تقاربات متسارعة: كيف تتجه العلاقات المصرية الصومالية بعد مؤشرات التجاوب بين “القاهرة” و”أنقرة”؟

في ظل عملية الفك والتركيب التي أضحت تمثل السمة البارزة التي تصطبغ بها العلاقات والتحالفات في منطقة القرن الإفريقي، فإن ثمة مؤشرات واضحة حول تقارب متسارع في العلاقات المصرية الصومالية، خاصة بعد فترة من السكون في علاقة الدولتين، والتي كان سببها، وفقاً لبعض المراقبين، يتمثل في التواجد التركي في تلك المنطقة، بالإضافة إلى الموقف الصومالي غير الواضح في السابق من أزمة سد النهضة.

وفي الجهود الإيجابية المكثفة من قبل الدولة المصرية في منطقة القرن الإفريقي- خاصةً في الصومال- بإعتبارها جزء من مجالها الحيوي، والذي يؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي المصري، يبقى السؤال، هو: ما هي أهم ملامح الدور المصري الداعم للاستقرار في الصومال، وما هي انعكاسات ذلك على العلاقات المصرية الصومالية خلال الفترة المقبلة؟.

تحركات واضحة:

أستقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، في الثامن من مارس الجاري، السفير الصومالي الجديد في القاهرة “إلياس شيخ عمر”، وقد أكد الأخير بعد لقائه بالرئيس السيسي على اتجاه مقديشيو لتعزيز التقارب والتعاون مع القاهرة، والعمل في مختلف المجالات من خلال تفعيل مذكرات التفاهم الموقعة بين البلدين في عامي 2015 و2019 في مجالات الصحة والتعليم والزراعة والثروة الحيوانية والثروة السمكية والتجارة.

من ناحية أخرى، استقبل وزير الخارجية سامح شكري، في 23 مارس الجاري، وزير الشئون الخارجية الصومالي “محمد عبد الرازق” ووزير الدولة لشئون الرئاسة الصومالية “حسن خليف”، حيث تم بحث التطورات التي تشهدها الدولة الصومالية في ظل الأزمة الحادة التي تفاقمت بين حكومة الرئيس “محمد عبد الله فيرماجو” (المنتهية ولايته) والمعارضة الصومالية، حيث دعت القاهرة الأطراف الصومالية كافة إلى الحوار من أجل العمل على عقد انتخابات حرة ونزيهة، والحيلولة دون إنزلاق البلاد في صراعات داخلية ربما تتحول إلى حرب أهلية(1).

كما عقد وزير الشئون الخارجية الصومالي لقاء بـ “أحمد أبو الغيط”” الأمين العام لجامعة الدول العربية، حيث تم بحث التطورات على الساحة الصومالية، وقد أكد “أبو الغيط” على التزام الجامعة بمواصلة جهودها لدعم الأمن والاستقرار في الصومال، ومكافحة تهديد حركة الشباب الإرهابية، بما في ذلك معالجة ديون الصومال العربية والخارجية، وقد عكست هذه التطورات عن بوادر تغيير في الموقف الصومال، وتقاربات عربية صومالية خلال الفترة المقبلة، بما في ذلك تعزيز للتعاون بين القاهرة ومقديشيو في العديد من المجالات.

وربما يعزز هذا الطرح اللقاء الذي جمع وزير الشئون الخارجية الصومالي بشيخ الأزهر، فقد أكد الإمام “أحمد الطيب” على حرص الأزهر على تقديم كل الدعم لدولة الصومال، وهو ما جسده الاتفاق الأخير الذي أبرمته الصومال مع وزارة الأوقاف المصرية لتدريب وتأهيل الأئمة الصوماليين من قبل مؤسسة الأزهر، وذلك لرفع كفائتهم وتأهيلهم لنشر الفكر الوسطي في الصومال ومواجهة التطرف. كما أشار شيخ الأزهر إلى أن الأزهر فتح أبوابه مؤخرا أمام الطلاب الوافدين للانضمام للكليات العملية كالطب والهندسة وغيرها (تستقبل جامعة الأزهر نحو 873 طالبا صوماليا سنوياً).

من ناحية أخرى، أحتفلت وزارة التربية والتعليم المصرية بعودة بعثاتها إلى الصومال، وذلك في نهاية يناير 2021، حيث تم إعادة فتح عدة مدارس في الصومال، وذلك بعدما كانت مقديشيو قد ألغت بروتوكول التعاون التعليمي بين مصر والصومال في أبريل 2020، وهو ما يحمل مؤشرات أخرى على تعزيز العلاقات بين البلدين في الوقت الراهن.

دعم مصري في مكافحة الإرهاب:

وفعلياً، هناك دعم واضح ومستمر من قبل الدولة المصرية لجهود الصومال في مكافحة الجماعات الإرهابية التي تهدد أمن واستقرار منطقة القرن الإفريقي، وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أصدرت بياناً في مطلع شهر مارس الجاري، أعربت خلاله عن إدانة مصر للتفجير الإنتحاري الذي شهدته العاصمة الصومالية مقديشيو، والذي أستهدف مطعماً شعبياً، مما أدى إلى مقتل وإصابة أكثر من 50 شخصاً.

وتسعى مصر إلى تقديم كافة اشكال الدعم للدولة الصومالية، وذلك في إطار جهود الدولة المصرية لحماية الأمن القومي العربي من التدخلات الخارجية. كما أن نقل الخبرات المصرية في مجال مكافحة الإرهاب إلى دول القارة الإفريقية بات يمثل ركيزة أساسية من ركائز السياسة الخارجية المصرية في الوقت الراهن، وهو ما يتجسد بوضوح في اتفاقيات التعاون العسكري التي وقعتها مصر مع السودان، وكذا اتفاقيات التعاون الاسترايجي والأمني الموقعة مع جنوب إفريقيا، فضلاً عن طلبات عدة دول من منطقة الساحل والصحراء لدعم مصر في مواجهة الجماعات الإرهابية المستشرية في هذه المنطقة.

الصومال وملف سد النهضة:

نشر موقع المونتور Al-Monitor الأمريكي تقريراً حول أهمية الصومال بالنسبة لمصر، حيث أشار التقرير إلى أن هناك جهود حثيثة تقوم بها الدولة المصرية لتوطيد العلاقات بالصومال، وذلك نظراً للدور الهام الذي تلعبه الأخيرة في أزمة سد النهضة من ناحية، ومواجهة النفوذ التركي المتصاعد في القرن الإفريقي من ناحية أخرى(2).

ففي إطار الاستراتيجية المصرية الراهنة التي تستهدف دعم الدول الإفريقية في مواجهة الجماعات الإرهابية، تمثل الصومال أهمية خاصة بالنسبة لمصر، حيث تطل مقديشيو على الحدود الإثيوبية، ومن ثم فوفقاً لتقرير المونيتور، يشكل تعزيز الحضور المصري في الصومال، عبر نقل خبراتها في مجال مكافحة الإرهاب، فضلاً عن توطيد مجالات التعاون الاقتصادي بين البلدين، إلى تحجيم للنفوذ الإثيوبي المتنامي، ومواجهة قوية لأجندة أديس أبابا الرامية إلى الهيمنة على منطقة القرن الإفريقي، والإضرار بمصالح بقية دول المنطقة.

لذا، فقد عمدت الدولة المصرية إلى تعزيز علاقاتها بدول القرن الإفريقي، عبر شبكات علاقات واسعة باتت تحظى بها القاهرة في علاقاتها بالسودان وجنوب السودان وكينيا وإريتريا. ومن ثم يمكن لمصر بذلك ضمان دعم دول المنطقة في أي موقف ضد التعنت الإثيوبي بشأن ملف سد النهضة، وذلك عبر منصة الجامعة العربية والإتحاد الإفريقي، حال أصرت أديس أبابا على الملء الثاني دون إتفاق مع مصر والسودان، وذلك على عكس الموقف السابق للصومال – وجيبوتي- عندما تحفظت على قرار الجامعة العربية الذي أدان موقف إثيوبيا في ملف السد.

أيضاً، يشير تقرير المونيتور إلى أنه حتى في حال تعثر أي محاولة من قبل المنظمات الإقليمية في ردع الموقف الإثيوبي، تبقى التحركات المصرية لتعزيز علاقاتها بدول القرن الإفريقي – ومنها الصومال- ورقة قوية تدعم موقف مصر، وذلك عبر الحصول على دعم حقيقي من جيران إثيوبيا للموقف المصري والسوداني، وهو ما قد يفرز ضغوطات اقتصادية وتجارية كبيرة على أديس أبابا، خاصةً في ظل اعتماد الأخيرة على الموانئ الصومالية أو الإرترية في حركة تجارتها الخارجية. كذلك، ففي حال توقف دول الجوار الإثيوبي في منطقة القرن الإفريقي عن استيراد الكهرباء من إثيوبيا، فإن ذلك من شأنه أن يضغط بقوة على إثيوبيا، حيث أنه سيفقد السد الإثيوبي الكثير من أرباحه المتوقعة، وربما يعزز من هذا الطرح، التحركات المصرية الحثيثة لدعم دول القرن الإفريقي بالطاقة الكهربائية، عبر بناء محطات كهرباء في الصومال وإريتريا وجنوب السودان، بعدما باتت مصر تمثل مركزاً إقليمياً للطاقة، والتي تحققت عبر المشروعات الكبرى التي نفذتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة والتي حولتها من حالة العجز إلى الفائض(3).

مؤتمر تشاوري:

 شهدت الصومال خلال الأيام الأخيرة انعقاد المؤتمر التشاوري الذي دعا إليه الرئيس “عبد الله فيرماجو” لبحث النقاط الخلافية، وتعد هذه الدعوة هي الخامسة من نوعها التي يطلقها الرئيس الصومالي منذ نهاية ولايته، وقد جاءت الدعوة الأخيرة كرد فعل لبيان وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” والذي طالب فيه الحكومة الفدرالية ورؤساء الأقاليم في الصومال إلى إجراء انتخابات نزيهة وشاملة في أسرع وقت.

لكن على غرار المؤتمرات التشاورية السابقة، لم ينجح المؤتمر الأخير من إحراز أي تقدم، خاصةً بعدما رفضت قوى المعارضة حضوره، لاتهامها للحكومة المركزية بعدم الإلتزام بتعهداتها، وهو ما دفع الإتحاد الأوروبي إلى إصدار بيان يطالب فيه الأطراف الصومالية بضرورة إجراء إقتراع فوري وتسليم سلمي للسلطة في ضوء اتفاق 17 سبتمبر 2020.

كما هدد بيان الإتحاد الإوروبي كافة الأطراف الصومالية بإجراءات عقابية لكل من يقوض الحوار أو يلجأ إلى العنف. كذلك أشارت السفيرة البريطانية في الصومال إلى تمسك الشركاء الدوليين باجراء انتخابات فورية في الصومال، مع التأكيد على رفض أي انتخابات جزئية، وهو ما أكد عليه أيضا البيان الصادر عن الإتحاد الإفريقي.

وتجدر الإشارة إلى أن البيان الذي كان قد سبق انطلاق جولات المؤتمر التشاوري، والذي وقعت عليه مصر والاتحادين الأوروبي والإفريقي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة إيجاد، والأمم المتحدة، والولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، وعدة دول أوروبية وإفريقية- طالب القوى الصومالية بحلحلة الملفات الخلافية، والمضي قدما في الانتخابات الرئاسية دون تأخير. كما أشار هذا البيان إلى أن المجتمع الدولي لن يدعم أي عملية انتخابات جزئية أو موازية، في رسالة إلى الرئيس الصومالي، الذي كان يسعى إلى إجراء الانتخابات فقط في الولايات التي يضمن ولائها له. وبالتالي، يمكن القول إن ثمة موقف مصري يتماشي مع الإتجاه الدولي والإممي الدافع نحو حلحلة القضايا الخلافية بين الأطراف الصومالية، والدفع نحو اجراء انتخابات نزيهة في أسرع وقت.

ماذا بعد؟

على الرغم من أن الوضع السياسي في الصومال لا يزال يخيم عليه حالة من الغموض، في ظل استمرارية الأزمة الدستورية الراهنة، والخلاف القائم بين القوى الصومالية المختلفة، وتزداد الأوضاع تفاقماً في ظل النشاط الملحوظ لحركة الشباب الإرهابية خلال الأشهر الأخيرة، مستغلة حالة السيولة الأمنية والصراع الداخلي- فإنه يبدو أن ثمة توجهات دولية باتت تدفع نحو الضغط على الأطراف الصومالية كافة من أجل الإسراع في إجراء انتخابات نزيهة وشاملة، بحث لا تقتصر على بعض الولايات فقط، وهو السيناريو الذي ربما يفرز – حال حدوثه- إلى خسارة الرئيس الصومالي الحالي.

من ناحية أخرى، تعكس المؤشرات الراهنة تغييرات نسبية في الموقف الصومالي، في ظل التحركات المصرية المكثفة لتعزيز التعاون بين القاهرة ومقديشيو في كافة المجالات، ودعم الدولة الصومالية في مواجهة التحديات المتفاقة التي تواجهها. كذلك يمكن أن يعزى هذا التغيير في الموقف الصومالي إلى التطورات التي طرأت على سياسة تركيا في الفترة الأخيرة، ومحاولة أنقرة إلى التقارب مع مصر، ومن ثم يرجح أن تشهد العلاقات المصرية- الصومالية مزيداً من التقارب والتعاون في الفترة المقبلة، وهو ما سيعزز من الحضور المصري في منطقة القرن الإفريقي، ويدعم الاستراتيجية المصرية الراهنة والتي تستهدف توطيد علاقاتها بدول القارة الإفريقية في كافة المجالات.

المراجع

  1. Is Egypt working to counter the Turkish influence in Somalia, Ahual, 23 March, 2021.
  2. Liban Obsiye, Somalia’s disputed polls is an important lesson in its democratic journey, The Africa Report, 22 March 2021.
  3. Why Somalia is important for Egypt in Nile dam crisis, Al- Monitor, March 15, 2021.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى