مسارات متوازية: كيف تتحرك الدولة التونسية لمحاصرة أزماتها؟

لم يبق وقت طويل لكي تحزم الطبقة السياسية أمرها في خصوص تجاوز الأزمة الحالية. أزمة في عُمْقها سياسية واقتصادية بالأساس، وهذا ما لم يفهمه الحكام الجدد منذ 2011، كانوا يتصورون أنه بمجرد تَوَفُّر الحريات السياسية فإن كل المشاكل ستُحل تباعا. وهنا نطرح ثلاث تساؤلات: أولا، هل أن ما تَوَفّر من حريات سياسية كان في الاتجاه الصحيح؟ وثانيا، لماذا اتجهت الأوضاع الاقتصادية من سيّء إلى أسوأ؟ وثالثا وأخيرا، هل من استفاقة حقيقية قبل حلول الكارثة، وكيف ذلك؟

 أزمة مستمرة:

لقد انتقلنا في تونس من نظام به تنمية دون ديمقراطية قبل 2011، إلى “ديمقراطية” دون تنمية بعد 2011، فقد ظنّ غالبية السياسيين التونسيين أنّه بمجرد تغيير القوانين المتعلقة بالحياة السياسية ستُصبح تونس واحة ديمقراطية. وظنّوا أنه بمجرد وضع دستور جديد يَنُصُّ على حق الشغل وكل الحقوق الأخرى فإنهم سيُحقّون الشعار الثاني للثورة وهو”تحقيق الكرامة” أي الشغل. وذهبت هذه الأماني أدراج الرياح لأنه اتضح أن الحكام الجدد فهموا الحرية بشكل مغلوط وفرضوا بَدَلَها حريات دينية لا تمُتّ للدين المعتدل بأيّ صلة، ولا نزال نعاني آثارها إلى اليوم، حرية مشوهة نشرت التطرف وسمحت بتسفير التونسيين لقتل إخوانهم من المسلمين في سوريا والعراق وليبيا خدمة لأجندات معلومة. وكانت حكومة الترويكا المنتصبة في الحكم التي تقودها حركة النهضة هي التي دفعت بالأساس – مع تيارات سياسية أخرى- لإنجاز دستور جديد على مقاس الحكام الجدد اتخذ من الحريات السياسية – وهو شعار نبيل – مدخلا لتوظيفه في تدجين الإدارة والمساجد والمؤسسات الحساسة في الدولة. فكانت النتيجة ما رأيناه من صراع حاد وصل إلى حدّ الاغتيالات السياسية، وغاب الحوار السياسي الرصين إلا في فترات قليلة أُجبرت فيه هذه الطبقة السياسية على التحاور تحت خيمة الحوار الوطني. وبمجرد انتهاء حكومة التكنوقراط، القصيرة الأجل، عاد منطق الغنيمة بقوة للطبقة السياسية الحاكمة فكان الضحية هو اقتصاد تونس.

 انعكاسات قوية:

لقد أكدت تجربة الربيع العربي في المجال الاقتصادي أن الحكام الجُدد – إلا  ما ندر – ينطبق عليهم عنوان كتاب زميلنا بالجامعة التونسية الأستاذ فتحي ليسير “دولة الهواة”، حيث أنّ قلة الكفاءة، حتى لا نقول شيئا آخر، كانت العنوان الأبرز في المجال الاقتصادي والاجتماعي. فقد كانت الحكومات المتعاقبة (ونقصد بذلك بالخصوص الحكومات التي ترأسها الإسلاميون من حركة النهضة والليبراليون من نداء تونس والمسنودة حاليا من قلب تونس) حكومات فاشلة سيطر الفساد على العديد من هياكلها وقادت البلاد إلى ما يشبه الإفلاس الكلي حاليا. ونجد اليوم طبقة وسطى مُفقّرة وارتفاعا مريعا لنسبة التونسيين الذين يعيشون تحت عتبة الفقر في مقابل ثراء فاحش لبعض الأغنياء سواء كانوا من الإسلاميين أو من بعض الليبراليين، وأصبحت معظم المؤشرات الاقتصادية تُنْبئ بأخطار جسيمة تفرض على الجميع الإسراع في إيجاد الحلول.

تحركات عاجلة:

لقد أصبح التونسيون مقتنعين أن الخطر المحدق بتونس اليوم هو الفساد وليس الإرهاب. فالإرهاب أصبح تحت الرقابة والسيطرة، بفضل الملاحقة واليقظة من طرف قواتنا الأمنية والعسكرية. وبالتالي فإن الفساد يمثل اليوم الخطر الأكبر ولا بد أن يحظى بعناية أكبر. وأتوقّع أن يكون أمام هيئة الحوار الوطني ثلاث ملفات رئيسية:

الملف الأول، ويشمل الاتفاق على شكل الحكومة وبرنامجها خاصة في الملفات المستعجلة حول التداين والمؤسسات العمومية التي تشكو صعوبات (وقد انطلق الحوار حول المؤسسات العمومية هذا الأسبوع بين اتحاد الشغل والحكومة)، وإجراءات أكثر جرأة لتحفيز الاستثمار، والسيطرة على الثروات الوطنية وإعادة النظر في حوكمتها، والاتفاق حول إصدار مرسوم العفو الجزائي الذي أعلن عنه مؤخرا رئيس الدولة قيس سعيد. وأعتقد كذلك أن بداية الاستقرار السياسي والأمني في ليبيا سيساعد في تنشيط الحركة الاقتصادية بما يعود بالنفع على اقتصاد البلدين.

الملف الثاني، ويتعلق باستكمال إنجاز الهيئات الدستورية المُتبقّية وفي مقدمتها المحكمة الدستورية وانتخاب أعضائها على أساس الكفاءة والاستقلالية الكاملة. ويتمّ في هيئة الحوار الوطني الاتفاق على القانون الانتخابي الجديد وإيجاد صيغة قانونية ودستورية لتعديل طبيعة النظام السياسي سواء عَبْر تنقيح الفصل المتعلق بالاستفتاء أو بتوافق عريض داخل مجلس النواب، والاتفاق حول الانتخابات القادمة وهل ستكون في أوانها أو سابقة لأوانها.

الملف الثالث، ويتعلق بتحديد تواريخ محددة لاستكمال هذه التنقيحات في القانون الانتخابي وفي ما تَبَقّى من هيئات دستورية، ويتمّ خلال هذه الفترة إصدار تشريعات جديدة قابلة للتنفيذ تخص التشديد لأقصى حدّ في مكافحة الفساد وتبييض الأموال وتدقيق أكْبر في تمويل الأحزاب والجمعيات.

وأقترح أن تبقى هيئة الحوار الوطني منعقدة إلى غاية تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات القادمة، وذلك لمراقبة إنجاز ما تمّ الاتفاق عليه وهو ليس بالأمر الهيّن. ونَأْمَلُ أن تصل نفحاتُ شهر رمضان إلى السياسيين في بلادنا فيضبطوا بوصلتهم في الاتجاه الصحيح رأفة بشعب أقْسَمَ أن يُغيّر هذا الربيع العربي المستورد بربيع تونسي محلي، فيه التنوع الفكري والسياسي غير الهدّام، وفيه حُبُّ العمل المُتْقَن، والحداثة غير المغشوشة، والاستقلال الحقيقي للقضاء، والعدالة الفعلية في التنمية وفي الجباية، والمشاركة الفعّالة للمرأة في كل المناصب والوظائف على قدم المساواة مع الرجل، والانفتاح بشكل أكبر على الاستثمار مع الدول الشقيقة والصديقة ومنها دول الجوار ودول الخليج ومصر ودول أوروبا جنوب المتوسط وكل من يرغب في الاستثمار في بلادنا من أي دولة في العالم. إن تحقيق هذه المواصفات هو الذي سيجعل من تونس واحة كبرى للديمقراطية والأمن والاستثمار والإبداع في كل المجالات.

 

 

د. أعلية علاني

أستاذ وخبير مشارك بالمركز، هو مؤرخ تونسي وباحث في القضايا الاستراتيجية والتيارات المتشددة دينيا، حاصل على التأهيل الجامعي جامعة منوبة- تونس، ويعمل نائب رئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، وعضو بوحدة البحث المجتمع والمجتمع الموازي كلية الآداب منوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى