” إيفر جيفن”.. انعكاسات إيجابية أظهرت أهمية مشروع قناة السويس الجديدة رغم تداعيات اقتصادية

على الرغم من الآثار الاقتصادية السلبية لواقعة السفينة ” إيفر جيفن” في قناة السويس، التي تمثل خسارة يومية عالمية وفقا لبعض التقديرات إلى ما يقرب من 9 مليارات دولار في اليوم الواحد، فإن تلك الواقعة عبرت في الوقت ذاته عن أهمية موقع مصر الاستراتيجي، ومشروع قناة السويس الجديدة الذي تم إنهائه خلال عام بعد تولى الرئيس عبد الفتاح الرئاسة المصرية.

 فقد كان خبر جنوح تلك السفينة العملاقة، بمثابة الخبر الأبرز في جميع وسائل الإعلام العالمية، بل لا نكون مغاليين إن قلنا أن العالم قد أصابه هوس بسبب تعطل حركة الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي العالمي، لدرجة أنه مازال يحبس أنفاسه حتى كتابة هذه السطور. كما أن رسائل بعض دول العالم التي نادت بالمساعدة في حل أزمة السفينة لإنقاذ تجارتها التي تأثرت بشدة من جراء التوقف الملاحي لبضع ساعات، والتي رفضتها الدولة المصرية- تعتبر كاشفة لأهمية مصر كدولة تمثل حلقة الاتصال الأهم بين شرق العالم وغربه، وكيف أنها تملك أدوات قوية تستطيع من خلالها التأثير علي مجريات الأحداث سواء الاقتصادية أو العسكرية، وخصوصاً في المناطق الساخنة من هذا العالم، وأماكن تمركز ثرواته.

انعكاسات واضحة:

رغم التأثيرات السلبية لواقعة السفينة ” إيفر جيفن” على الدخل الاقتصادي لقناة السويس خلال فترة التوقف، فإن هناك مجموعة من الانعكاسات الإيجابية التي كشفت عنها تلك الواقعة، وذلك على المستويين الداخلي والخارجي:

(*) المستوى الداخلي: فقد أثبت الحادث، صحة وبعد نظر الرؤية المستقبلية للقناة التي تبناها رئيس الدولة المصرية، الرئيس عبد الفتاح السيسي، والمتمثلة في ضرورة تحديث هذا الممر ليواكب الحركة المتسارعة للنظامين التجاري العالمي والأمني. وهنا تجدر الإشارة إلى أن قيام الدولة المصرية منذ عدة سنوات بشق قناة جديدة بالتوازي مع القناة القديمة التي بلغ طولها 193 ك م، كان إدراك مسبق لمثل هذه الأزمات المفاجأة، واستيعاب العدد المتزايد من حركة السفن العالمية والتطور الحادث في صناعتها من حيث الأحجام والقدرة على حمل الأوزان.

وقد أتمت الخطة الرئاسية عملية ازدواج القناة بطول 72 ك م، تبدأ من الكيلو 60 وحتى الكيلو 95، بالإضافة إلي عملية توسيع وتعميق البحيرات الكبري والبلاح بطول 37 كيلو. وهنا نشير إلى أن القناة القديمة كانت تستوعب قبل عملية التكريك الأخيرة وازدواج المسافات الضيقة من 30 إلى 40 سفينة، في حين بلغ معدل العبور بها في الفترة السابقة للحادث مباشرة معدل العبور متوسط 72 سفينة في اليوم، وهو معدل مبهر ويظهر مدي تأثير ما حدث من تطوير جزئي فيها وانعكاسه علي الحركة الملاحية بالقناة.

هذا بالإضافة، إلى أن تطوير القناة جعلها تستوعب 61% من حمولات ناقلات النفط  العملاقة، حيث تبلغ أقصي حمولة للقناة 240 ألف طن، رغم أنه مازالت بعض الناقلات الحديثة التي تزيد حمولتها عن هذه القدرة لا تستطيع العبور منها, وان كانت القناة الحالية في المسافات التي لم يتم اذدواجها تتسع لتلك السفن حيث يبلغ اتساعها أكثر من 250 متراً  وبغاطس أكثر من 26 متراً، وهو ما يؤكد أن الرؤية المستقبلية لقناة السويس الجديدة باتت ضرورة ملحة  طفت علي السطح مع هذا الحادث.

(*) المستوى الخارجي: فقد كان لهذه الواقعة انعكاساتها الهامة علي المستوي الدولي سواء من الناحية الاقتصادية أو من الناحية الاستراتيجية، وذلك على التالي :-

(&) الناحية الاقتصادية، فقد أدي تعطل المرور الملاحي بالقناة بعد مرور بضع ساعات من الواقعة إلي زيادة في أسعار النفط إلي أكثر من 5%، وهذا ما استتبعه تزايد نشاط السوق السوداء في العالم، خاصة أن هذا المعبر يمر عبره أكثر من 12% من احتياجات العالم النفطية، وأكثر من 25% من نفط الخليج، وجنوب شرق آسيا. وحسب صور الأقمار الصناعية جنوبا حتي سواحل الهند وشمالا حتي جبل طارق علي سواحل اسبانيا، فقد أدي هذا العطل إلي اصطفاف السفن العابرة، وهو ما أصاب أوروبا بحالة من الفزع، خاصة وأنه تعتمد بنسبة كبيرة علي وارداتها من النفط والغاز من عبر هذا الممر الهام. كما يمر من هذا المعبر حوالي 10% من حجم تجارة العالم، و22% تجارة الحاويات، فخلال العام المنتهي مر عبر القناة ما يزيد عن 18830 سفينة بحمولة تتجاوز 1.7 مليار طن. فكل ما سبق من أرقام ترتبط بقناة السويس تم ذكرها في السطور السابقة – تظهر بوضوح أهمية هذا الممر الملاحي بالنسبة للتجارة العالمية, وهو ما يؤكد أن تعطل هذا الممر عن العمل، يمثل خسارة اقتصادية للعالم تبلغ معدلها اليومي 9 مليارات دولار تقريباً بخلاف الزيادة في أسعار النقل عالمياً، وهو ما يُرتب عليه ارتفاع عام في أسعار المنتجات، وندرة بعضها.

(&) الناحية الاستراتيجية: فقد تسببت واقعة السفينة المذكورة سابقاً في أن تكون  قناة السويس وتاريخها، وما طرأ عليها من تطوير حديث لسان العالم. بل أبرزت هذه الواقعة أهمية موقع مصر الاستراتيجي، وأهمية تأثيره علي معطيات الأمن العالمي في كافة صوره الاقتصادية والعسكرية. وهو ما يشير إلى أن  موقع مصر الاستراتيجي كفيل بأن يغير ويؤثر في مستوى معادلات القوي، ومجريات الأحداث في أغلب مناطق العالم خاصة الساخنة منه.

وبالتالي، رغم  حديث البعض عن ضرورة إيجاد بديل لقناة السويس، فإن هذا الأمر يصطدم بحقيقة ثابتة، وهي عدم وجود موقع جغرافي يماثل موقع مصر بتوسطها قارات العالم، ووقوعها علي طريق مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك في العالم، بالإضافة إلى قربها من مناطق إنتاج المواد الخام، ومن ثم مناطق الصراع والتكالب الدولي، وهو أيضا ما يجعل جمهورية مصر العربية بمثابة الدولة  المحورية الأولى في العالم، ورقماً يصعب تجاوزه في أي معادلة  أو صيغ أمنية في الشرق الأوسط وفي استراتيجيات القوي العالمية التي تتعلق مصالحها بالشطر الجنوبي من العالم.

في النهاية، يمكن القول إن واقعة السفينة ” إيفر جيفن”  رغم انعكاساتها السلبية على الاقتصاد العالمي، خاصة البترولي منه، فإنها في الوقت نفسه تحمل رسالة هامة وقوية إلي الذين يشككون في قيمة وقدرات الدولة المصرية، وأهميتها عالمياً، وما لديها من أدوات مؤثرة. كما أنه يمكن القول إن حادثة السفينة كانت بمثابة صدمة كهربائية لتنشيط عقل وإرادة الفاعلين الدوليين للتعامل مع مهددات الأمن بالمنطقة.

د. عبد الناصر مأمون

المشرف على وحدة الأمن الإقليمي -حاصل على دكتوراه العلاقات الدولية كلية الدراسات الأفريقية العليا. -حاصل على ماجستير العلوم السياسية جامعة القاهرة. -باحث مشارك المؤتمر الدولى حول تحقيق التنمية المستدامة في أفريقيا. -باحث مشارك في المؤتمر العلمي الدولي بجامعة القاهرة حول الأمن في أفريقيا. -محلل زائر في الشأن الأفريقي لدى العديد من القنوات الفضائية.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى