من الإستراتيجية إلى البراجماتية

د. محمد كمال

الكثير من المحللين ينشغلون هذه الأيام بمحاولة فهم الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الأمريكية فى عهد الرئيس جو بايدن. مقالان نشرا بمجلة الشئون الخارجية (فورين افيرز) يقدمان طرحا جديدا لفهم مستقبل السياسة الخارجية فى ظل إدارة بايدن، وما بعدها.

المقال الأول نشر فى ابريل ٢٠٢٠، وقبل انتخاب بايدن، وحمل عنوان نهاية الإستراتيجية الكبري: يجب أن تفكر أمريكا بشكل صغير، وكتبه ثلاثة من أساتذة العلوم السياسية الأمريكيين هم دانيال دريزنر، ورونالد كريبس، وراندال شويلر. وجادلوا فيه بأن قدرة الولايات المتحدة على تبنى استراتيجية كبرى تحكم رؤيتها للعالم قد انتهت. فاستراتيجية الاحتواء سقطت بانهيار الاتحاد السوفيتى ونهاية الحرب الباردة، والاستراتيجية التى اتبعتها الولايات المتحدة بعد ذلك، وأطلق عليها الأممية الليبرالية تتعرض لانتقادات شديدة لأنها فشلت فى تقدير صعود الصين.

ويرى كتاب المقال أن نجاح أى استراتيجية كبرى يرتبط بعدد من العناصر، منها وضوح شكل و توزيع علاقات القوى فى النظام الدولى، ووجود إجماع محلى حول الأهداف والهوية الوطنية، ومؤسسات سياسية مستقرة، ويزعم المقال أنه فى عام ٢٠٢٠، لم يعد أى من هذه العناصر موجودا. فمراكز القوة فى النظام الدولى أصبحت متعددة، والعلاقات الدولية لن تكون تحت سيطرة قوة عظمى واحدة أو اثنتين أو حتى عدة قوى عظمى، بل دخل العالم مرحلة اللاقطبية. بالإضافة الى الجهات الفاعلة الجديدة، من الميليشيات المحلية إلى المنظمات غير الحكومية إلى الشركات الكبيرة، التى تمتلك كل منها وتمارس أنواعًا مختلفة من القوة، وتتنافس بشكل متزايد مع الدول، وجميعها تعيد تعريف القوة فى أنحاء العالم، ويشير المقال الى أنه بالرغم من وجود إجماع لدى علماء العلاقات الدولية على أن القوة هى المفهوم المحدد للنظام الدولى، فإنه لا يوجد إجماع حول معنى هذا المفهوم.

من ناحية أخرى، فإن الولايات المتحدة اليوم هى أمة منقسمة، والاستراتيجية الكبرى المستدامة يجب أن تستند أيضًا إلى رؤية عالمية مشتركة بين الفئات السياسية الرئيسية. والإجماع الذى ارتبط باستراتيجية الاحتواء والأممية الليبرالية بعد ذلك، لم يعد موجودًا. ويفتقر الأمريكيون اليوم إلى رواية وطنية مشتركة، وقليل منهم اصبح يتحدث عن بوتقة الانصهار الامريكية، وبالتالى أصبحت الإستراتيجية الكبرى إحدى ضحايا الرواية الوطنية الممزقة، والاستقطاب ليس فقط فى القضايا الداخلية بل فى مجموعة واسعة من قضايا السياسة الخارجية مثل تغير المناخ ومكافحة الإرهاب والهجرة والشرق الأوسط واستخدام القوة وغيرها.

يضاف الى ذلك ازدياد عدم ثقة الأمريكيين فى مؤسساتهم ونخبهم السياسية، خاصة نخب السياسة الخارجية، والتى أيدت الى حد كبير استخدام القوة فى أفغانستان والعراق وليبيا، ولا يمكن اعتبار أى من هذه التدخلات ناجحة. وبناء على ماسبق يخلص كتاب المقال الى أن الإستراتيجية الكبرى ماتت، وأن العالم اليوم هو عالم يتسم بالتفاعل والتعقيد، حيث إن المسار المباشر بين نقطتين ليس خطا مستقيما، إن العالم المضطرب والفوضوى والمرن، هو على وجه التحديد عالم لا يعترف بالفضيلة المفترضة للاستراتيجية الكبرى، باعتبارها خطة عملية ودائمة ومتسقة على المدى الطويل.

المقال الثانى، الذى نشر بالعدد الأخير من مجلة شئون خارجية، حمل عنوان سياسة خارجية للبراجماتيين، وألفه جيدون روز، وبدأ أيضا من فكرة أن النظريات الكبرى فى العلاقات الدولية، خاصة ما يعرف بالواقعية والليبرالية، قد سقطت فى الاختبار، فالليبراليون فى موقف دفاعى، بعد أن جادلوا بأن العولمة ستربط العالم ببعضه بشكل متزايد، لكنها بدلا من ذلك أدت للانقسام بين الدول وداخلها، كما جادلوا بأن الديمقراطية ستتقدم إلى الأمام، لكنها الآن تتراجع، وتوقعوا أن النموذج الصينى محكوم عليه بالفشل، لكنه نجح بما يتجاوز كل التوقعات، كما بشروا بالعالمية، لكن اتضح أن القومية لا تزال قوية.

أما الواقعية فقد فشلت تنبؤاتها بخصوص انتشار الحروب والصراعات، ولم تعد الحرب أكبر خطر يواجه البلدان وفقا للنموذج الواقعى، بل تسبب وباء كورونا فى المزيد من الموت والدمار الاقتصادى اكثر من أى حرب، وبدأت تظهر مخاطر جديدة لم تهتم بها مثل تغير المناخ. المقالان السابقان يتفقان فى ان الاستراتيجية الكبرى او النظريات الكبيرة لم تعد تصلح لإدارة السياسة الخارجية الامريكية، ويقترح كتاب المقال الأول ان يتم إدارة اجندة السياسة الامريكية بأسلوب قطعة قطعة (أى بالقطاعى وليس بالجملة)، وأن تدار من أسفل إلى أعلى، ومن الميدان وأرض الواقع، بدلا من أن تنبثق عن عقل شخص فى واشنطن يعتقد أنه يعرف إلى أين يتجه التاريخ. أى بدلا من الأطر النظرية الشاملة، يقترحون المرونة والتجريب.

أما المقال الثانى فيخلص الى نتيجة مشابهة، ويقترح على إدارة بايدن بدلا من تبنى الواقعية أو الليبرالية، فيمكنها أن تختار البراجماتية أى التجربة العملية، ويؤكد أن البراجماتية هى الأيديولوجية الأمريكية الحقيقية. خلاصة ما سبق هى أنه هناك تراجع فى دور الاستراتيجيات والنظريات الكبرى كموجه للسياسة الخارجية، ودعوة الى الاعتماد على التجريب، وتجزئة القضايا، وتبنى أسلوب عملى فى التعامل معها، والأرجح أن تسير إدارة بايدن وفقا لهذا النهج.

نقلاً عن صحيفة الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى