تطورات متلاحقة: قراءة في خطاب الرئيس السيسي بشأن أزمة سد النهضة

لا تزال المعطيات الراهنة تدفع نحو نقطة فاصلة بشأن ملف سد النهضة، في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها هذا الملف، والتي كانت أحد ملامحها هو فشل المفاوضات التي احتضنتها العاصمة الكونغولية كينشاسا، فضلاً عن استمرار التعنت الإثيوبي الذي يدفع المنطقة بإتجاه نفق مظلم، وهو ما دفع الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحديث مرة أخرى عن تطورات ملف سد النهضة الإثيوبي، وذلك خلال مشاركته في افتتاح مجمع إصدار الوثائق المؤمنة والذكية بالعاصمة الإدارية الجديدة في الـ 7 من أبريل الجاري، حيث أشار الرئيس السيسي إلى إحترام مصر الكامل لرغبة إثيوبيا في تحقيق التنمية عبر استثمار المتاح لديها من مياه النيل، ولكن شريطة ألا يكون ذلك على حساب الإضرار بالأمن المائي المصري والتعدي على حقوق مصر المشروعة في مياه النيل، مشيراً إلى انفتاح مصر على كافة الخيارات للتعامل مع أي تهديدات لمصالحها وأمنها المائي. ومن ثم تسعى هذه الورقة إلى قراءة تحليلية لخطاب الرئيس السيسي، فضلا عن بلورة رؤية استشرافية لمآلات أزمة ملف سد النهضة.

تحليل خطاب الرئيس السيسي:

في خطاب يتسم بالهدوء والرشادة في اختيار الكلمات، أشار الرئيس “عبد الفتاح السيسي” إلى جملة من النقاط الهامة بشأن سد النهضة، يمكن رصدها في العناصر التالية:

(*) التأكيد على وحدة الهدف وضمان التواصل مع الشعب، فقد حرص الرئيس في كلماته على التأكيد بأنه يدرك جيداً حجم القلق لدى الشعب المصري بشأن مستقبل ملف المياه، ولعل هذا ما أنعكس في تكرار الرئيس لهذه العبارة مرة أخرى بعد أيام قليلة من حديثه عنها في الخطاب الذي ألقاه بعد تجاوز أزمة السفينة الجائحة “إيفر جيفين”، فقد كرر الرئيس السيسي كلمة “القلق” حوالي تسع مرات خلال الخطابين الأخيرين، مما يعكس رسالة مباشرة للمواطنين بوحدة الهدف بين الشعب والقيادة السياسية للدولة، وأن الدولة تدرك جيداً حجم القلق الراهن لدى الأفراد من مستقبل المياه، لكنها في المقابل تعمل بكافة جهودها لحماية المصالح والأمن المائي المصري، ومن ثم ناشد السيسي المواطنين بضرورة تحويل هذا القلق إلى عمل فعلي، يتمثل في الحفاظ على نظافة المياه، وتجنب عمليات الإهدار والاستخدام غير الرشيد للمياه.

(*) جهود الدولة في تعظيم الإستفادة من مياه النيل، حيث أشار الرئيس السيسي إلى بعض من جهود الدولة المصرية في تقليل الإهدار من مياه النيل عبر مشروعات تبطين الترع وتحلية الصرف للإستفادة من هذه المياه في الزراعة، في محاولة للتأكيد على أن الدولة لا ترمي بأعبائها على الآخرين، لكنها تتحرك بشكل حثيث لتعزيز كافة أبعاد قوتها الشاملة. وفي إطار هذا السياق، كرر الرئيس السيسي مصطلح “نقطة مياه” نحو ست مرات خلال الخطابين الأخيرين، في رسالة واضحة إلى الداخل المصري بأهمية الحفاظ على المياه عبر الترشيد في الاستهلاك وتجنب الإهدار لمياه النيل، فضلا عما تحمله هذه الكلمات من رسالة إلى الخارج بأن الدولة المصري سوف تتمسك بكافة حقوقها في مياه النيل، في ضوء حفاظها على الأمن المائي المصري.

(*) تمسك الدولة المصرية بمسار التعاون حتى النهاية، فقد كرر الرئيس السيسي كلمة “التعاون” نحو أربع مرات خلال الخطاب الأخير فقط، للتأكيد على استراتيجية الدولة المصرية الواضحة والمستمرة والتي تحترم حق الشعوب في التنمية، بل وتسعى للتعاون مع كافة الدول في مشروعات التنمية، ومن ثم حرص السيسي على التأكيد بأن هدف الدولة المصرية هو تحقيق التعاون مع إثيوبيا لحلحلة أزمة سد النهضة، وتحقيق مصالح كافة الأطراف بما لا يضر بمصالح أي دولة.

(*) تحقيق التوازن في الخطاب الموجه إلى إثيوبيا، فبعد أيام قليلة من الكلمات القوية التي أطلقها الرئيس السيسي بشأن ملف سد النهضة، والتي رأى البعض فيها تهديداً مباشراً لأديس أبابا، عمد الرئيس إلى تخفيف حدة الأجواء المتوترة، وتحقيق التوازن في لغة الخطاب بين التصعيد والتهدئة، ولعل هذا ما تجسد عبر تكراره لكلمة “الأشقاء” خمس مرات خلال الخطاب الأخير، في محاولة لتوجيه الكلام إلى الرأي العام في الداخل الإثيوبي، والذي أشار إليه الرئيس بأنه يشهد حالة من عدم الارتياح، ومن ثم عمد السيسي إلى توضيح الموقف المصري للداخل الإثيوبي، مع محاولة لخلخلة الصورة النمطية التي تسعى القيادة الإثيوبية لترسيخها للشعب الإثيوبي بأن نهر النيل يمثل بحيرة مملوكة فقط لأديس أبابا، حيث أشار الرئيس إلى أن الطبيعة الجغرافية لم تنتج عن تدخل بشري، وإنما هي نتاج صنع إلهي إقتضت حكمته أن يسير نهر النيل على هذا النحو، لتعزيز الارتباط والتعاون بين شعوب المنطقة، ومن ثم أكد الرئيس السيسي على أن القاهرة تستهدف التعاون المشترك عبر التوصل إلى إتفاق عادل يضمن مصالح الجميع.

(*) عدم التراجع عن الموقف المصري الثابت، فقد حرص الرئيس السيسي على التأكيد على تمسك الدولة المصرية بحقوقها المشروعة في مياه النيل، ومن ثم الرغبة في التعاون وحلحلة الأزمة عبر المسار التفاوضي، لكن هذا لا يعني التراجع عن موقف مصر الثابت بشأن حماية أمنها المائي، وهو ما عكسته كلمات السيسي التي أكد فيها تمسكه بـ”عدم المساس بحقوق مصر” وأن “الخيارات كلها مفتوحة” حال حدوث تهديد لأمن مصر المائي.

(*) الإشارة إلى التكلفة الباهظة للعمل العسكري، عمد الرئيس إلى توضيح التداعيات المحتملة على كافة الأطراف لأي عمل عسكري، وهو ما يمثل رسالة مباشرة إلى الداخل المصري، في ظل المطالبات المكثفة خلال الأيام الأخيرة بضرورة قيام مصر بعمل عسكري “دفاعي” ضد سد النهضة لحماية الأمن القومي المصري، ومن ثم حاول الرئيس تذكير الشعب بالعواقب المتوقعة حال المضي قدماً في هذا الأمر، وذلك عبر الإشارة إلى بعض الأمثلة التاريخية على غرار 1962 و1967، كما لا يمكن استبعاد المدلولات التي تحملها هذه الكلمات والتي ربما يكون مفادها محاولة الرئيس تهيئة الشعب لأي تحديات محتملة حال اضطرت الدولة المصرية للقيام بهذه الخطوة. ومن ناحية أخرى، حملت هذه الكلمات رسالة للجانب الإثيوبي – والشركاء الدوليين أيضاً- مفادها التحذير من الموقف المتعنت الذي تنتهجه الحكومة الإثيوبية والذي يدفع نحو معضلة أمنية للمنطقة ككل.

فشل مفاوضات كينشاسا:

تأتي تصريحات الرئيس “عبد الفتاح السيسي” بعد ساعات من الإعلان عن فشل مفاوضات “الفرصة الأخيرة” في العاصمة الكونغولية كينشاسا، والتي استهدفت تحديد نهج وتوقيت المفاوضات، فضلاً عن وضع آليات تضمن الالتزام بها لتأمين مفاوضات بناءة تتجاوز حالة الجمود الذي ألقى بظلاله على المحادثات التي بدأت تحت رعاية الإتحاد الإفريقي في يونيو 2020 في ظل رئاسة جنوب إفريقيا، وقد أشار وزير الخارجية المصري “سامح شكري” خلال الجلسة الأولى لمحادثات كينشاسا في 4 أبريل الجاري، أن المفاوضات تمثل الفرصة الأخيرة للتوصل إلى اتفاق بشأن تشغيل وملء السد قبل موسم الفيضان المقبل.

لكن في الـ 6 من أبريل الجاري، أعلن السفير “أحمد حافظ” المتحدث باسم الخارجية المصرية أن جولة المفاوضات التي احتضنتها الكونغو الديموقراطية لم تحقق أي تقدم ولم تفض إلى أي اتفاق حول إعادة إطلاق المفاوضات بسبب التعنت الإثيوبي وغياب الإرادة السياسية الإثيوبية للتفاوض بحسن نية، حيث أشار إلى رفض إثيوبيا للمقترح الذي تقدمت به السودان – وأيدت مصر- بشأن تشكيل رباعية دولية يقودها الاتحاد الإفريقي للتوسط لحلحة الأزمة. كما رفضت أديس أبابا المقترحات المصرية – والتي أيدتها السودان- بشأن تطوير العملية التفاوضية لتمكين الدول والأطراف المشاركة في المفاوضات كمراقبين من المشاركة في تسيير المفاوضات والانخراط بنشاط في المباحثات وطرح حلول للقضايا الخلافية.

وفي كلمة ألقاها الرئيس السيسي -عبر تقنية الفيديو كونفرانس- في الاجتماع الذي نظمه بنك التنمية الإفريقي بمشاركة عدد من رؤساء الدول والحكومات الإفريقية، أكد السيسي أن هناك بعض الدول تصر على إقامة مشروعات عملاقة على الإنهار الدولية بشكل غير مدروس، ودون مراعاة أهمية الحفاظ على سلامة واستدامة الموارد المائية، وهو ما بات يهدد مستقبل شعوب المنطقة ويؤثر على أمنها وسلامتها.

من ناحية أخرى، أعلن وزير المياه والري الإثيوبي “سليشي بقلي” أن بلاده ماضية قدما في عملية الملء الثاني لسد النهضة، وذلك خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب جولة محادثات كينشاسا، فقد أكد الوزير الإثيوبي أن أديس أبابا ستقوم بالملء الثاني للسد في الموعد المحدد وفقاً لما خطط له، وهو ما جسد التعنت الإثيوبي المستمر، والإصرار على تأجيج الأزمات في المنطقة، عبر محاولاتها فرض الهيمنة على ملف المياه، وهو ما عكسته تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية “دينا مفتي” عبر قناة الجزيرة، والتي أشار خلالها إلى أحقية بلاده في بيع مياه النيل، قبل أن يعود ليتراجع عن ذلك ويشير إلى أنه ربما حدث سوء فهم، وهو ما يعكس بوضوح حقيقة النوايا الإثيوبية التي باتت جلية في أنها لا تستهدف فعلياً تحقيق التنمية وتوليد الكهرباء من السد كما هو مزعوم، وإلا لكانت قد قبلت العروض المصرية بإمدادها بالكهرباء، لكنها في الواقع تستهدف التحكم في مياه النيل، وتحويل المياه إلى سلعة تبيعها للآخرين.

تناغم بين الموقف المصري والسوداني:

على غرار تصريحات وزارة الخارجية المصرية بشأن التعنت الإثيوبي والذي أدى إلى فشل المحادثات في كينشاسا، أعلنت وزيرة الخارجية السودانية “مريم الصادق المهدي” بأن أديس أبابا تهدد أهالي حوض النيل والسودان بشكل مباشر، مشيرة إلى أن الحكومة الإثيوبية تدفع نحو فرض سياسة الأمر الواقع بطريقة تنتهك القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.

كذلك، حذرت وزيرة الخارجية السودانية من الإجراءات الأحادية التي قد تتخذها إثيوبيا لملء السد، مشيرة إلى أن الملء الأول للسد من الجانب الإثيوبي أدى إلى تعطيش لمدة أسبوع وأثر سلباً على الري والثروة الحيوانية في السودان، وقد أكدت الوزيرة أن الخرطوم ترفض أي ملء أحادي للسد، لأن هذا سينعكس سلباً على الاستقرار في القارة الإفريقية ككل.

من ناحية أخرى، أكد وزير الري السوداني “ياسر عباس” أن كل الخيارات مفتوحة أمام السودان وفقاً للقانون الدولي لمواجهة أزمة سد النهضة، مشيراً إلى الآثار السلبية التي ستترتب على اتجاه إثيوبيا للمضي قدما في الملء المنفرد للسد، وهو ما يعكس حجم التنسيق المصري- السوداني في ملف سد النهضة، والذي بلغ حد استخدام نفس التعبيرات في الخطابات الرسمية المرتبطة بملف السد.

ماذا بعد؟:

في الواقع، ثمة إصرار إثيوبي واضح في موقفها المتعنت إزاء ملف سد النهضة، في إطار تمسك أديس أبابا بالتعامل مع القضية باعتبارها لعبة صفرية لا تقبل فيها أي نوع من التعاون لتحقيق مصالح كافة الأطراف وتحقيق التعايش السلمي لدول المنطقة، ومن ثم تدفع الحكومة الإثيوبية نحو الهيمنة على المياه والتحكم في جريان مياه نهر النيل إلى دول المصب، ومن ثم تحويل المياه إلى سلعة تبيعها للآخرين لتحقيق مكاسب ماليه لا تتعلق تماماً بأية مزاعم للتنمية.

ومن ناحية أخرى، فهي تدفع المنطقة نحو تأجيج صراعات حادة باهظة التكاليف للجميع، لكن في المقابل يجب الأخذ في الإعتبار أن حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” ربما تسعى لاستفزاز مصر والسودان لدفعهما للمضي قدما في القيام بعمل عسكري ضد السد، لتأكيد المزاعم الإثيوبية الخاصة بالمظلومية للمجتمع الدولي، كما أن مثل هذا السيناريو ربما يعزز من الموقف الهش لحكومة أديس أبابا في ظل الأزمات الداخلية والصراعات الإقليمية التي تنخرط فيها إثيوبيا، وهو أمر يسعى له “آبي أحمد” خاصةً قبيل الانتخابات المرتقبة منتصف العام الجاري.

أيضاً، تعكس الخطابات المتتالية للرئيس السيسي عن العديد من الدلالات والرسائل لكافة الأطراف، سواء للداخل المصري وطمأنة الشعب بتمسك القيادة السياسية بحقوق مصر المشروعة في مياه النيل، فضلاً عن الرسائل التي يبثها الرئيس للشركاء الإقليميين والدوليين لتوضيح الحقوق المشروعة للدولة المصرية في مياه النيل، وهو ما تدعمه التحركات المصرية الحثيثة خلال الفترة الراهة تجاه الدول العربية والإفريقية والمجتمع الدولي لتوضيح الموقف المصري، والتأكيد على حقوق مصر في مياه النيل، والآثار السلبية التي ستنتج على مضي إثيوبيا قدماً في عملية الملء والتشغيل دون التوصل إلى إتفاق قانوني ملزم وشامل.

أخيراً، هناك جهود مصرية كبيرة على الصعيد الدبلوماسي – بالتنسيق مع السودان- لدفع المجتمع الدولي والأمم المتحدة للضغط على إثيوبيا ووقف التعنت الذي تصر عليه أديس أبابا والذي قد يتمخض عنه تداعيات سلبية على كافة الأطراف في المنطقة والمجتمع الدولي ككل، وتعول الدولة المصرية كثيراً على هذا المسار، إضافة إلى التحركات المصرية والسودانية تجاه الأمم المتحدة ومجلس الأمن، باعتبار أن الموقف الإثيوبي المتعنت يؤثر على السلم والأمن الدوليين، وأن القاهرة سوف تدافع عن حقوقها المشروعة في إطار المبادئ الدولية الخاصة بالدفاع الشرعي عن النفس، لكن تبقى كافة الاحتمالات مطروحة أمام مصر للدفاع عن أمنها المائي وحقوقها المشروعة، وهو ما أكد عليه الرئيس السيسي، بيد أن الرشادة التي تتحلى بها الدولة المصرية يجعلها تتريث كثيراً في اللجوء إلى هذا المسار الآخر، نظراً لإدراكها للتبعات السلبية لهذا الأمر على الجميع.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى