حول الاستقطاب الدولي الجديد

د. أحمد يوسف أحمد

كتبت منذ أسبوعين عن مؤشرات حرب باردة جديدة، فهل يعيد التاريخُ نفسَه وندخل مجدداً في حقبة استقطاب دولي تعيدنا إلى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية؟ ولو حدث فهل تكون التفاصيل هي ذاتها؟ الأصل علمياً أن التاريخ لا يعيد نفسه لأن التطور الإنساني لا يتوقف بما يباعد بيننا وبين الماضي، غير أن عين الباحث المدقِّق ترصد بعض المشابهات التاريخية التي تشي بتكرار نماذج بعينها عبر التاريخ كما في صعود الإمبراطوريات العالمية وسقوطها على النحو الذي شرحه بول كيندي في كتابه الشهير. وفي حالتنا الراهنة يبدو أن نموذج الاستقطاب الدولي مرشح للتكرار مع اختلاف في التفاصيل، وهو كذلك لأنه يعكس صراعاً على قمة العالم على النحو الذي يبين سذاجة الفكرة التي طُرِحت عقب تفكك الاتحاد السوفييتي وهي فكرة «نهاية التاريخ». فلم يكن هذا التفكك سوى نهاية دورة من دورات التاريخ لا بد وأن تفضي إلى ما بعدها، وقد كان، ليس فقط لأن روسيا بعد أن مرت بسنوات تراجعت فيها قوتها على نحو فادح، وضعت أقدامها مجدداً على طريق استعادة قوتها وحضورها في الساحة الدولية، ولكن أيضاً لأن القطار الصيني كان يمضي بثبات نحو القمة. وهكذا بدأت الأحادية القطبية التي سادت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي تتآكل بالتدريج، وبدأت الولايات المتحدة تدافع عن انفرادها بالقمة على النحو الذي أفرز مؤشرات على عودة نموذج الحرب الباردة.

وقد تعود بعض الملامح السابقة لهذا النموذج، مثل سياسات التحالفات والتنافس، على اجتذاب الدول المتوسطة والصغيرة وتفجر الأزمات الحادة من حين لآخر نتيجة لهذا. لكن ثمة بالتأكيد اختلافات في التفاصيل، على الأقل بسبب اختلاف الفاعلين الدوليين وأفكارهم وموازين القوة بينهم. وأول اختلاف شكلي في التفاصيل أن «رأس» أحد من طرفي الحرب الباردة الجديدة صارت مزدوجة، ففي الماضي قادت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي المعسكرين المتصارعين بمفردهما، أما الآن فثمة قوتان كبيرتان على رأس المعسكر المنافس للولايات المتحدة، هما روسيا والصين. وإذا كانت الصين تتميز بتفوقها الاقتصادي، فإن روسيا تتميز بتفوقها العسكري حتى الآن. وقد تفتح هذه «القيادة الثنائية» الباب مستقبلاً لتناقضات ثانوية فيما بينهما عندما تستكمل الصين مقومات قوتها العالمية وتتراجع حاجتها إلى التحالف مع روسيا. وقد حدث الخلاف بين روسيا والصين وقت انضوائهما تحت رايات الماركسية، فما بالنا بالمرحلة الحالية التي تقوم فيها العلاقات بينهما على المصالح! وقد يترتب على هذا الخلاف، إن حدث، تعزيز الاتجاه إلى التعددية على قمة النظام الدولي، بما يباعد بيننا وبين نموذج «القطبية الثنائية».

ومن ناحية ثانية تميز نموذج الحرب الباردة السابقة بهيكلة تنظيمية محكمة نتيجة انضواء أنصار كل معسكر في حلف متماسك تحت قيادة رأس المعسكرين، متمثلين في الولايات المتحدة على رأس حلف شمال الأطلسي والاتحاد السوفييتي على رأس حلف وارسو، وهو ملمح لا يبدو واضحاً حتى الآن. صحيح أن حلف شمال الأطلسي قائم بل وحقق توسعاً ملحوظاً في نطاق عضويته، لكن درجة التماسك فيه تبدو أقل من حقبة الحرب الباردة. ففي تلك الحقبة اقتصر التمرد على الحلف على فرنسا الديجولية، أما الآن فإن فكرة البديل الدفاعي الأوروبي مطروحة بقوة أكبر من ذي قبل، كما أن السياسات التركية في غير موقف بدت متمردة على الحلف. أما الطرف الآخر في التنافس الدولي الجديد فما زال بعيداً عن الهيكلة التنظيمية، وإن تكن له علاقاته القوية بعدد من الدول.

ويبقى السؤال عن وضع الأطراف غير المتورطة مباشرةً في هذا التنافس الجديد، وهل تستفيد منه كما استفادت القوى المتوسطة والصغيرة من نموذج القطبية الثنائية؟ وهذا موضوع آخر.

نقلاً عن صحيفة الاتحاد.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى