استعادة الدور: التوجيه الاستراتيجي المؤقت للأمن القومي الأمريكي

أصدر البيت الأبيض وثيقة “التوجيه الاستراتيجي المؤقت لاستراتيجية الأمن القومي” المكونة من 24 صفحة في ٣ مارس الجاري، التي هدفت إلى توصيف المشهد العالمي وفقاً للإدارة الأمريكية بقيادة “جو بايدن”، وإعطاء ملامح إرشادية عامة عن توجهات الإدارة الجديدة، وتفسير أولويات سياساتها الخارجية.

فقد أكدت الوثيقة على أن مصير أميركا صار مرتبطاً بشكل أكبر من أي وقت مضى بالأحداث التي تقع خارجها، إلى جانب التأكيد على ضرورة إعادة تجديد المزايا الدائمة للولايات المتحدة من أجل العودة لقيادة النظام الدولي مرة أخرى. وتقوم الاستراتيجية الجديدة على ستة محاور، هي: إحياء وتحديث تحالفات واشنطن في جميع أنحاء العالم، واستعادة الدور القيادي للولايات المتحدة في المجتمع الدولي، والاستخدام المسئول للأداة العسكرية في مقابل تعزيز الدبلوماسية، وضرورة اتباع سياسة اقتصادية دولية تحقق الأمن الاقتصادي للشعب الأمريكي، وإعادة بناء الداخل الأمريكي، وأخيراً مواجهة النفوذ الصيني، كما حددت الاستراتيجية الأدوات الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية هي الدبلوماسية والتنمية وفن الحكم الاقتصادي.

ونظراً لأهمية توقيت تولى “بايدن” رئاسة أمريكا، وإصدار البيت الأبيض وثيقة التوجية الاستراتيجي المؤقت لاستراتيجية الأمن القومي، يمكن طرح تلك الأسئلة، عدة أسئلة، وهي: ما هي ملامح المشهد الأمنى العالمي، الذي تحدد على أساسه مدى نجاح أو فشل تلك الاستراتيجية فيما بعد؟، وما هي أولويات الأمن القومي الأمريكي، وأوجه اختلاف تلك الاستراتيجية عن استراتيجية الأمن القومي لترامب؟.

ملامح مؤثرة للمشهد الأمني العالمي:

أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن على عدم إمكانية العودة إلى الوراء إلى ما كان عليه المشهد العالمي قبل 75 أو 30 عاماً، لذلك يجب تحديد مسار تعاوني جديد حول كيفية التعامل مع أبرز التطورات الراهنة التي طغت على الساحة العالمية، والتي يمكن توضيحها النقاط التالية:

  • الحاجة نحو تعزيز العمل الجماعي: أظهرت العديد من الأحداث الأخيرة أن أكبر التهديدات التي يواجهها العالم اليوم لا تحترم حدودًا، مثل الأوبئة والمخاطر البيولوجية الأخرى، وأزمة المناخ المتفاقمة، والتهديدات السيبرانية والرقمية، والاضطرابات الاقتصادية الدولية، والأزمات الإنسانية، والتطرف العنيف والإرهاب، وانتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى. وبالتالي لا يمكن معالجة أي منها بشكل فعال من قبل دولة واحدة تعمل بمفردها، بل يجب مواجهتها في إطار عمل جماعي موحد بين مختلف دول العالم.
  • تقييد الديمقراطيات حول العالم: في الوقت الذي أصبح هناك ضرورة ملحة من أجل المشاركة الأمريكية والتعاون الدولي، تواجه الديمقراطيات في جميع أنحاء العالم بما في ذلك داخل الولايات المتحدة، العديد من التحديات، على سبيل المثال تتعرض المجتمعات الحرة لتحديات من الداخل من خلال الفساد وعدم المساواة والاستقطاب والشعبوية والتهديدات غير الليبرالية لسيادة القانونـ، بينما انتجت الاتجاهات القومية والوطنية التي تسارعت بسبب أزمة كوفيد -19 توجه جديد داخل كل دولة جعلتها أكبر ميلاً نحو الانعزالية والفردية. كذلك تتعرض الدول الديمقراطية أيضًا لتحديات متزايدة من الخارج من قبل القوى الاستبدادية المعادية، حيث تستخدم القوى المناهضة للديمقراطية المعلومات المضللة والفساد المسلح لاستغلال نقاط الضعف وزرع الانقسام داخل وبين الدول الحرة، وتقويض القواعد الدولية القائمة، وتعزيز نماذج بديلة للحكم الاستبدادي.
  • تغير خريطة توزيع القوة: يجب التعامل مع حقيقة، وهي أن خريطة توزيع القوة في جميع أنحاء العالم آخذة في التغير، الأمر الذي فرض تهديدات جديدة. فقد أصبحت الصين، على وجه الخصوص، أكثر حزماً فهي المنافس الوحيد القادر على الجمع بين أدوات قوته الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية لتشكيل تحد مستدام لنظام دولي مستقر ومنفتح، في المقابل لا تزال روسيا مصممة على تعزيز نفوذها العالمي ولعب دور تخريبي على المسرح العالمي، من ناحية أخرى تواصل الجهات الفاعلة الإقليمية مثل إيران وكوريا الشمالية السعي وراء قدرات وتقنيات تغيير قواعد اللعبة، مع تهديد حلفاء الولايات المتحدة وشركائها وتحدي الاستقرار الإقليمي. هذا بالإضافة إلى التهديدات التي تفرضها جهات فاعلة مؤثرة من غير الدول لديها القدرة على زعزعة المصالح الأمريكية، بينما لا يزال الإرهاب والتطرف العنيف على الصعيدين المحلي والدولي، يمثلان تهديدات حرجة على الساحة العالمية.
  • التشكيك في بنية النظام الدولي القائم: يتم الآن إعادة مراجعة حول مدى كفاءة وفعالية التحالفات والمؤسسات والاتفاقيات والمعايير التي أسست ركائز النظام الدولي، وذلك في خضم التغيير السريع والأزمات المتصاعدة، حيث أصبحت عيوب النظام وعدم المساواة واضحة، وقد تسبب الجمود والتنافس بين الدول في تشكيك الكثيرين في جميع أنحاء العالم بما في ذلك العديد من الأمريكيين حول جدوى استمرار النظام الحالي.
  • ثورة تكنولوجية هائلة: تتسابق القوى الرائدة في العالم من أجل تطوير ونشر التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، التي يمكن أن تشكل كل شيء من التوازن الاقتصادي والعسكري بين الدول إلى مستقبل العمل والثروة وعدم المساواة داخلها، لاسيما وأن الإمكانات المستقبلية هائلة، مثل التقدم في تقنيات الطاقة النظيفة الذي أصبح ضروري لإبطاء تغير المناخ. كما يمكن للتكنولوجيا الحيوية أن تطلق علاجات للأمراض، بينما ستمهد البنية التحتية للاتصالات من الجيل التالي (5G) الطريق لتقدم هائل في التجارة والوصول إلى المعلومات، لكن اتجاه وعواقب الثورة التكنولوجية تظل غير مستقرة حيث لا تزال التقنيات الناشئة غير خاضعة إلى القوانين أو المعايير المصممة لتركيز الحقوق والقيم الديمقراطية، وتعزيز التعاون، وإرساء الحواجز ضد سوء الاستخدام وتقليل عدم اليقين، وبالتالي ستؤدي المنافسة إلى تأجيج الصراعات بين الدول.

أولويات الأمن القومي الأمريكية:

أكدت الوثيقة أن ضمان الأمن القومي للولايات المتحدة يتطلب الدفاع عن المصادر الأساسية للقوة الأمريكية ورعايتها، بما في ذلك شعبها واقتصادها وديمقراطيتها في الداخل، إلى جانب تعزيز التوزيع المناسب للسلطة لردع الخصوم، ومنعهم من تهديد الولايات المتحدة، وحلفائها بشكل مباشر، وأخيراً قيادة ودعم نظام دولي مستقر ومنفتح، تدعمه تحالفات ديمقراطية قوية وشراكات ومؤسسات وقواعد متعددة الأطراف، والتي تتمثل في:

(*) إحياء وتحديث تحالفات وشراكات واشنطن في جميع أنحاء العالم: تعتبر التحالفات مصدر هائل للقوة وميزة أمريكية فريدة تساعد على تحمل المسؤوليات المطلوبة من خلال تقديم جبهة مشتركة، وإنتاج رؤية موحدة وإنشاء قواعد دولية فعالة، ومحاسبة دول مثل الصين، وفي هذا السياق ستعمل الولايات المتحدة على تعزيز شبكة تحالفاتها على عدد من الجبهات، هي:

  • الجبهة الأولي، تتمثل في إعادة التأكيد والاستثمار في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتحديث التحالفات مع أستراليا واليابان وكوريا، من خلال العمل على تقاسم المسؤوليات بشكل عادل وتشجيع الحلفاء على الاستثمار في مزاياهم النسبية ضد التهديدات الحالية والمستقبلية المشتركة.
  • الجبهة الثانية، مضاعفة الجهود في بناء الشراكات في جميع أنحاء العالم، من خلال تحقيق اتصال أعمق مع المحيطين الهندي والهادئ وتعميق الشراكات مع الهند والعمل جنبًا إلى جنب مع نيوزيلندا وسنغافورة وفيتنام والدول الأخرى الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، بالإضافة إلى تعزيز الشراكات مع دول جزر المحيط الهادئ، وتأكيد الالتزام على شراكة عبر الأطلسي وصياغة جدول أعمال مشترك قوي مع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بشأن القضايا الحاسمة.
  • الجبهة الثالثة، توسيع الشراكات مع كندا والمكسيك، بناءً على مبادئ الاحترام المتبادل والمساواة والالتزام بالازدهار الاقتصادي والأمن وحقوق الإنسان والكرامة، ويشمل ذلك العمل مع الكونجرس لتزويد أمريكا الوسطى بمبلغ 4 مليارات دولار كمساعدة على مدى أربع سنوات، إلى جانب اتخاذ خطوات أخرى لمعالجة الأسباب الجذرية لانعدام الأمن البشري والهجرة غير النظامية، بما في ذلك الفقر والعنف الإجرامي والفساد، ومواجهة الآثار الإقليمية لتغير المناخ.
  • الجبهة الرابعة، في منطقة الشرق الأوسط، ستحافظ الولايات المتحدة على التزامها الصارم بأمن إسرائيل، وحل الدولتين، كما ستعمل مع شركائها الإقليميين لردع العدوان الإيراني والتهديدات للسيادة والسلامة الإقليمية ومواجهة تنظيم القاعدة والشبكات الإرهابية ذات الصلة ومنع عودة داعش ومعالجة الأزمات الإنسانية ومضاعفة جهودها لحل النزاعات المسلحة المعقدة التي تهدد المنطقة، لذلك لن تعطي واشنطن شركائها في الشرق الأوسط شيكًا على بياض لمتابعة سياسات تتعارض مع المصالح والقيم الأمريكية، وفي سياق ذلك تعلن إدارة بايدن سحب دعم الولايات المتحدة للعمليات العسكرية الهجومية في اليمن ودعمها جهود الأمم المتحدة لإنهاء الحرب.
  • الجبهة الخامسة، بناء الشراكات في إفريقيا والاستثمار في المجتمع المدني وتعزيز الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية طويلة الأمد، وذلك من خلال مشاركة الاقتصادات الأفريقية الديناميكية وسريعة النمو، والعمل على إنهاء أكثر النزاعات دموية في القارة ومنع نشوب نزاعات جديدة، بالإضافة إلى إعادة تأكيد الالتزام بالتنمية والأمن الصحي والاستدامة البيئية والتقدم الديمقراطي وسيادة القانون.

(*) استعادة الدور القيادي للولايات المتحدة في المجتمع الدولي: ستتبنى الولايات المتحدة مرة أخرى التعاون الدولي نحو عالم أفضل وأكثر أمانًا ومرونة وازدهارًا، وذلك من خلال التحرك بسرعة لاستعادة مكانتها القيادية في المؤسسات الدولية، والانضمام إلى المجتمع الدولي لمواجهة عدة من القضايا، وهم:

  • قضية تغير المناخ، عادت واشنطن إلى اتفاقية باريس للمناخ إلى جانب تعيين مبعوث رئاسي خاص للمناخ هو جون كيري، وتعتبر تلك الخطوات الأولى نحو استعادة القيادة والعمل جنبًا إلى جنب مع الآخرين لمكافحة الخطر الحاد الذي تمثله قضية المناخ، بالإضافة إلى ذلك ستجعل أمريكا التحول في مجال الطاقة النظيفة ركيزة أساسية  للتعافي الاقتصادي في الداخل، مما يولد الرخاء المحلي والمصداقية الدولية كقائد لأجندة تغير المناخ العالمي، كذلك خلال الأشهر المقبلة ستسعي إلى رفع مستوى طموح جميع الدول من أجل خفض انبعاثات الكربون العالمية بسرعة، ومساعدة الشركاء في جميع أنحاء العالم على التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها وتقديم المساعدات الإنسانية والإنمائية للدول والمجتمعات المتضررة من الكوارث الطبيعية.
  • قضية الصحة العامة، من أجل مكافحة التهديد المستمر الذي يشكله وباء كوفيد-19 والأمراض المعدية الأخرى ، ستتولى أمريكا قيادة منظمة الصحة العالمية من خلال إصلاح المنظمة و تعزيز دورها  في مواجهة هذا الوباء والاستعداد للوباء التالي، وقد بدأت أولى الخطوات في ذلك بحشد استجابة دولية لـ COVID-19 بمساهمة أولية بقيمة 2 مليار دولار لـمبادرة كوفاكس إلى جانب التعهد بتقديم 2 مليار دولار إضافية في الأشهر والسنوات القادمة، و من خلال العمل جنبًا إلى جنب مع الأمم المتحدة ومجموعة السبع ومجموعة العشرين والاتحاد الأوروبي والمنظمات الإقليمية الأخرى، سيتم تنشيط وتوسيع مبادرات الصحة والأمن الصحي العالمية لجميع الدول للحد من مخاطر الكوارث البيولوجية في المستقبل.
  • قضية التنمية، من خلال وكالات التنمية وأدوات التمويل الخاصة الأمريكية، سوف يتم تقديم المساعدة الخارجية لتعزيز الاستقرار العالمي من خلال الاستثمار في الأمن الغذائي والمائي والزراعة المرنة، والوقاية من الأمراض وتحسين الصحة العامة والتغذية، بالإضافة إلى ضمان تعليم عالي الجودة ومنصف وفرص متساوية للأطفال والشباب، وتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة كجزء من التزام واشنطن الأوسع بالنمو الاقتصادي الشامل والتماسك الاجتماعي.
  • قضية الحد من الانتشار النووي، التصدي للتهديد الوجودي الذي تشكله الأسلحة النووية، وسيتم تجنب سباقات التسلح المكلفة وإعادة ترسيخ مصداقية الولايات المتحدة كقائد في الحد من التسلح، ولهذا تحركت أمريكا بسرعة لتمديد معاهدة ستارت الجديدة مع روسيا، كما ستنخرط الإدارة في حوار هادف مع روسيا والصين حول مجموعة من التطورات التكنولوجية العسكرية الناشئة التي تنطوي على الاستقرار الاستراتيجي، كذلك من خلال العمل مع الحلفاء والشركاء ، ستواصل واشنطن الدبلوماسية القائمة على المبادئ لمعالجة البرنامج النووي الإيراني وأنشطته الأخرى المزعزعة للاستقرار، و تقليل التهديد الذي تشكله البرامج النووية والصاروخية المتزايدة لكوريا الشمالية ، والوقوف جنبًا إلى جنب مع جمهورية كوريا واليابان.

(*) الاستخدام المسئول للأداة العسكرية: لن تتردد الولايات المتحدة في استخدام القوة عند الضرورة للدفاع عن مصالحها الوطنية الحيوية، كما ستضمن أن قواتها المسلحة مجهزة لردع خصومها والدفاع عن الشعب الأمريكي، لكن استخدام القوة العسكرية يجب أن يكون الملاذ الأخير وليس الأول، وفي سياق ذلك ستعمل إدارة بايدن على، ما يلي:

  • وضع ميزانية دفاع واضحة، من أجل مواجهة التحديات الاستراتيجية من الصين المتزايدة وروسيا المزعزعة للاستقرار، سيتم تقييم الهيكل والقدرات والحجم المناسب للقوة ، وبالعمل مع الكونجرس ، سيتم تحول التركيز من المنصات وأنظمة الأسلحة القديمة غير الضرورية إلى تحرير الموارد للاستثمارات في التقنيات والقدرات المتطورة التي ستحدد الميزة العسكرية والأمنية في المستقبل، كما سيتم المحافظ على كفاءة قوات العمليات الخاصة للتركيز على الاستجابة للأزمات ومهمات مكافحة الإرهاب، وإعطاء الأولوية للاستثمارات الدفاعية في المرونة المناخية والطاقة النظيفة.
  • إنهاء حروب أمريكا الأبدية، ستعمل إدارة بايدن على إنهاء الحرب الأمريكية في أفغانستان بشكل مسؤول مع ضمان ألا تصبح أفغانستان مرة أخرى ملاذًا آمنًا للهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة، بينما في الشرق الأوسط، ستقوم بتقليص حجم وجودها العسكري إلى المستوى المطلوب لتعطيل الشبكات الإرهابية الدولية وردع العدوان الإيراني وحماية المصالح الأمريكية الحيوية الأخرى.
  • تعزيز أداة الدبلوماسية، يجب أن تكون الدبلوماسية والتنمية وفن الحكم الاقتصادي الأدوات الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية، في مقابل استخدام القوة العسكرية فقط عندما تكون الأهداف والمهمة واضحة وقابلة للتحقيق وعندما تتطابق القوة مع الموارد المناسبة وتكون جزء من استراتيجية متكاملة متسقة مع قيم وقوانين الولايات المتحدة يوافق عليها الشعب الأمريكي.

(*) اتباع سياسة اقتصادية دولية تحقق الأمن الاقتصادي للشعب الأمريكي: يجب أن تخدم السياسة التجارية والاقتصادية الدولية جميع الأمريكيين، خاصة الطبقة الوسطى الأمريكية، وستعمل الإدارة على ما يلي:

  • إصلاح منظمة التجارة العالمية، التأكد من أن قواعد الاقتصاد الدولي لا تميل ضد الولايات المتحدة، وذلك من خلال العمل مع الحلفاء لإصلاح منظمة التجارة العالمية بحيث تعمل على دعم الوظائف الأمريكية والقيم التي يتم تشاركها مع الملايين حول العالم بما في ذلك حقوق العمل، وتكافؤ الفرص، والإشراف البيئي، إلى جانب تعزيز نظام تجاري دولي يعزز الانتقال العالمي إلى الطاقة النظيفة.
  • الدفاع عن العمال والشركات الصغيرة والمتوسطة، من خلال تعزيز سياسة اقتصادية دولية تضمن سياسة محلية تدعم العمال والشركات الصغيرة والبنية التحتية، وقدرة جميع الشركات الأمريكية على المنافسة بنجاح في الخارج، كذلك سيتم خلق فرص استثمارية للشركات الأمريكية في الدول النامية.

(*) إعادة البناء في الداخل: يعد الاقتصاد الوطني الديناميكي والشامل والمبتكر مع ازدهار السكان ميزة أمريكية حاسمة يجب تجديدها، ولذلك بدأت إدارة بايدن ذلك من خلال الاستجابة الحاسمة لازمات الصحة العامة والاقتصاد الناتجة عن وباء كوفيد-19، على النحو التالي:

  • استعادة الثقة مع الشعب الأمريكي، عن طريق شن حملة تطعيم آمنة وفعالة وشاملة، والتخفيف من انتشار المرض من خلال إجراء مزيد من الاختبارات وتوسيع القوى العاملة في مجال الصحة العامة، وإعادة فتح المدارس والشركات بأمان وتشجيع السفر الآمن، كذلك سيتم العمل مع الكونجرس لتوفير الإغاثة المستدامة للعمال والأسر والشركات الصغيرة والمجتمعات والبدء في القيام باستثمارات بعيدة المدى لخلق ملايين الوظائف الجديدة ذات الأجر الجيد في البنية التحتية والتصنيع والتكنولوجيا والرعاية الصحية.
  • استعادة قيادة الولايات المتحدة في مجال الصحة العالمية والأمن الصحي، عن طريق بناء الاستعداد الجماعي العالمي والقدرة على اكتشاف الأمراض المعدية والتهديدات البيولوجية واحتوائها بسرعة، إلى جانب ضمان أن سلاسل التوريد للأدوية والمعدات الطبية وغيرها من المواد الحيوية المطلوبة أثناء الأزمة لا تعتمد بشكل مفرط على الشبكات الخارجية المعرضة للاضطراب.
  • بناء مستقبل طاقة عادل ونظيف ومرن، من خلال زيادة الاستثمارات بشكل كبير في مجال البحث والتطوير والتطبيق التكنولوجي الذي من شأنه أن يدعم مستقبل دون انبعاثات كربونية، كذلك سيتم استخدام المشتريات الفيدرالية لتحفيز الطلب على التقنيات النظيفة الهامة مثل السيارات الكهربائية، إلى جانب دعم النمو المتسارع في نشر الطاقة المتجددة ، والاستثمار في البنية التحتية الصديقة للبيئة ، وبناء المرونة في مواجهة تغير المناخ ، وتحديث شبكة الطاقة، وتوفير القيادة الدولية المطلوبة لتشجيع البلدان في جميع أنحاء العالم على أن تحذو حذوها.
  • مضاعفة الاستثمار في العلوم والتكنولوجيا، بما في ذلك في البحث والتطوير، وتقنيات الحوسبة التأسيسية، والتصنيع المحلي الرائد، وتوسيع القوة العاملة في مجال العلوم والتكنولوجيا من خلال الاستثمار في تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، بالإضافة إلى بناء بنية تحتية رقمية للقرن الحادي والعشرين، تضمن الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة الشامل وشبكات الجيل الخامس الآمنة.
  • الأمن السيبراني أولوية قصوى، من خلال تشجيع التعاون بين القطاع الخاص والحكومة على جميع المستويات من أجل بناء بيئة آمنة على الإنترنت لجميع الأمريكيين، إلى جاني توسيع الاستثمارات في البنية التحتية وتوفير الفرص للأمريكيين من خلفيات متنوعة من أجل بناء قاعدة مواهب لا مثيل لها، بالإضافة إلى تجديد التزام واشنطن بالمشاركة الدولية في القضايا الإلكترونية، والعمل جنبًا إلى جنب مع الحلفاء والشركاء لدعم المعايير العالمية الحالية وتشكيل معايير عالمية جديدة في الفضاء الإلكتروني.
  • تنشيط الديمقراطية داخل أمريكيا و في انحاء العالم، تعد أمريكيا مثال على الديمقراطية والتنوع والمساواة، ولذلك ستعمل الإدارة على مكافحة قمع الناخبين والحرمان المؤسسي من حق التصويت، إعادة الالتزام بسيادة القانون الاحترام للفصل الدستوري بين السلطات واستقلال القضاء، وإعادة التأكيد على أهمية حرية التعبير، وحرية الصحافة، والحق في التظاهر السلمي، وغيرها من الحقوق والحريات المدنية الأساسية، وتعزيز المساواة العرقية من خلال اتخاذ إجراءات صارمة لمعالجة الهياكل والسياسات والممارسات التي تساهم في فجوة الثروة والتفاوتات الصحية، كذلك لابد من التصدي إلى التطرف العنيف المحلي من خلال مواءمة الموارد مع التهديدات المتطورة، والاستفادة من القدرات القوية في مجال إنفاذ القانون والاستخبارات ، فضلاً عن التعاون القوي وتبادل المعلومات المناسبة ، من أجل فهم ومعالجة النطاق الواسع للتطرف العنيف الذي تواجهه أمريكا، وأخيراً يجب ان تنضم واشنطن إلى حلفاء وشركاء متشابهين في التفكير لإعادة إحياء الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، والعمل جنبًا إلى جنب مع الديمقراطيات في جميع أنحاء العالم لردع العدوان من الأعداء ومكافحة التهديدات الجديدة التي تستهدف الديمقراطيات ، بدءًا من العدوان عبر الحدود والهجمات الإلكترونية والمعلومات المضللة والاستبداد الرقمي إلى البنية التحتية وإكراه الطاقة، ومحاربة الفساد الذي يتم تسليحه بشكل متزايد من قبل الدول الاستبدادية لتقويض المؤسسات الديمقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان والتصدى للتمييز والظلم والتهميش بجميع أشكاله.

(*) مواجهة السلوك الصيني: من خلال استعادة مصداقية الولايات المتحدة وإعادة تأكيد القيادة العالمية، ستعمل أمريكا جنبًا إلى جنب مع الآخرين لتشكيل معايير واتفاقيات عالمية جديدة تعزز مصالحها وتعكس قيمها، كالتالي:

  • تعزيز الدفاع مع الحلفاء والشركاء، والقيام باستثمارات دفاعية ذكية، سيتم ردع العدوان الصيني والتهديدات المضادة للأمن الجماعي ، كذلك سيتم مواجه الممارسات التجارية غير العادلة وغير المشروعة، والسرقة الإلكترونية ، والممارسات الاقتصادية القسرية التي تضر بالعمال الأمريكيين، كما سيتم دعم جيران الصين وشركائها التجاريين في الدفاع عن حقوقهم في اتخاذ خيارات سياسية مستقلة خالية من الإكراه أو التأثير الأجنبي غير المبرر، إلى جانب تعزيز التنمية ذات القيادة المحلية لمكافحة التلاعب بالأولويات المحلية، من خلال دعم تايوان ، التي تعد شريك اقتصادي وأمني مهم ، والدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية ، بما في ذلك في هونغ كونغ وشينجيانغ والتبت.
  • المنافسة الاستراتيجية لا تمنع العمل مع الصين، وفي سياق ذلك ترحب الادارة بالتعاون مع الحكومة الصينية في قضايا مثل تغير المناخ، والأمن الصحي العالمي، والحد من التسلح، وعدم الانتشار.

ما بين استراتيجية بايدن وترامب:

عكست وثيقة “التوجيه الاستراتيجي المؤقت لاستراتيجية الأمن القومي” بعض ملامح الاختلاف عن السياسة الخارجية التي سينتهجها بايدن عن سلفه دونالد ترامب، لكن من ناحية أخرى كان هناك نوعاً من الاستمرارية والتوافق حول بعض السياسات، وذلك على النحو التالي: –

  • ملامح الاختلاف: أكدت الوثيقة على أهمية الحلفاء والشركاء في إيجاد حلول جماعية ومشتركة للمشاكل العالمية التي تؤثر على الأمن الأمريكي، إلى جانب إعادة بناء القيادة الأمريكية في المؤسسات الدولية، كما يعتبر العودة إلى اتفاق باريس للمناخ، ورغبة إدارة بايدن إلى إعادة إشراك إيران في المحادثات النووية، بالإضافة إلى دعم هيئات الأمم المتحدة، إشارات أولى على أن الرئيس بايدن سوف ينتهج سياسة خارجية مختلفة عن سلفه ترامب الذي تراجعت خلال حقبته أهمية التحالفات الدولية، ودور الولايات المتحدة في المؤسسات الدولية بعد انسحاب واشنطن من منظمة الصحة العالمية، كذلك تعطي هذه الوثيقة على عكس سابقتها، وزناً أكبر للدبلوماسية كأداة مفضلة للعمل الأمريكي، وتسلط الضوء على أن الأوبئة وتغير المناخ أصبحت تهديدات وجودية متزايدة للولايات المتحدة، كما أكدت على أهمية أمريكا اللاتينية وأفريقيا ، دون إغفال الأهمية المستمرة لمنطقتي الهند والمحيط الهادئ والأوروبية الأطلسية والشرق الأوسط.
  • ملامح الاستمرارية: عكست هذه الوثيقة الاستمرارية، ليس فقط في تعريف المصالح الأساسية للولايات المتحدة مثل الدفاع عن الوطن الأمريكي ، أو منع الفراغات الأمنية أو صعود القوى العظمى وعودة ظهورها لتهديد الولايات المتحدة ، وتعزيز تدفق الموارد و البضائع إلى الولايات المتحدة ، وتأمين العلاقات التجارية الأمريكية، ولكن أيضًا في بعض الانتقادات التي فرضها دونالد ترامب ضد نهج الولايات المتحدة قبل عام 2016، على سبيل المثال ترفض الوثيقة صراحةً أي فكرة عن “استعادة” حالة ما قبل عام 2016، كما انها تلتزم بإنهاء ما يسمى بـ “الحروب الأبدية” في أماكن مثل أفغانستان، وتكرر التزامها بدور الولايات المتحدة في العالم بما في ذلك مناصرتها للتجارة العادلة مع الدول الأخرى بما يعزز مصالح العمال الأمريكيين وأسر الطبقة الوسطى، كذلك حافظت الوثيقة على بعض سياسات “منافسة القوى العظمى” التي ميزت حقبة ترامب من خلال الإشارة إلى  قوتين منافستين للولايات المتحدة هما روسيا والصين.

خلاصة القول، عكست وثيقة “التوجيه الاستراتيجي المؤقت لاستراتيجية الأمن القومي”، التي تحدد الخطوط العريضة لكيفية تعامل مؤسسات صنع القرار مع التحديات الخارجية التي تواجهها الولايات المتحدة، أبرز ملامح المشهد الأمني العالمي، والتي تطلبت رسم مسار مختلف لأولويات الأمن القومي الأمريكي يتضمن إحياء وتحديث تحالفات وشراكات واشنطن في جميع أنحاء العالم، و استعادة الدور القيادي للولايات المتحدة في المجتمع الدولي، بالإضافة إلى الاستخدام المسئول للأداة العسكرية في مقابل تعزيز الدبلوماسية، و اتباع سياسة اقتصادية دولية تحقق الأمن الاقتصادي للشعب الأمريكي وأخيراً إعادة بناء الداخل الأمريكي، لان ضمان تطبيق تلك الاستراتيجية سيسمح بالانتصار في المنافسة الاستراتيجية مع الصين أو أي دولة أخرى، كما اكدت الوثيقة على أن لكي تكون استراتيجية الأمن القومي فعالة ، من الضروري الاستثمار في القوى العاملة والمؤسسات الخاصة بالأمن القومي من خلال إعادة بناء رأس المال البشري لضمان وجود فريق قوي من الدبلوماسيين وخبراء التنمية وضباط المخابرات وأعضاء الخدمة وموظفي الخدمة المدنية متخصصين في الأمن القومي، إلى جانب الاستثمار في مجتمع الاستخبارات و تعزيز قدرته على تقديم التحليل والتحذير في الوقت المناسب اللازمين لإبلاغ صناع السياسات ، وتحديد الفرص ، ودرء التهديدات قبل أن تتحول إلى أزمات.

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى