أمل جديد نحو السلام: حدود المبادرة السعودية تجاه إنهاء الحرب في اليمن

أعلنت المملكة العربية السعودية في 22 مارس الماضي عبر وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله عن مبادرة لإنهاء الحرب في اليمن، والوصول إلى اتفاق سياسي شامل، وشملت المبادرة عدد من النقاط مثل: وقف إطلاق النار في أنحاء البلاد تحت إشراف الأمم المتحدة، تخفيف الحصار المفروض على ميناء الحديدة من قبل قوات التحالف، وإيداع الضرائب والإيرادات الجمركية لسفن المشتقات النفطية من ميناء الحديدة في الحساب المشترك بالبنك المركزي اليمني بالحديدة، وفق اتفاق ستوكهولم بشأن الحديدة عام 2018، إعادة فتح مطار صنعاء لعدد محدد من الوجهات الإقليمية والدولية المباشرة، وبدء المشاورات بين الأطراف اليمنية للتوصل إلى حل سياسي للأزمة اليمنية برعاية الأمم المتحدة بناء على مرجعيات قرار مجلس الأمن الدولي 2216، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني اليمني الشامل.

تعد هذه المبادرة نقطة جديدة في مسار الصراع في اليمن، فمنذ 2018 تستمر المبادرات السعودية بالتعاون مع المبعوث الدولي والشركاء الدوليين، لمحاولة وضع نهاية للحرب في اليمن، لكن على ما يبدو أن كل هذه المبادرات تواجه بمراوغة من الطرف الأخر ممثلاً في الحوثيين ومن خلفهم إيران، فما هو مستقبل هذه المبادرة الجديدة، وهل تتوافر لها عوامل نجاح، أم أنها ستواجه نفس العراقيل التي واجهت غيرها من المبادرات، ليظل اليمن في حلقة الفراغ ما بين الحرب والسلام؟

محددات الموقف السعودي:

تستهدف السعودية من وراء هذه المبادرة إرسال عدة رسائل للمجتمع الدولي مفادها إثبات حسن نوايها، وتأكيد جديتها في التوصل لحل سياسي شامل للأزمة اليمنية، يراعي الأبعاد الإنسانية والسياسية، في ظل محاولات السعودية إعادة الاستقرار لليمن منذ بدء العمليات العسكرية، ومحاصرة الدعم الإيراني المستمر والمتزايد للحوثيين، والذي ساعد الحوثيين على تطوير منظومات صاروخية باتت تهدد العمق السعودي.

كما تأتي المبادرة إنسجاماً مع وصول الرئيس بايدن للسلطة في الولايات المتحدة الامريكية، ففي أول خطاب له عن السياسة الخارجية أعلن الرئيس جو بايدن عن رغبة واشنطن في وضع حد للأزمة اليمنية، ودفع مسار التسوية السلمية للصراع. حيث تم تعيين “تيموثي ليندركينغ” مبعوثاً خاصًا إلى اليمن لتعزيز الانخراط الدبلوماسي. كما كانت الخطوة الأهم من جانب الإدارة الأمريكية وهي إلغاء تصنيف جماعة الحوثيين “منظمة إرهابية”، بهدف رفع الحظر عن إرسال المساعدات الأساسية لليمن. وتأتي المبادرة السعودية لتستفيد من الزخم الأمريكي في إنهاء الحرب وتتماشي مع رؤية الإدارة الجديدة الراغبة في تعزيز وجودها في الملف اليمني.

موقف الحكومة اليمنية برئاسة هادي من المبادرة:

رحبت الحكومة اليمنية بالمبادرة، مؤكدة أنها تأتي استجابة للجهود الدولية الهادفة لإنهاء الحرب والمعاناة الإنسانية بالبلاد. وقالت وزارة الخارجية اليمنية ” نرحب بمبادرة المملكة العربية السعودية بشأن وقف إطلاق النار الشامل وفتح مطار صنعاء لعدد من الوجهات واستكمال تنفيذ اتفاق استكهولم ودخول السفن بكل أنواعها مادامت ملتزمة بقرار مجلس الأمن على أن تودع الأموال إلى البنك المركزي ودفع المرتبات بموجب قوائم 2014، ودعم العودة للمشاورات السياسية”.

موقف المجلس الانتقالي في الجنوب:

أعرب المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن عن ترحيبه بالمبادرة الجديدة من قبل السعودية لإنهاء الحرب المستمرة منذ 6 سنوات في اليمن. كما أكد المجلس على أهمية مبادرة السعودية “من حيث شموليتها لجميع الأطراف كضمان حقيقي للتقدم تجاه حل دائم، بما يضمن تمثيل جميع الأطراف، وفي أولوية ذلك التطلعات الوطنية المشروعة لشعب الجنوب، وحقه في استعادة وبناء دولته وهويته وسيادته.

موقف الحوثيين والإيرانيين من المبادرة:

 أعلن الحوثيين رفضهم لتلك المبادرة؛ حيث وصفها محمد عبد السلام- كبير المفاوضين الحوثيين –بأنها موجهة للاستهلاك الإعلامي، وأنها غير جادة ولا تحمل أي جديد.ورفض عبد السلاممقايضة الملف الإنساني بالملف العسكري أو السياسي ، مؤكدين على أن أنهم سيواصلون المحادثات مع الرياض والولايات المتحدة وسلطنة عمان -الدولة الوسيط- في محاولة للتوصل إلى اتفاق سلام.وتأكيدًا على الرفض الحوثي للمبادرة، فقد أعلنوا -بعد أيام قليلة من رفضهم- عن إطلاق عملية عسكرية بعنوان “يوم الصمود الوطني” استهدفت فيها بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية مناطق في العمق السعودي.ويكمن الرفض الحوثي للمبادرة في عدد من الأسباب منهارغبة الحوثيين في السيطرة على مدينة مأرب قبل الانخراط في أي مفاوضات، إذ تُعد مأرب آخر معقل للحكومة المعترف بها دوليًا برئاسة عبد ربه هادي منصور، والسيطرة عليها يعني السيطرة على شمال اليمن بشكل كامل، فضلاً عن أهميتها العسكرية حيث تعتبر القاعدة العسكرية الأولى والأكبر لقوات التحالف وحكومة الرئيس هادي، وتضم مقار وزارة الدفاع وقوات التحالف ورئاسة هيئة الأركان العامة وقيادتي المنطقتين العسكريتين الثالثة والسابعة التابعة لحكومة الرئيس هادي.بالإضافة إلى ان سقوط مأرب يمهد الطريق للحوثيين نحو المحافظات الجنوبية مثل شبوة وحضرموت. كما تمثل منابع النفط في مأرب دافعاً مهماً لجماعة الحوثي في استمرار هجومها على المحافظة. بالإضافة إلى أن من بين أسباب الرفض الحوثي للمبادرة مسألة غياب الثقة بين الحوثيين والسعودية، إذ يري الحوثيون أن الطرح السعودي عن فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة جاء مشروطًا ومحددًا، وهو ما يعكس استمرار سيطرتهم، وبالتالي من الممكن إغلاقهم من قبل الرياض في حال تعثر المفاوضات كورقة ضغط ضد الحوثيين، علاوة على تشكك الحوثيين من المجتمع الدولي، حيث يرون أن الضمانات الدولية ليس لها قيمة، ويدللون على ذلك بأن التصريحات الصادرة عن الأمم المتحدة بالسماح للسفن لدخول ميناء الحديدة لم يتم احتراممعظمها، حيث مازال هناك 14 سفينة تتواجد قبالة الميناء محملة بالوقود والبضائع والأغذية ولم يٌسمح بدخولها.

وعلى نطاق الموقف الإيراني أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، أن طهران تدعم أي خطة سلام في اليمن بشروط، وأنها تدعم أي خطة سلام تقوم على إنهاء العدوان، والوقف العام لإطلاق النار، وإنهاء الاحتلال، ورفع الحصار الاقتصادي، وبدء المحادثات السياسية، وفي نهاية المطاف تسليم اليمنيين زمام الأمور لرسم مستقبلهم السياسي دون تدخل أجنبي. واستنكرت ما وصفته بـ “العدوان العسكري” السعودي ودول التحالف و”استمرار هذه الجريمة الكبرى بحق شعب اليمن.

مستقبل المبادرة السعودية:

في ظل خبرة المبادرات التي شهدها اليمن خلال السنوات الاسبقة لإنهاء الحرب وإحلال السلام، لا يوجد غير سيناريوهين لهذه المبادرة، إما ان تقبلها الأطراف أو ترفضها، وذلك كما يلي:

السيناريو الأول: فشل المبادرة. نتيجة استمرار رفض الحوثيين للمبادرة، وهو ما يعني تزايد العمليات العسكرية سواء في الداخل اليمني أو في الخارج ضد السعودية ، وقد يستهدف الحوثيين من وراء ذلك رفع سقف المفاوضات لصالحهم خاصة بعد نجاهم ميدانيًا مؤخرًاوسعيهم للسيطرة على مدينة مأرب بعد أن على جبل هيلان الاستراتيجي المطل على مدينة مأرب.

السيناريو الثاني. تفعيل المبادرة كإطار للحل . يتوقف هذا السيناريو على قدرة السعودية على ممارسة مزيد من الضغوط على الحوثيين والأطراف الداعمة لهم ولاسيما إيران، والاستفادة من الموقف الأمريكي الداعم للمبادرة، وكذلك التأييد الأممي والغربي لها، وقد تلجأ الرياض إلى إبرام صفقات عسكرية أو اقتصادية مع الدول المؤثرة في الصراع اليمني لاسيما الدول كنوع من المقايضة لحثهم على إجبار الحوثيين على قبول المبادرة، وإنهاء الصراع. وقد تتدخل إيران على الخط لمحاولة إقناع الحوثيين بقبول المبادرة السعودية؛ كجزء من صفقة يتم إبرامها بين إيران والغرب إزاء الملف النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، خاصة وأن الموقف الإيراني بالنسبة للمبادرة يحمل في طياته قبولا محتملا بها، بالإضافة إلى أن طهران تخشى أن يكون هناك إجماع على المبادرة السعودية في حين تكون هي نفسها رافضة لها، وبذلك تجد نفسها معزولة وهي لا تريد العزلة في هذه الفترة.

 

هيثم عمران

باحث بوحدة دراسات الأمن الاقليمي - مدرس مساعد قسم العلوم السياسية كلية السياسة والاقتصاد جامعة السويس. وباحث مشارك مع عدد من المراكز العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى