بروباغندا مضللة: كيف تسوق وزارة الخارجية الإثيوبية لأزمة سد النهضة؟

في إطار الزخم الراهن الذي يشهده ملف سد النهضة، فثمة تحركات دبلوماسية مكثفة تقوم بها وزارة الخارجية الإثيوبية لتعزيز موقف أديس أبابا، وذلك عبر حملات واسعة لترويج الإدعاءات والمزاعم الإثيوبية بشأن قضية السد، وتسويق المظلومية الإثيوبية المغلوطة وإظهار أديس أبابا على أنها تدافع فقط من أجل تحقيق التنمية للشعب الإثيوبي، في محاولة لحشد التأييد الدولي والإقليمي من خلال تزييف الحقائق ونشر المعلومات المغلوطة التي تدعم الموقف الإثيوبي، ومن ثم تسعى هذه الورقة إلى تحليل لمضمون البيانات الصادرة عن وزارة الخارجية الإثيوبية خلال الفترة الأخيرة، لفهم مضمون الرسائل التي تسعى الدبلوماسية الإثيوبية إلى تسويقها إقليمياً ودولياً.

محاولات استمالة القوى الإقليمية:

ثمة تحركات إثيوبية مكثفة في السياق الإقليمي تستهدف الترويج للموقف الإثيوبي بشأن ملف سد النهضة، ومن ثم شهدت الفترة الأخيرة تحركات دبلوماسية مكثفة من قبل وزارة الخارجية الإثيوبية للتواصل مع كافة القوى الإقليمية لتسويق الموقف الإثيوبي فيما يتعلق بملف سد النهضة، وتمثلت أبز هذه التحركات فيما يلي:

(*) تحركات يقوم بها سفراء إثيوبيا في المنطقة لتشويه الحقائق المرتبطة بملف سد النهضة، ونشر المعلومات المغلوطة التي تدعم الموقف الإثيوبي، ومن ثم عمدت أديس أبابا إلى إعتماد حركة تعيينات جديدة لبعض سفرائها والمبعوثين لدى القوى الإقليمية، وذلك بعد سلسلة من التدريبات التي نظمتها وزارة الخارجية الإثيوبية لدبلوماسيها تتضمن كيفية تسويق القضايا الإثيوبية الهامة في داخل دول المنطقة، ومن ثم الولوج إلى كافة هياكل القوى الإقليمية الفاعلة لتدعيم موقف أديس أبابا، وربما يتجسد هذا الأمر في إعلان الخارجية الإثيوبية عن تقديم المبعوث الخاص للدولة الاثيوبية والسفير المفوض لدى المملكة العربية السعودية السفير “لينجشو باتي” أوراق اعتماده كسفير اثيوبيا لدي المملكة العربية السعودية.

(*) تزييف الحقائق الخاصة بالتعنت الإثيوبي، حيث تعمل وزارة الخارجية الإثيوبية على تسويق صورة نمطية عن إثيوبيا مفادها أنها حريصة على عملية التفاوض مع مصر والسودان، وأن أديس أبابا لم تكن أبداً سبباً في فشل عمليات التفاوض السابقة، بل على العكس تصدير فكرة مساعي إثيوبيا للتفاوض مع بقية الأطراف للوصول إلى تسوية مقبولة، وأن الشروط المجحفة التي تسعى أطراف الأزمة إلى فرضها هو السبب الحقيقي وراء فشل عمليات التفاوض. وتتجسد ملامح هذه الصورة النمطية المغلوطة والمنافية للواقع -والتي تسعى إلى ترويجها أديس أبابا- في البيان الصادر عن الخارجية الإثيوبية في أعقاب فشل مفاوضات كينشاسا، حيث روج البيان إلى أن المغالاة في الشروط المصرية والسودانية وراء فشل هذه المفاوضات، وأن أديس أبابا لن تدخل في اتفاق من شأنه أن يحرمها من حقوقها المشروعة الحالية والمستقبلية في استخدام نهر النيل. ويضاف لذلك إعلان إثيوبيا عن التحضير لمرحلة جديدة من التفاوض بين الدول الثلاثة منتصف أبريل الجاري – رغم عدم وصول أي خطابات رسمية لمصر والسودان بهذا الأمر- في محاولة لتحسين صورتها الخارجية. كذلك، تجسدت هذه الأهداف الإثيوبية في البيان الصادر عن السفير الإثيوبي في مصر”مارقوس تيكلي” في 31 مارس الماضي، والذي عمد إلى تسويق تطلعات أديس أبابا لحلحة أزمة سد النهضة عبر المفاوضات والحوار بين الدول المعنية بالملف.

(*) العمل على إثارة الفتنة والوقيعة بين مصر والسودان، وهو ما تجسد في إعلان وزارة الخارجية الإثيوبية عن عرض قدمته أديس أبابا لمصر والسودان عبر وزير المياه والري الإثيوبي “سيلشي بيقليه” والذي دعى خلاله القاهرة والخرطوم لترشيح “مشغلي السدود” لديهما قبل الملئ الثاني للسد، وتجدر الإشارة إلى أن هذا العرض لطالما كان مطلب سوداني للجانب الإثيوبي، ومن ثم عمدت أديس أبابا إلى تقديم هذا العرض لمحاولة خلخلة وحدة الصف الراهن بين مصر والسودان، وهو الطرح الذي دعمته تصريحات وزيرة الخارجية السودانية “مريم المهدي” والتي أشارت أن التسليم بأن يكون الملئ قائم على مجرد تبادل المعلومات ودون وجود اتفاق قانوني ملزم يمثل أمر خطير ويعكس سوء نيه من الجانب الإثيوبي.

(*) ضمان دعم مؤسسات الإتحاد الإفريقي، فعلى الرغم من خسارة إثيوبيا حليفتها جنوب إفريقيا التي دعمتها أثناء فترة تولي كيب تاون لرئاسة الإتحاد الإفريقي، بيد أن أديس ابابا عمدت خلال الفترة الأخيرة إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية في هياكل الإتحاد الإفريقي لضمان دعمها للموقف الإثيوبي في ملف سد النهضة، وهو ما عكسه اللقاء الذي أعلنت عنه وزارة الخارجية الإثيوبية والذي جمع بين نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإثيوبي “دمقي مكونن” ونائبة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي الجديد “مونيك نسانزاباجانوا”. فقد أكد الوزير الاثيوبي على دعم “نسانزاباجانوا” بكل الطرق الممكنة، مشيراً إلى أن إثيوبيا تؤمن بقدرة الأفارقة على حل مشاكلهم بأنفسهم، وذلك في إطار شعار مفوضية الاتحاد الأفريقي المتمثل في “الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية”.

(*) العمل على خلخلة التضامن العربي مع مصر والسودان، فثمة تحركات إثيوبية تستهدف التقارب مع الدول العربية المختلفة، لتقويض وحدة الصف العربي والعمل للحيلولة دون دعم الدول العربية للحقوق المشروعة لمصر والسودان في مياه النيل، وتتمثل ملامح هذه التحركات الإثيوبية في إعلان وزارة الخارجية الاثيوبي عن لقاء جمع بين القنصل العام الإثيوبي لدى مملكة البحرين السفير “جمال بكير” مع “نبيل محمد أبو الفتح” وكيل وزارة الزراعة والثروة البحرية في وزارة الأشغال والبلديات والتخطيط العمراني في البحرين، وذلك لبحث التعاون بين الجانبين في مجموعة من القضايا مثل الأمن الغذائي، والاستثمار الزراعي، والتجارة. كذلك، التقى القائم بأعمال السفير الإثيوبي في الكويت “علي حسن”  بنائب مدير الشؤون الإفريقية في وزارة الخارجية الكويتية “محمد العاطي”، لمحاولة تعزيز العلاقات الإثيوبية – الكويتية وتسويق المزاعم الإثيوبية بشأن ملف سد النهضة.

(*) العمل على ضمان دعم دول القارة الإفريقية لموقف إثيوبيا في إطار استراتيجية “وحدة موقف إفريقيا السمراء”، حيث تروج إثيوبيا لفكرة مظلومية دول القارة السمراء وضرورة وحدة هذه الدول في مواجهة التحديات والتهديدات المشتركة، ومن ثم تسوق أديس أبابا لدى الدول الإفريقية فكرة التهديد المصري لدول القارة، من منطلق الدولة المستعمرة والتي تنظر للقارة الإفريقية نظرة دونية، وهي جميعها معلومات مغلوطة يدحضها واقع علاقات التعاون المشترك بين مصر ودول القارة الإفريقية، بيد أن أديس أبابا تستهدف فقط ترويج هذه الأفكار لحشد دعم أفريقي ضد الدولة المصرية. وقد انعكس ما سبق ذكره في إعلان وزارة الخارجية الإثيوبية عن اللقاء الذي جمع السفير والممثل الدائم لإثيوبيا لدى الأمم المتحدة “تاي أتصقي سيلاسي” مطلع أبريل الجاري بمجموعة السفراء الأفارقة في نيويورك، حيث أشار موقع الخارجية الإثيوبية أن هناك تضامن من قبل المجموعة الإفريقية للموقف الإثيوبي.

(*) استغلال البعد الديني في الترويج للموقف الإثيوبي، حيث تعمل إثيوبيا إلى اللعب على ورقة الدين لحشد التأييد الإقليمي، والحيلولة دون تحول الملف إلى صراع ديني، وهو الأمر الذي ربما يمثل عامل ضعط إقليمي ضد أديس أبابا، حال تضامنت الدول الإسلامية مع القاهرة والخرطوم. فقد دفعت إثيوبيا بمفتي البلاد “عمر ادريس” رئيس المجلس الاعلي للشؤون الاسلامية في اثيوبيا، لمخاطبة العالم الإسلامي برسائل تتضمن دعماً لحقوق إثيوبيا في التنمية، وأشار مفتي إثيوبيا إلى أنه ينبغي”لأشقائنا المصريين والسودانيين أن يدركوا بأن الهدف الأساسي من إنشاء إثيوبيا سد النهضة هو هدف تنموي وليس وراءه أي أجندة مخفية للإضرار بهما، والشعبين السوداني والمصري هما أشقائنا واخواننا في الإنسانية والدين وفي كل شيء”.

تحركات مشبوهة على المستوى الدولي:

على غرار التحركات الدبلوماسية الإثيوبية لتسويق موقفها لدى القوى الإقليمية، فثمة تحركات موازية تقوم بها وزارة الخارجية الإثيوبية في النسق الدولي، لتعزيز موقفها لدى القوى الدولية الفاعلة، والعمل على تسويق فكرة تعرض إثيوبيا للتهديد العسكري من قبل مصر والسودان، ومن ثم تزييف الواقع الفعلي للحصول على دعم المجتمع الدولي، وتمثلت أبرز ملامح التحركات الإثيوبية في هذا السياق كما تعكسه بيانات وزارة الخارجية الإثيوبية في العناصر التالية:

(*) توغل في الداخل الأمريكي، شهدت الفترة الأخيرة تحركات مكثفة من قبل أديس أبابا لتعزيز صورتها في دوائر صنع القرار الأمريكي، فوفقاً لوزارة الخارجية الإثيوبية فقد عقدت القنصلية العامة لإثيوبيا في  لوس أنجليس فاعليات “المنتدى الافتراضي لترويج التجارة والسياحة الاثيوبية” في الـ8 من أبريل الجاري، لتعزيز العلاقات السياحية والتجارية بين  إثيوبيا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث تم تمثيل وحضور أكثر من 102 من ممثلي التجارة والسياحة، وممثلي غرف التجارة المختلفة وممثلي الحكومات والمنظمات المختلفة من كل من إثيوبيا والولايات المتحدة الأمريكية. كما دعت القنصلية الإثيوبية المشاركين لزيارة واكتشاف مواقع السياحة الإثيوبية، فضلاً عن تشجيع أصحاب الأعمال الذين يحضرون المنتدى على القدوم والقيام بأعمال تجارية مربحة في إثيوبيا وشراء سلع إثيوبية لبيعها في أسواق الولايات المتحدة.

أيضاً، استقبل وزير الخارجية الإثيوبي “دمقي مكونن” وفداً رفيع المستوى برئاسة المبعوث الأمريكي الخاص إلى السودان وجنوب السودان السفير “دونالد بوث” في 24 مارس الماضي. كما أجري وزير الخارجية الإثيوبي محادثة هاتفية مع مستشار الأمن القومي الأمريكي “جيك سوليفان” لمحاولة تحسين الصورة الأثيوبية بشأن الإنتهاكات في إقليم التيجراي، فضلاً عن تسويق فكرة رعاية الإتحاد الإفريقي لأي مفاوضات بشأن ملف سد النهضة، وعدم الإتجاه إلى تدويل القضية.

 (*) إتصالات مكثفة مع الإتحاد الأوروبي، شهدت الفترة الأخيرة تحركات دبلوماسية مكثفة من قبل أدبس أبابا تجاه دول الإتحاد الأوروبي، لتعزيز الصورة النمطية الخاصة بالمظلومية الإثيوبية “المزعومة” لدى الفواعل الرئيسية في الإتحاد الأوروبي، فضلاً عن تذكير هذه القوى بأهمية أديس أبابا في منطقة القرن الإفريقي والتي تمثل منطقة حيوية بالنسبة للقارة الأوروبية، وقد تجسدت هذه التحركات الإثيوبية في المباحثات التي أجراها نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإثيوبي “دمقي موكنن” مع “بيكا هافيستو” المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي ووزير الشؤون الخارجية الفنلندي في الـ9 من أبريل الجاري. فقد عمد الوزير الإثيوبي إلى تسويق إلتزام أديس أبابا بالمفاوضات التي يقودها الاتحاد الأفريقي، فضلاً إلى محاولته إظهار التحرك السوداني الأخير -والذي بموجبه أستعادت الخرطوم جزءاً من الأراضي التي تحتلها المليشيات الإثيوبية على الحدود بين البلدين- بأنه احتلال سوداني للأراضي الإثيوبية عبر أستخدام القوة العسكرية.

كذلك، أكد وزير الخارجية الإثيوبي خلال اتصال هاتفي بوزير الخارجية الدنماركي “جيبي كوفود” في الـ 8 من أبريل الجاري، أن إثيوبيا مستعدة للتوصل إلى اتفاق مربح للأطراف الثلاثة في ملف سد النهضة، ويحترم حقها السيادي في استخدام مياه النيل للأجيال الحالية والمستقبلية، مشراً إلى أنه يتعين على المجتمع الدولي حث مصر والسودان على المشاركة بشكل بناء لتحقيق حل مربح لكل الأطراف في الإطار الذي يقوده الاتحاد الأفريقي. أيضاً، التقى وزير المالية الإثيوبي “أحمد شيدي” بمفوضة الاتحاد الأوروبي للشراكات الدولية”جوتا أوربيلينن”، ومفوض الاتحاد الأوروبي لإدارة الأزمات “يانيز ليناركيك” في 24 مارس الماضي للترويج للموقف الإثيوبي بشأن ملف سد النهضة.

من ناحية أخرى، عمدت السفيرة الإثيوبية في ألمانيا إلى عقد جلسة مع أعضاء من البرلمان الألماني (البوندستاغ)، عبر تقنية الفيديو كونغرس، حيث روجت السفيرة الإثيوبية لأعضاء البرلمان الألماني أهمية أديس أبابا في منطقة القرن الإفريقي، وأن الحكومة الإثيوبية أنقذت القرن الأفريقي من خلال تحييد هجوم الجبهة الشعبية لتحرير تيغري وخطتها الأوسع لزعزعة استقرار البلاد وتحويل منطقة القرن الإفريقية إلى بؤرة خصبة للإرهاب.

(*) التغطية على انتهاكات الحكومة الإثيوبية في إقليم التيجراي، فثمة محاولات دبلوماسة حثيثة من قبل إثيوبيا لجذب إنتباه المجتمع الدولي بعيداً عن الانتهاكات التي ارتكبتها حكومة “آبي أحمد” في إقليم التيجراي، وذلك عبر التنصل من أي مسئولية للحكومة الإثيوبية عن المجازر التي ارتكبتها القوات الحكومية في هذا الإقليم، وهو ما عكسته تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي “دمقي موكنن” في لقاؤه بالمبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي “بيكا هافيستو”. فقد أشارت وزارة الخارجية الإثيوبية أن المبعوث الأوروبي أشاد بالاتفاق الذي أعلن مؤخرا بين لجنة حقوق الإنسان الإثيوبية والأمم المتحدة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في الإقليم، مشيرة إلى إلتزام الحكومة الإثيوبية بتقديم الجناة إلى العدالة استنادا إلى نتائج التحقيق المشترك للمؤسستين، وهو الأمر الذي يعكس النمط السائد الذي تتبعه إثيوبيا والمتمثل في التسويف واللعب على عنصر الوقت لحين الوصول إلى مرحلة الملئ الثاني للسد دون أي ضغط أوروبي بشأن الانتهاكات في إقليم التيجراي. كما أكد وزير الخارجية الإثيوبي في الاتصال الذي أجراه بنظيره الدنماركي إلتزام الحكومة الإثيوبية بدعم حقوق الانسان في إقليم التيجراي، ودعا إلى دعم عملية التحقيق المشتركة للجنة حقوق الإنسان الإثيوبية والأمم المتحدة.

وفي بيان مكتوب إلى مجلس الأمن، اكد السفير والممثل الدائم لإثيوبيا لدى الأمم المتحدة، “تاي أتصقي سيلاسي” على استعداد إثيوبيا للانخراط بشكل بناء لإعادة الأوضاع إلي طبيعتها وحث المجتمع الدولي على زيادة الدعم لجهود الحكومة المستمرة لتقديم المساعدات الانسانية وإعادة الإعمار لاستعادة السلام الدائم واعادة الأوضاع الي طبيعتها في اقليم تيغراي.

(*) ضمان الدعم الروسي، فقد أجرى السفير الإثيوبي لدى روسيا “أليمايهو تيغينو” في 25 مارس الماضي محادثات مع مدير الشؤون الإفريقية بوزارة الخارجية الروسية “تاتشينكو فيزفيلود” حول مفاوضات سد النهضة استغلالاً للتطلعات الروسية في القارة. فمن الواضح أن إثيوبيا تعمل إلى استغلال التطلعات الروسية لتعزيز نفوذها في القارة الإفريقية والقرن الإفريقي، لضمان دعم موسكو لها في ملف سد النهضة، مقابل دعم المصالح الروسية في المنطقة، وهو ما عكسه اللقاء الذي جمع بين وزير الخارجية الإثيوبي “دمقي مكونن” والسفير الروسي لدى إثيوبيا “ايفغني تيريخين” في 10 مارس الماضي، حيث تم مناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك، وقد قدم  الوزير الإثيوبي الشكر للحكومة الروسية على وقوفها بجانب إثيوبيا خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي الخاص بإدانة الإنتهاكات في إقليم التيجراي.

(*) التلويح بالتقارب مع الصين، حيث تعمل إثيوبيا على الضغط على الولايات المتحدة لضمان دعم واشنطن للموقف الإثيوبي من خلال التلويح بإمكانية التقارب مع الصين – وكذلك روسيا- حال اتخذت واشنطن أي إجراءات للضغط على أديس أبابا، ومن ثم فقد أجرت إثيوبيا والصين أول مشاورات سياسية بينهما في 16 مارس الماضي، حيث تم بحث تبادل المعلومات حول التطورات السياسية المحلية، والشراكة الاستراتيجية بين إثيوبيا والصين، والتعاون في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وتعهد الجانبان بزيادة التبادلات الاقتصادية بين البلدين، وشمل مناقشاتهما سبل تطوير البنية التحتية للسكك الحديدية بين إثيوبيا وجيبوتي من خلال الدعم الصيني.

حرب الدبلوماسية:

فعلياً، تواصل إثيوبيا رفض الوساطة الدولية من أجل حلحلة أزمة سد النهضة، للدفع نحو فرض سياسة الأمر الواقع، لكنها تدرك في المقابل مدى خطورة الخطوات الحثيثة التي تقوم بها الدولة المصرية على المستوى الدولي والإقليمي لتوضيح الصورة الحقيقية بشأن قضية السد، والنجاحات المصرية في كشف النقاب عن التعنت الإثيوبي والأهداف الحقيقية لأديس أبابا، لذا شرعت الخارجية الإثيوبية في تكثيف تحركاتها للحيلولة دون أي ضغط دولي أو إقليمي قد يدفعها للتراجع عن موقفها الراهن، والقبول بالوساطة الدولية، ومن ثم التوصل إلى تسوية سياسية تحقق مصالح الأطراف كافة.

وفي الواقع، ثمة زخم دولي وإقليمي واضح إزاء ملف سد النهضة، في ظل إتجاه الأزمة نحو نقطة فاصلة خلال الفترة المقبلة، ومن ثم فقد جذبت الدبلوماسية المصرية أنظار النظام الدولي نحو قضية سد النهضة، نظراً للتداعيات السلبية المحتملة لهذا الملف على الاستقرار في المنطقة ككل، ومن ثم تسعى إثيوبيا لحشد تحالف موازي -عبر تحركاتها الدبلوماسية- يعزز موقفها في الفترة المقبلة، وهو ما جعل الأمر يتحول إلى حرب دبلوماسية ذات نطاق أوسع.

وفي النهاية، لا تزال كافة الخيارات متاحة أمام الدولة المصرية لحماية أمنها المائي، كما أشار بذلك الرئيس “عبد الفتاح السيسي”، وذلك في إطار تمسك الدولة المصرية بحقوقها المشروعة في مياه النيل، كذلك أشار وزير الخارجية “سامح شكري” إلى أن مصر سوف تتخذ جراءات جسيمة لحماية الأمن المائي والتعامل مع أي تحرك غير مسؤول من إثيوبيا، وهو الأمر الذي بات يمثل عامل ضغط على إثيوبيا في ظل الأوضاع الداخلية المتدهورة واقتصادها المترنح، ومن ثم تعمل إثيوبيا على مواجهة هذه التحديات عبر التوسع في البروباغندا التي تروج من خلالها للمظلومية المزعومة، على أمل استهلاك الوقت للوصول إلى مرحلة الملئ الثاني.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى