قراءات مغلوطة: لماذا تتفاقم أزمة مخيمات عوائل داعش؟

في الثامن والعشرين من مارس الجاري قامت القوات السورية بحملة أمنية استهدفت مخيم الهول الواقع على الحدود السورية، وذلك إثر تنامى نشاط جماعة الحسبة التابعة لتنظيم داعش الإرهابى، وارتفاع أعداد القتلى داخل المخيم. فعلى الرغم من القضاء عسكرياً على دولة داعش، إلا أن فلول التنظيم ما زالوا موجودين، بالإضافة إلى الإرث الثقيل الذى تركه التنظيم، متمثل فى عوائله من نساء وأطفال، حيث باتت مخيمات عوائله تمثل أزمة يعانى منها المجتمع الدولى، خاصة وأنه خلف وراءه نساء وأطفال متشبعين إيديولوجياً بأفكار التكفير والعنف، ويحلمون بعودة دولة الخلافة.

 ووفقاً لما سبق، وبناءاً على ما عكسه تقرير مصور لقناة العربية من داخل مخيم الهول على الحدود السورية منذ أيام، وإظهاره أن هذا المخيم، وغيره يضم مجموعات من الإرهابين تربوا على الأفكار المتطرفة منذ نعومة أظافرهم- يبقى السؤال: هل سينجح المجتمع الدولى فى تأهيل النساء والأطفال المقيمين في هذه المخيمات قبل دمجهم فى مجتمعاتهم من جديد؟، وكيف تتعامل أوروبا مع عودة عوائل داعش؟، وما هي المنطلقات الفكرية التى أفرزت هذه العائلات؟، وما هي أسباب تمسك عوائل داعش بعد هزيمة التنظيم بالأفكار المتطرفة؟، وما هو سبب تخوف البعض من أطروحات الباحثين فى مجال الإصلاح الدينى؟.

جيل داعشي ناشئ:

وفقا لتقرير أصدره مرصد مكافحة الإرهاب، التابع لمؤسسة ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان، فإن أعداد عوائل داعش تقدر بحوالى 92 ألف من العراقيين والسوريين، بالإضافة إلى 13 ألف من جنسيات مختلفة، مما يجعلهم قنابل موقوتة تنفجر فى وجه المجتمع الدولى، إذا لم يتم التعامل مع هذه الأزمة بحذر، حيث كشف التقرير ذاته، أن النساء الداعشيات ينشئن أبنائهم على الفكر الجهادى المتطرف، إضافة إلى قيام النساء بالزواج من الأولاد بالمخيمات، بمجرد بلوغهم للحفاظ على النسل المتطرف، لصناعة جيل داعشى جديد يقاتل العالم مستقبلا.

ترتيباً على ما سبق، فهناك صعوبة تبدو بالغة تواجه المسئولين عن تنفيذ البرنامج التأهيلى، الذى أعدته منظمات أممية، فى ظل رفض كثيرات من نساء التنظيم الاستجابة له، حيث تسيطر على النساء الداعشيات مشاعر الغل والرغبة فى الانتقام لأزواجهن الدواعش الذين قُتلوا أو قابعين فى السجون، فضلا عن تشبع أفكارهن بالتطرف عن عقيدة راسخة.

معوقات حقوقية دولية:

تحظر القوانين الدولية سواء (قانون حقوق الإنسان أو القانون الدولى الإنسانى) الاحتجاز التعسفى، وتصف بعض المنظمات الحقوقية أن احتجاز عائلات من نساء وأطفال داعش، بأنه إعتقال تعسفى غير مبرر، حيث ما يحدث في تقديرهم يقيد حركتهم- أي النساء والأطفال، بما يشكل مخالفة لقواعد القانون الدولى الإنسانى. وبالتالي قد يؤدى موقف المنظمات المساند لعائلات الدواعش في المخيمات إلى اصطدام رؤيتهم مع الرؤية الأمنية. ففرض عقوبات جماعية ينتهك أتفاقية جنيف، الخاصة بحماية حقوق الإنسان الأساسية فى حالة الحرب، التي تهدف إلى جعل الحرب أكثر انسانية.

 فبموجب القانون الدولى لحقوق الإنسان، لا يجوز احتجاز الأطفال إلا كتدبير أخير ولأقصر فترة، فهل هذه القواعد تنطبق على عوائل داعش؟، وعلى ما سبق، هل المجتمع الدولى بحاجة إلى قوانين استثنائية فى ظل التعامل مع جيل من الإرهابين غير مسبوق فى القسوة والعنف، حيث ترتفع حوادث العنف والقتل داخل المخيمات بين الأطفال؟.

التعامل الأوروبى مع الأزمة:

رغم الضغوط الدولية لم تحسم الدول الأوروبية موقفها من عودة عائلات داعش من حاملي جنسياتهم، وسط تخوفات جادة من عودة هذه العناصر، ومواجهة صعبة تصل إلى حد الإستحالة فى إدماج بعض عائلات داعش فى المجتمع، خاصة من النساء. فالواقع يثبت أن الكثيرات من النساء غير نادمات، ويمثلون تهديداً أمنياً خطيراً.

وفى حالة محاكمتهم ووضعهم فى السجون لمده معينة-أي النساء، سيمثلن خطراً على المساجين فى قضايا أخرى. فمن المحتمل أن يحاولن التأثير عليهم وتجنيدهم. فضلا عن التخوفات من معاودة التخطيط لأعمال إرهابية أخرى، يقمن بتنفيذها بعد الخروج من السجن، فى ظل عدم نص القوانين فى الدول الأوربية على عقوبة الإعدام، التي تقتصر العقوبات فيها التى يحصل عليها مثل هذه العناصر العائدة على بضع سنوات، لذلك تفضل بعض الدول الأوربية إسقاط الجنسية عنهن، وبقائهن للمحاكمة فى الدول المتواجدين على حدودها.

فى حين تتبع أغلب الدول الأوربية إجراءات أخف، تجاه الأطفال المنتمين إلى عائلات داعش، حيث سمحت دول مثل ألمانيا وفرنسا وبلجيكا والسويد، بعودة الأطفال باعتبارهم ضحايا، على الرغم من بقاء التخوفات من خطورة هؤلاء الأطفال -الحاملين لأفكار والديهم- على الأمن فى بلادهم. والجدير بالذكر أن معظم الأطفال العائدين هم من الأيتام، وبالتالي يسهل على تلك الحكومات عملية إعادة تأهيلهم، التي قد تأخذ وقت طويل نسبياً.

منطلقات فكرية خطرة:

على الرغم من القضاء على دولة داعش عسكرياً، إلا أن الخطر لا يزال قائماً، خاصة وأن الإرث الذى تركه التنظيم، المتمثل في خلق جيل داعشى جديد، قد يتشبع فكرياً خلال سنوات قليلة، وبالتالي يعاود ممارسة أفكار سابقوه. فكل المؤشرات تشير إلى أن المعركة الحالية مع التنظيم تظل فكرية، إذ تعتمد المنظومة العقائدية للتنظيم (الذى يوصف بأنه الأكثر تشدداً ودموية فى تاريخ الجماعات التكفيرية) على تقديم الأدلة الشرعية لأتباعه، لتبرير أعمال القتل، والحرق، والتعذيب، والسبى، من خلال الاستدلال بالأراء الفقهية المعتمدة، أو من خلال النصوص التى تخص سياقها التاريخى. فهذه المنطلقات الفكرية الموروثة جعلت المنتمين لهذا الفكر، يهاجرون بلادهم باحثين عن حلم الخلافة فى دار الإسلام مستهدفين دول مسقط نشأت التنظيم، العراق أو سوريا، وقد وقع الاختيار علي تلك الدولتين، لإنطلاق دولة الخلافة بهما لأسباب تاريخية وعقدية وفقا لتصوراتهم.

تأصيلا لما سبق؛ يعتمد تنظيم داعش وغير من التنظيمات التي تنسب نفسها للإسلام على بعض الأحكام الفقهية، التى ينطلق منها كل دعاة التطرف، والتي قد يكون مصدرها بعض كتب التراث الفقهى، خاصة فيما يتعلق بوجوب إقامة الخلافة، وكل ما يتعلق بها من بيعة وقتال ومعاملة الأسرى والتعامل من الأخر. وعلى الرغم من الجهود المبذولة من الموسسة الدينية للرد وتفنيد افكار المتطرفين، إلا أن “داعش” والجماعات التى تنتمى إلى هذا الفكر ثابتين عليه، ويفرخون جيل جديد ينهل من نفس النبع.

تخوفات مشروعة ومواجهة واجبة:

نتيجة إلى ما تقدم؛ تقوم بعض الدول الإسلامية على رأسها المملكة العربية السعودية، بإجراءات إصلاحية ثورية، فقد أمر الملك سلمان، بإنشاء هيئة للتدقيق فى استخدامات الأحاديث النبوية، وتنقيح النصوص الكاذبة والمتطرفة، والتى تتعارض مع التعاليم السمحة للإسلام ويتكأ عليها المتطرفين لتبرير العنف، هذه الهيئة تضم كبار العلماء فى المملكة، تعمل على توضيح ورصد الأحاديث الباطلة والمنكرة والضعيفة، وتقوم السعودية بمكافحة منابع الفكر المتطرف، كما تعمل المملكة على مشروع إصلاحى شامل رغم اعتراضات وتخوفات البعض.

يأتى هذا الإصلاح بعد جدل يثار منذ عقود، حول ضرورى القيام بمراجعات شاملة للتراث الفقهى، الذى يعتبره البعض تراثا بشرياً قابل للمراجعة، فضلا على أنه ابن زمانه وبيئته. وعلى الجانب الآخر يرفض الكثير من رجال الدين أى اجتهاد معارض، ويتخوفون من مجرد عرض أفكار أو تأويلات مختلفة، حتى وإن كانت من أشخاص تابعين للمؤسسات الدينية المعتبرة، فسبغوا بذلك بعض الأراء الفقهية بطابع القداسة المطلقة، مما يقف حجر عثرة أمام مجابهة الفكر المتطرف، بل ووضع الكثير من المفكرين فى مربع اتهامات الكفر والزندقة على مر العصور، بداية من الحلاج ومحمد محمود طة مروراً بالإمام محمد عبده وعلى عبد الرازق وعبد المتعال الصعيدى وطه حسين، وصولاً إلى نصر حامد أبو زيد وفرج فودة.

أخيراً؛ ربما تكون التخوفات التى يحملها بعض رجال الدين مشروعة، فبعضهم يتخوف من احتمال عدم استيعاب بعض العامة لمقتضيات الإصلاح وحدوده، وهنا يقع على كاهل رجال الدين التوضيح والتفصيل لهذه الحدود، فاحتمالية أن يفتن البعض فى دينه مستبعدة، فالعوام مقلدين تابعين للعوالم المجتهدين الثقات.

على الجانب الآخر، يجنح بعض من ينتمون إلى الفكر الإصلاحى إلى الشتت فيقولون بهجر السنة النبوية بالكلية، والاعتماد على النص القرآنى، والقطيعة المعرفية مع التراث الفقهى، وهذا يعد استسهال وتفريط غير مقبول. فالمراجعة والتنقيح لا تعنى بتر جذور ما وصل من السلف،( فالكثير منه نافع والقليل غث)، فالتيار الإصلاحى المعتدل يدعوا إلى التمسك بالسنة النبوية الصحيحة، والتمييز بين الأقوال الفقهية المعتدلة والمتوافقة مع الهدى القرآنى وترك ما يخالفه، والبناء عليه بما يجابه الأفكار المتطرفة، ويفكك الاتجاهات الرديكالية، قال تعالى” فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض كذلك يضرب الله الأمثال”.

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في الشريعة الاسلامية . - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - كاتبة في العديد في الصحف والمواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى