موكب مهيب يقوده “رع”: عرض المومياوات الملكية وقوة مصر الناعمة

بعد ساعات قليلة من الإنجاز المصري الذي شهد عليه العالم، والمتمثل في إعادة فتح قناة السويس، وتجاوز أزمة السفينة الجائحة “إيفر جيفين”، تواصل الدولة المصرية جذب أنظار العالم أجمع – في حدث عالمي إستثنائي- عبر تنظيم موكب المومياوات الملكية، وهو الحدث الذي جسد بوضوح قوة مصر الناعمة، ورسخ ملامح الهوية المصرية الفرعونية المتأصلة والفريدة، كما بعث هذا الحدث بالعديد من الرسائل للخارج، تنطوي أحد جوانبها على التذكير بالدور الحضاري والتاريخي للدولة المصرية، فضلاً عن تعزيز الدور المصري الراهن والتأثير في النظام الإقليمي والدولي، حيث أرتكزت أنظار العالم، في الـ3 من أبريل الجاري، صوب ميدان التحرير لمشاهدة الموكب المهيب الخاص بعملية نقل المومياوات الملكية من المتحف المصري إلى مقرها الجديد في متحف الحضارة بمنطقة الفسطاط ( بمصر القديمة)، والذي تم إنشاؤه ليكون واحداً من أهم المتاحف المصرية والعالمية، فهو أول متحف يخصص لمجمل الحضارة المصرية؛ حيث يحوي بداخله أكثر من 50 ألف قطعة أثرية. وفي إحتفالية عالمية نقلتها العديد من وكالات الأنباء الدولية، شهد الرئيس “عبد الفتاح السيسي” إنطلاق موكب المومياوات الملكية، لنقل 22 مومياء ملكية ترجع إلى عصور الأسرات الـ17، والـ18، والـ19، والـ20، وتضم 18 مومياء لملوك و4 مومياوات لملكات، (أشهرهم الملك رمسيس الثاني، وتحتمس الثالث، وأمنحتب الثالث، والملكة حتشبسوت، وأحمس نفرتاري، ومريت آمون) يقودهم الملك “سقنن رع”، وهو أحد ملوك الأسرة الـ17، والذي بدأ حرب التحرير ضد الهكسوس، والتي أكملها من بعده أبناؤه “كاموس” ومن بعده “أحمس”.

كذلك، تضمن الموكب نحو 17 تابوتاً إضافية، وهيكل عظمي عمره أكثر من 35 ألف سنة، لشاب فرعوني بحوذته كافة أدوات الصيد، فضلاً عن عرض العديد من القطع الأثرية الفريدة وذات الدلالة بالنسبة لخبرات الإنسان المصري القديم، (على غرار “أقدم ساعة”، و”أدوات البناء والتشييد” و”أدوات الزراعة”، و”أول مقياس للنيل”) والتي تعكس العديد من الدلالات حول الدور المحوري للمصريين في التاريخ البشري.

متحف الحضارة.. استراتيجية سياحية جديدة:

ثمة استراتيجية تنتهجها الدولة المصرية لتنويع الوجهات السياحية بدلاً من تركزها في مكان واحد فقط، ولعل هذا ما يعكسه التوسع في أعداد المقاصد السياحية الحيوية، على غرار المتحف المصري الكبير في منطقة الهرم والذي تم نقل مومياء توت عنخ آمون إليه (وهي أشهر مومياء مصرية)، ومتحف الحضارة في الفسطاط، فضلاً عن المتحف المصري القديم في التحرير، ومن ثم فعملية نقل المومياوات يجسد أحد ملامح المشروع الاستراتيجي الذي يستهدف تطوير أساليب عرض الآثار المصرية، وإعادة توزيعها بالشكل الذي يحقق أكبر منفعة ممكنة.

يعد المتحف القومي للحضار المصرية أحد أهم وأكبر المتاحف في مصر والعالم، حيث تبلغ مساحته نحو 33.5 فداناً، وهو يضم أكثر من 50 ألف قطعة أثرية تحكي – عبر تقنيات حديثة- مراحل تطور الحضارة المصرية عبر العصور المختلفة، كما يضم المتحف العديد من المعارض، لعل أبرزها معرض المومياوات، بالإضافة إلى معارض آخرى تتناول تطور الحرف المصرية عبر العصور، وتطور مدينة القاهرة الحديثة، والكتابة والعلوم، والمعتقدات والأفكار، والدولة والمجتمع، ويقع هذا المتحف بالقرب من حصن بابليون، ويطل على عين الصيرة في قلب مدينة الفسطاط التاريخية، وقد شهدت الأخيرة مشروع تطوير متكامل، يستهدف استعادة الوجه الحضاري لهذه المنطقة التاريخية، وتحويلها لمقصد سياحي استراتيجي، كما تم انشاء ممشى سياحي لربط المنطقة بالطرق الرئيسية؛ لتسهيل الوصول على الزائرين.

ويعتمد متحف الحضارة على التكنولوجيا المتقدمة في عملية العرض وتقديم المادة التاريخية للزائرين، فهو يتجاوز النمط التقليدي للمتاحف، ليشمل منظومة متكاملة تمثل مركزاً ثقافياً، حيث ينطوي على جانب ترفيهي، وبعداً تعليمياً يتجسد في المسارح المتنوعة( منها اليونانية) والسينما ومعامل الترميم، وجزء آخر ثقافي، فضلاً عن جزء ليلي لتناول الطعام.

رسائل ودلالات هامة:

فعلياً، تعكس عملية نقل المومياوات الملكية إلى متحف الحضارة، والزخم الكبير الذي شهده هذا العالمي العديد من الدلالات الهامة، والتي ربما يمكن تفنيدها في بعض الرسائل التي تمخض عنها هذا الحدث، تتمثل فيما يلي:

(*) ترسيخ الهوية المصرية الفرعونية، والتي تميز الشخصية المصرية المتأصلة عن محيطها الإقليمي، فعلى الرغم من الإمتدادات المتشعبة لمصر سواء عربياً أو إفريقياً أو إسلامياً، بيد أن الصبغة الخاصة التي تمتاز بها الدولة المصرية عن كافة هذه الأبعاد تتجسد في الهوية الفرعونية.

(*) ربط الماضي بالحاضر والإعلان رسمياً عن استعادة الدولة المصرية لدورها الحيوي إقليمياً ودولياً، إذ يمثل هذا الحدث تتويجاً للتحركات المصرية الحثيثة في كافة المجالات، ، والتي أنطوت على حلحلة العديد من العقبات التي واجهت مصر خلال السنوات الماضية، ومن ثم يعكس هذا الحدث تذكيراً للدور الحضاري المصري في التاريخ البشري، والتأكيد على محورية الدور المصري في الوقت الراهن.

(*) تقديم صورة حقيقة عن مصر للمجتمع الدولي، تعكس مستوى الآمان الذي تتمتع به الدولة المصرية في ظل الوضع المتدهور الذي يشهده العالم كله، سواء يتعلق بالوضع الوبائي العالمي جراء أزمة جائحة كورونا، والتي لا زالت العديد من دول العالم تعاني من تداعياتها حتى الآن، أو فيما يتعلق بالأوضاع الأمنية غير المستقرة التي تشهدها معظم دول المنطقة، وكذلك النظام الدولي ككل.

(*) تغطية إعلامية مبهرة، حيث حظى الموكب بتغطية إعلامية على المستوى الدولي، وتم تعزيزها بمساحات إعلانية استهدفت الكثير من الدولي الأوروبية والعربية، كما نقلت العشرات من القنوات المحلية والدولية (حوالي 400 قناة في 60 دولة)، كما شارك في الحدث العديد من الشخصيات العالمية، أبرزها الامين العام لمنظمة السياحة العالمية ” زوراب بولوليكاشفيلى”، ورئيس منظمة اليونيسكو ” أودري أزولاي”، وقد تم ترجمة الحدث إلى 14 لغة عبر العالم.

(*) وجهة سياحية مفضلة، لقد أطلقت وزارة السياحة والآثار فيلماً ترويجياً بتاريخ المومياوات الملكية، وعمدت الوزارة إلى تعريف العالم بتاريخ المتحف المصري القديم بالتحرير، ومتحف الحضارة، وأبرز محتوياتهما، كجزء من الحملة الدعائية التي تتبناها الدولة المصرية لجذب السياحة. وتجدر الإشارة إلى أن الدولة المصرية بدأت خلال السنوات الأخيرة في تبني استراتيجية شاملة تستهدف جذب السياحة الخارجية، وإعادتها لما كانت عليه قبل عام 2011.

(*) يعكس هذا الحدث أيضاً العديد من الدلالات بشأن إهتمام القيادة السياسة للدولة المصرية بالتراث الوطني والحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة، ومحاولة إعادة إحياء هذه الحضارة القديمة عبر عمليات التطوير الشاملة على كافة المحاور، بما في ذلك الجزء المعماري والحضاري والمتثمل في رفع كفاءة الميادين المصرية في كافة أنحاء الجمهورية، والذي تجسد بوضوح في ميدان أعمال التطوير والتجديد في ميدان التحرير.

(*) تعزيز الوحدة الشعبية، فقد مثلت الإحتفالية الخاصة بموكب المومياوات – وقبلها قضية السفينة الجانحة “أيفر جيفن”- تجسيداً فعلياً لوحدة الشعب المصري وإلتفافه حول قيادته، فقد أبرز الموكب ملامح التشابك المصري المرتبط بالتاريخ الواحد الذي يمثل مصدر إلهام وفخر للمصرين جميعاً، وقاعدة يمكن البناء عليها في الوقت الراهن لإستعادة حضارة الماضي بملامح العصر.

(*) يعكس مشهد استقبال الرئيس “عبد الفتاح السيسي” لمومياوات ملوك مصر القدامى دلالات هامة، مفادها أن ثمة استمرارية واتصال بين قادة مصر عبر التاريخ، ومن ثم فكما دافع هؤلاء الملوك السابقين عن مصر ضد أي تهديدات خارجية، فإن القيادة المصرية الحالية تسير على نفس النهج، وهو ما يعكس رسائل ضمنية للعديد من الاطراف الخارجية.

(*) قوة مصر الناعمة، من أبرز الرسائل التي أنطوت عليه هذه الإحتفالية هو ما يرتبط بتعزيز القوى الناعمة لمصر، فأحد الملامح التي تميز التحركات المصرية في السنوات الأخيرة، هو ما يرتبط بتدعيم كافة جوانب القوى المصرية، فلم يقتصر الإهتمام على تطوير أبعاد القوى الصلبة للدولة، متمثلة في تعزيز القوة العسكرية والتنمية الإقتصادية، بل تجاوزه ليشمل أيضاً تدعيم محددات القوى الناعمة، والتي يجسد موكب المومياوات أحد جوانبها، من خلال إظهار اهتمام الدولة المصرية بالمتاحف والآثار التاريخية، والعمل على استعادة “القاهرة الخديوية”، وإعادة ترميم وتطوير العديد من المناطق الاستراتيجية ذات الأهمية التاريخية، وهي جميعها مؤشرات تعزز من مكانة مصر دولياً وإقليمياً، وتعكس صورة حضارية عن الدولة المصرية تمثل أحد عوامل التأثير.

أخيراً، ثمة جهود كبيرة بذلتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة لاستعادة دورها المحوري في النسق الإقليمي والدولي، وتستند الدولة في ذلك إلى رؤية شاملة للتطوير، تستهدف الدفع بالمجالات كافة في نفس الوقت لتحقيق تنمية شاملة وحقيقية، وتمثل المؤسسات الثقافية والأثرية أحد الجوانب الرئيسية التي ترتكز عليها الرؤية المصرية، والتي تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي المصري بالتوازي مع عملية البناء الإقتصادي والسياسي، لتعزيز قوة وتماسك الدولة المصرية من الداخل، ومن ثم استعادة دورها وتأثيرها الخارجي، ويبقى البعد الحضاري والثقافي أحد أبرز أدوات قوة مصر الناعمة التي تزيد من فاعلية الدور المصري في الخارج.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى