربية تمسكاً بمبادئ الحركة الإسلامية في التعامل مع إسرائيل وتفاعلاتها، وهو ما جعلها تتحرك في دوائر خارجية ضيقة مقارنة بالحركتين الأخريين. أما العامل الثالث، فيرتبط بمستوى الاعتراف الدولي بتلك القوى الإسلامية، من باب المرونة وتجسيد صورة الحزب الإسلامي المعتدل الذي ينهمل في مبادئ الحداثة الغربية، وحتى لو كان هذا من منطلق برجماتي، وتعد حركة النهضة وحزب العدالة والتنمية المغربي النموذج الأوضح في تجسيد هذه الصورة، حيث بدت واشنطن منذ الثورات العربية راضية عن الأداء السياسي للحركة وباركت انخراطها في السياسية الرسمية الداخلية أو الخارجية لدولة تونس.

وبناء على ما سبق، يمكن القول أن قوى الإسلام السياسي المغربية تطابقت أحياناً، واختلفت في دوائر سياستها الخارجية. فحركة مجتمع السلم جعلت الدائرة العربية والإسلامية في مقدمة اهتمامات سياستها الخارجية، ومازالت تستسني من دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جمهورية مصر العربية، حيث يأخذ قيادات تلك الحركة موقف سلبي من الدولة المصرية منذ خروج جماعة الإخوان من السلطة، وقد رفضت هذه الحركة دعم الحكومة الجزائرية للرئيس عبد الفتاح السيسي للرجوع للاتحاد الأفريقي، كما أنها تبدى مواقف تعاونية في ملف تونس، وليبيا، وتفعيل الاتحاد المغربي. وتعتبر مجتمع السلم أقل انفتاحا على الدائرة الأوروبية مقارنة بحركة النهضة وحزب العدالة والتنمية المغربي، وذلك من منطلق تخوفها من التهديد الأوروبي للبعد الثقافي، ومنافسته الجزائري، ودعمها للدور التركي في الجزائر.

أما الدوائر التي تنشط فيها حركة النهضة، بالإضافة إلى الدائرة العربية والإسلامية باستثناء مصر، فيعد أهمها الدائرة الأوروبية نظرا لنشاط شباب الحركة في تلك المنطقة، وتعتبر تركيا أهم دولة في الإقليم تقيم معها حركة النهضة علاقات مميزة، حيث تعتبر الحركة التجربة التركية نموذجاً يمكن الاقتداء بها أو الاستفادة منها والبناء عليها. أما حزب العدالة والتنمية المغربي، فهو ينشط في نفس الدوائر التي تعمل فيها حركة النهضة، بالإضافة إلى أنه يحرص على تقوية علاقات التعاون والتضامن مع الدول الإفريقية سيما بلدان الساحل وجنوب الصحراء. أما أدوات تفعيل السياسة الخارجية التي اتبعتها قوى الإسلام السياسي في دوائرها الخارجية، والتي كانت أكثر وضوحاً عند حركة النهضة التونسية عن حزب العدالة والتنمية المغربي، وحركة مجتمع السلم الجزائرية- فقد تمثلت في الآتي:

(*) الدبلوماسية الشعبية: وتعتبر حركة النهضة أكثر قوى الإسلام السياسي المغربية استخداماً لهذه الآلية في دعم سياستها الخارجية منذ 2013، حيث قامت قيادات الحركة بالعديد من الجولات، فقد زار راشد الغنوشي زعيم الحركة فرنسا مرتين في الفترة من 2011- 2016، وطمأن المسئولين الفرنسيين بأن “المحيط الجغرافي الطبيعي لتونس هو الفضاء المتوسطي وأن حركة النهضة حريصة على دعم تشبث تونس بهذا المحيط بما في ذلك الحفاظ على اللغة الفرنسية كثاني لغة معتمدة بالبلاد” وحاول أن يقدم نفسه على أنه “صديق للغرب” وأنه يقود حركة إسلامية معتدلة تؤمن بأنه “ليس هناك تعارضاً بين الإسلام والديمقراطية”. كما تعددت زيارات راشد الغنوشي وعدد من قيادات النهضة إلى تركيا لبحث آليات التعاون، فقد زارها في فبراير 2011، وفي أغسطس 2015، وفي فبراير 2017، وفي يناير 2018، وزيارته في 2019 التي تسبب في أزمة للحركة لم تنتهي حتى هذا التوقيت مع الكتل السياسية في البرلمان ومع مؤسسة الرئاسة التونسية التي اعتبرت سياسة الغنوشي الخارجية وزياراته المتكررة لتركيا بمثابة تدخل في إدارة الدولة لسياستها الخارجية. كما حضر الغنوشي فعاليات مؤتمر دافوس الاقتصادي العالمي في يناير 2018، وعلى هامش مشاركته في المنتدى، أجرى محادثات ثنائية مع عدد من الزعامات و القيادات على غرار وزير الخارجية الاسباني “ألفونسو داستيس” ووزير الدولة للعلاقات الخارجية الهندي “اج اكبر ” و رئيس الوزراء البريطاني الأسبق “طوني بلير “ورئيس الوزراء العراقي “حيدر العبادي “.

(*) دبلوماسية استقبال الوفود: وقد استخدمت هذه الآلية كل من قوى الإسلام السياسي المغربية، حيث استقبل الغنوشي في مقر الحركة العديد من الوفود والشخصيات الأجنبية. فقد استقبل الغنوشي في مايو 2018 سفير فرنسا بتونس السيد ” أوليفيي بوافر دارفور” بحضور الدكتور رفيق عبد السلام مسئول العلاقات الخارجية بحركة النهضة. كما استقبل في 22 يناير 2018 السيد عزام الأحمد المسئول الفلسطيني والقيادي في حركة التحرير الفلسطيني، وحضر اللقاء السيد رفيق عبد السلام مستشار رئيس حركة النهضة للعلاقات الخارجية. واستقبل في التاسع من يناير 2018 ، السيد شيوكاوا ميكيو، سفير دولة اليابان في تونس، وحضر اللقاء كل من رياض بالطيب ومحرزية العبيدي من المكتب التنفيذي لحركة النهضة. كما استقبل الغنوشي في 29 نوفمبر 2017 ، وفدا من البرلمان الاندونيسي برئاسة السيد محيي الدين ، نائب رئيس البرلمان. واستقبل رئيس الحركة في 3 نوفمبر 2017 ، السيد ناصر حسن الجابر، الرئيس التنفيذي للمجموعة القطرية (ناس).كما استقبل الغنوشي فى 8سبتمبر 2017 وفدا من الاتحاد الأوروبي .أما حركة مجتمع السلم الجزائرية فقد اقتصر استقبالها للوفود على الجانب التركي، حيث استقبلت الحركة في مقرها وفد من حزب السعادة التركي في مارس 2013. كما استقبل حزب العدالة والتنمية المغربي، وفد من الأحزاب السودانية في فبراير 2011.

(*) الدبلوماسية الدعائية: لقد طورت كل من حركة النهضة وحزب العدالة والتنمية من أدواتهما الدعائية، حيث قامت حركة النهضة بالترويج لمخرجات مؤتمرها العاشر المنعقد في مايو 2016، بفصل الدعوى عن السياسي، مستغلة في ذلك ترشح يهودى على قوائمها في الانتخابات البلدية المنتهية في مايو 2018. وعلى نفس المسار تحركت قيادات حزب العدالة والتنمية المغربي، وراحت تروج لوسائل الإعلام باستمرار علاقات الحزب بمؤسسات الحكم الأمريكية، حيث قال سعد الدين العثماني الأمين العام للحزب إن” التواصل بين حزب العدالة والتنمية والإدارة الأمريكية، قائم، ولم ينقطع…ونحن نعلم أن للإدارة الأمريكية مؤسسات متعددة، ونقيم علاقات حوار جدية مع هذه المؤسسات”.

من السابق،  يمكن تحديد أهم سمات العلاقات الخارجية لقوى الإسلام السياسي المغربية، في أن إيمانها بتطور علاقاتها الدولية بعد 2013، كان بدافع برجماتي لفهم واستيعاب الواقع الدولي. كما أن دوافع وأهداف قوى الإسلام السياسي المغربية من توسيع علاقاتها الدولية، تطورت من مبدأ تحقيق مصالح العباد والبلاد ووحدة المسلمين إلى التحرك في كل دوائر السياسة الخارجية. إجمالاُ، يمكن القول أن السياسة الخارجية لقوى الإسلام السياسي المغربية انتقلت بعد ثورة 30 يونيو المصرية من رد الفعل إلى المبادرة والاشتباك مع أطراف النظام الدولي في كثير من الأحيان.

في النهاية، يمكن القول أنه رغم اقتراب قوى الإسلام السياسي المغربية من تحديد إستراتجيتها في العلاقات الدولية منذ 2013، إلا أنها تواجه معوقات ما زالت تؤثر سلبا على مستوى علاقاتها المباشرة بأطراف النظام الدولى، قد تكون تلك المعوقات مرتبطة بعوامل ذاتية أو داخلية أو خارجية. وتتمثل أهم العوامل الذاتية في استحالة إخفاء تلك القوى لجذورها الإخوانية، وبالتالي تظل الجذور الإخوانية لتلك القوى الدينية معوقا في منظومة العلاقات الدولية عندها، خاصة وأن جماعة الإخوان المسلمين تصنف في العديد من دول العالم بعد أحداث 2013 بأنها جماعة محظورة. أما أهم العوامل الداخلية التي تظل عائقاً أمام تلك القوى، هي أن دولها لن تسمح بإتباع سياسة خارجية متباينة مع السياسة الخارجية الرسمية، وخاصة تجاه الدوائر الدولية التي تمثل مناطق استراتيجية لها. ويظل العامل الخارجي أيضا معوقاً لسياسات تلك القوى على المستويين الإقليمي والدولي، من منطلق عداء تلك القوى لإسرائيل وللمشروع الصهيوني الذي تدعمه الدول الأمريكية.

د.أبو الفضل الاسناوي

المستشار الأكاديمي والمشرف العام -حاصل على دكتوراه في النظم السياسية من جامعة القاهرة في موضوع الأداء البرلماني في دول الشمال الأفريقي. -حاصل على ماجستير في النظم السياسية عن موضوع النظام السياسي والحركات الإسلامية في الجزائر. -مدير تحرير مجلة السياسة الدولية بالأهرام. -كاتب في العديد من المجلات العلمية وخبير مشارك في العديد من مراكز الدرسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى