حدود الدور: المبادرة الإماراتية في النزاع السودانى الإثيوبي والموقف من سد النهضة

طُرح إعلامياً خلال الفترة الأخيرة تقارير كثيرة عن محاولات من جانب دولة الإمارات العربية المتحدة  للقيام بجهود للوساطة بين السودان وإثيوبيا فيما يتعلق بالنزاع الحدودي بينهما، وتم التطرق لإمكانية إمتداد هذه الوساطة لملف سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا. تفاصيل هذه المبادراة لا تزال غير واضحة حتى الآن على مستوى المضمون والآليات، خاصة فيما يتعلق بأزمة سد النهضة، لذلك فإن هذا المقال هو محاولة تحليلية لتقديم قراءة موضوعية حول هذه المبادرة، من حيث مقومات النجاح من ناحية ، والعوامل المضادة لها والتي قد لا تسمح لها بالاستمرار من جانب أخر.

المعلومات المتوافرة حول المبادرة الإماراتية:

لا شك أن كل ما تجمع لدينا من معلومات عن هذه المبادرة من (مصادر الأخبار العلنية) لا يعتبر حتى الآن كافياً لتقديم تصور كامل عنها، مما يضع المراقبون في دائرة الحذر من تناول هذه المبادرة سلباً أو ايجاباً، مع ذلك دافعت بعض المصادر الإماراتية عن مسألة غموض المبادرة ، واعتبرتها نقطة إيجابية وليس العكس، مبررة ذلك في إطار رغبة إماراتية في العمل بعيداً عن الأضواء، دون ضغوط سياسية او إعلامية، قد تعيق مسارها ، باعتبار ذلك نهج إماراتي دبلوماسي، سبق تجريبه في حالات مشابهة بنفس هذه الكيفية، وحقق نجاحات، كان أخرها الجهود الإماراتية في الوساطة بين الهند وباكستان( اتفاق وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان في 25 فبراير 2021 والبيانات الإيجابية التي صدرت خلال الفترة الأخيرة من الطرفين). وبغض النظر عن مسألة الغموض، فإن ذلك لا ينفي أن المبادرة موجودة بشكل أو بأخر ، وذلك في ضوء المعلومات التالية:

  • زيارة وفدمن وزارة الخارجية الإماراتية للخرطوم في يناير الماضي، واللقاء بمسؤولين في وزارتي الخارجية والري والموارد المائية السودانية، للحديث عن وساطة إماراتية لحل النزاع الحدودي مع إثيوبيا، وملف سد النهضة.
  • إعلان أحدى الدول الأطراف في الأزمة وهو السودان قبوله بشكل رسمي، وفق بيان صادر من مجلس الوزراء السوداني، لوساطة إماراتية في حل النزاع الحدودي مع إثيوبيا، وفي ملف سد النهضة، بينما لم تصدر حتى الآن أي تعليقات رسمية من جانب مصر وإثيوبيا.
  • توجَه وفد سوداني للعاصمة الإماراتية أبو ظبي، الجمعة 26 مارس 2021 ، يضم وزراء الدفاع ياسين إبراهيم، والخارجية مريم الصادق المهدي، والعدل، نصر الدين عبد الباري، ورئيس مفوضية الحدود معاذ تنقو. ووفق المصادر السودانية فإن المسؤولين السودانيين ناقشوا مع الجانب الإماراتي التوتر في الحدود بين السودان وإثيوبيا، علاوة على الحديث ضمن المبادرة عن استثمارات مشتركة بين الدول الثلاث ( الإمارات/ السودان/ إثيوبيا).
  • أخبار ” غير مؤكدة حتى الآن” عن احتمالية توجه وفد ثلاثي يضم وزراء الخارجية للدول الثلاث( مصر، السودان ، إثيوبيا) للعاصمة الإماراتية، للبدء في نقاشات لوضع هذه المبادرة محل التنفيذ.

المسارات المحتملة للمبادرة الإماراتية:

يتضح من المعلومات المتوافرة أن الإمارات تطرح مبادرة بمسارين منفصلين، أحدهما ثنائي والأخر ثلاثي:

المسار الأول: يتعلق بالوساطة الثنائية بين السودان وإثيوبيا، حول ملف النزاع الحدودي بين البلدين، ومسألة ترسيم الحدود المشتركة، وحسم الخلافات حول منطقة الفشقة محل النزاع، ويبدو أن هذا المسار سيكون الأسرع في الظهور خلال الفترة القادمة، وقد يكون من السهل بالفعل إحداث اختراقات جزئية فيه، على الأقل على مستوى التهدئة للموقف العسكري والأمني على الحدود السودانية الإثيوبية، تمهيداً لإنشاء لجان فنية وقانونية لمناقشة قضايا النزاع، تسمح بأن تظل الوساطة الإماراتية ضمن هذا المسار فاعلة لمدى زمني طويل، بحكم طبيعة قضايا الخلاف. هذا المسار خطى أول خطواته من خلال إعلان السودان قبولها الوساطة الإماراتية لحل النزاع الحدودي مع اثيوبيا كترتيب أول، مع ذكرها لمسألة سد النهضة في ترتيب لاحق، ومن خلال الزيارة التي قام بها الوفد السوداني مؤخراً للإمارات، ويظل انتظار رد الفعل الإثيوبي عنصر مهم لإكتمال هذا المسار بشكل رسمي، ونتوقع أن تستجيب إثيوبيا  لهذا المسار التفاوضي، الذي يمنحها بالفعل فرصة حقيقة للتهدئة مع السودان، وربما لمحاولة إبعاد الموقف السوداني عن الموقف المصري فيما يتعلق بملف سد النهضة.

المسار الثاني: يتعلق بالوساطة الثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا بخصوص سد النهضة، وهو المسار الأكثر تعقيداً، ويمثل عامل الوقت فيه عنصر ضاغط على المبادرة ، وعلى أطراف الأزمة في نفس الوقت، خاصة في حال لم تتراجع إثيوبيا عن مسألة الملء الثاني للسد في يونيو القادم. هذا المسار لم يتبلور بشكل رسمي حتى الآن، حيث لم تقبل بعد كل الدول الأطراف في الأزمة بالوساطة( عدا السودان) ، وهذا شرط أساسي لنشأة أي مسار وساطة، وفق المتعارف عليه في الخبرة الدبلوماسية والقانونية. حظوظ نجاح هذا المسار تبدو متساوية، وتتوقف بصورة كبيرة على الموقف الإثيوبي من المبادرة، فإذا ما تعاملت أديس أبابا مع المبادرة الإماراتية وفق نفس المفاهيم التي تصر وتراهن عليها وهي التمسك بالاتحاد الأفريقي كمسار وحيد للمفاوضات، فإنها بالقطع ستتحفظ على المبادرة ولن تسمح للإمارات ولا لأي دولة أخرى بتولي عملية الوساطة، لإدراكها أن القبول بالوساطة الإماراتية سيفتح المجال لدخول دول أخرى في فترة لاحقة، وهو النهج الذي طالما رفضته القيادة الإثيوبية أكثر من مرة واخرها رفض الوساطة الرباعية الدولية الذي قدمته السودان وأيدته مصر. وإذا ما تعاملت إثيوبيا مع المبادرة الإماراتية بمنظور برجماتي مختلف، فإنها ستقبل بها وفق شروط ومحددات معينة للتفاوض، وسيكون هدفها هو كسب مزيد من الوقت.

محددات النجاح والفشل:

في ضوء التصور السابق لمسارات المبادرة الإماراتية ( الثنائي والثلاثي)، فإن إطلاق توقعات مُسبقة عن نجاح أو فشل المبادرة بشكل عام، لن يقودنا لتحليل سليم ودقيق، بل من الأجدى تقديم توقعات خاصة بكل مسار على حده، مع محاولة رصد مدى تأثير أي مسار على الأخر سلباً أو إيجاباً، وفي ضوء ذلك نؤكد ما يلي:

  • أن عوامل النجاح للمسار الثنائي بين السودان وإثيوبيا تبدو متوفرة بصورة كبيرة، فالإمارات وسيط مقبول من الدولتين، وتملك علاقات جيدة مع كل من الخرطوم وأديس أبابا على كافة المستويات، خاصة على المستوى الاقتصادي، كما يعزز من فرص النجاح الخبرة الدبلوماسية الإماراتية في التوسط في مثل هذه النزاعات والتي سبق أن أشرنا إليها ، وأخرها الوساطة بين الهند وباكستان، كما أن الوساطة الإماراتية تحقق للدولتان مصلحة أساسية وهي تبريد الموقف السياسي بين البلدين، ووضع الخلافات على طاولة المفاوضات، دون اشتراط الوصول لحلول نهائية تحسم الخلاف بشكل نهائي، وهو ما يخدم بالأساس رغبة القيادة الإثيوبية في تثبيت الموقف العسكري الراهن، وتحييد السودان نسبياً، وفتح المجال لإعادة التقارب بين اديس أبابا والخرطوم، بما يمكن استخدامه لصالح الموقف التفاوضي بالنسبة لسد النهضة، علاوة على رغبة القيادة الإثيوبية في عدم فتح جبهة في الوقت الحالي مع السودان، في ظل استمرار مشكلاته الداخلية المتازمة مع إقليم التيجراي، وما أثاره من تهديد للتماسك الداخلي في إثيوبيا، وما أثاره أيضاً من لغط كثير حول الدور الإريتري في الحرب الأخيرة على التجراي، بعد أن اعترفت أثيوبيا مؤخراً بتواجد قوات إرترية داخل إقليم التجراي، وهي أزمة لا تزال متصاعدة في إثيوبيا، وقد تؤثر على حظوظ رئيس الوزراء الإثيوبي ” أب أحمد ” في البقاء في السلطة، مع الانتخابات المرتقبة .
  • إن حظوظ التعثر في المسار الثلاثي المتعلق بأزمة سد النهضة تبدو  أقوى، فهذا المسار يمكن أن يتوقف قبل أن يبدأ في ضوء توقعات قوية برفض إثيوبي للوساطة الإماراتية، لما يمثله ذلك من تحول في الموقف الاستراتيجي الإثيوبي من مسألة الوساطة الدولية، كما سبق أن أشرنا أنفاً، مع ذلك تظل هناك فرص لدخول الإمارات على خط الوساطة ، في ظل ما تملكه الإمارات من قبول من الدول الثلاث( مصر والسودان وإثيوبيا) وما تحتفظ به من رصيد دبلوماسي واقتصادي واستثماري يؤهلها لممارسة اشتراطات الوسيط بشكل جيد، لكن المتغير الجديد الذي قد يخدم بالفعل هذا المسار هو توقيت المبادرة أو ما يسمى في أدبيات علم التفاوض بسياقات الموقف التفاوضي للأزمة، ونعتقد أنه توقيت ضاغط على كل الأطراف للقبول بوساطة جديدة، من شأنها وفي أقل تقدير : كسر حالة الجمود الراهنة في مسار الأزمة، بعد أن رفضت إثيوبيا مقترح الوساطة الرباعية الدولية ( الأمم المتحدة/ الولايات المتحدة/ الإتحاد الأفريقي/ الإتحاد الأوروبي)، وإصراراها على التمسك بمسار التفاوض الذي يرعاه الاتحاد الأفريقي، بينما الموقف على الجانب الأخر ( مصر والسودان) متجه للتصاعد لمستويات أعلى خلال الفترة القادمة، مع إعلان إثيوبيا انها ستقوم بتنفيذ الملء الثاني للسد في يونيو القادم، وإعلان كلاً من مصر والسودان رفضهم لهذه الخطوة الأحادية، وتحذيرهم من مخاطرها على الأمن القومي لكلاً من القاهرة والخرطوم، مما يفتح المجال لسيناريوهات خطرة بالفعل وغير مضمونة العواقب.

أخيراً، نقول أن ملف سد النهضة لا يزال مفتوحاً على مسارات كثيرة ومتعددة، فإثيوبيا لا تزال مصرة على التمسك بنهجها الأحادي، وترفض إدخال وساطات دولية في الملف، بينما تكتفي بوساطة الاتحاد الأفريقي، الذي يفتقد لآليات ضغط حقيقية ، تساعد على إنجاح المفاوضات ووضع حلول مقبولة لكل الأطراف. ويبقى الدعم العربي بشكل عام والدعم الخليجي تحديداً مهماً في تقوية الموقف السياسي والاستراتيجي لكل من مصر والسودان في هذه الأزمة المصيرية.

د.أكرم حسام

نائب مدير المركز خبير في الشؤون الخليجية، دكتوراه علوم سياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ٢٠١٣، عمل في عدة مراكز بحثية داخل مصر أخرها المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، وعمل خبير في الأمن الإقليمي بالعديد من مراكز الدراسات بدول الخليج. شارك بأوراق بحثية في بعض المؤتمرات الدولية، بدعوة من مركز نيسا بالولايات المتحدة الأمريكية بواشنطن (2017-2018)، ومعهد العلاقات الدولية التابع لوزارة الخارجية الإيطالية بروما (2019-2020).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى