إطار ملزم: هل تنجح اتفاقية “رامسار” للأراضى الرطبة في إيقاف بناء سد النهضة؟

د. محمد فؤاد رشوان

مع الرفض الإثيوبي للمقترح المقدم من قبل كل من مصر والسودان بشأن الوساطة الرباعية والمكونة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبى فضلاً عن الوساطة الأفريقية المتمثلة فى الاتحاد الأفريقي برئاسة جمهورية الكونغو الديمقراطيةفإن الأمر بات يتطلب محاولة الاستفادة من مضمون اتفاقية “رامسار” للأراضى الرطبة في إيقاف بناء سد النهضة، بالإضافة إلى ضرورة ممارسة المزيد من الضغوط على النظام الإثيوبي للموافقة على الوساطة الرباعية، والمضي قدمًا دون تعنت نحو الوصول إلى اتفاق مرضى وملزم لجميع الأطراف، بما يضمن الاستخدام المنصف والعادل لدولة المنبع ودولتي المصب، خاصة وأن استكمال عملية ملء السد سيكون له العديد من المخاطر والآثار البيئية والاقتصادية والسياسية على كل من مصر والسودان.

لقد أظهرت دراسات كثيرة العديد من الآثار السلبية الخطيرة على كل من مصر والسودان. فقد يؤدى الملء الثاني إلى تضرر الحياة لأكثر من مليون شخص وفقا لدراسات وزارة الرى المصرية، بالإضافة إلى أضرار أخرى عديدة .[i] أما على  الجانب السودانى فإن السد سيكون له العديد من الآثار السلبية على كافة المستويات البيئية والاجتماعية والاقتصادية منها توقف توليد الكهرباء فى كل من خزان سنار وسد الروصيرص. فبسبب الملء الأول للسد خرجت العديد من محطات توليد الكهرباء من الخدمة بسبب الملء المفاجئ يوليو الماضي، فضلاً عن تدمير كافة السدود السودانية حال انهيار السد وتدمير لكافة الأراضى السودانية، وهو ما يخالف الاتفاقيات الدولية المعنية بحماية مصبات الأنهار ومجارى الأنهار والأراضي الرطبة، التى تحميها اتفاقية رامسار Ramsar للأراضي الرطبة .[ii]

اتفاقية رامسار ومهمتها:

تعتبر اتفاقية رامسار (Ramsar Convention) للأرضي الرطبة أقدم اتفاقية عالمية في مجال البيئة، وهي بمثابة إطار للتعاون الدولي للحفاظ والاستعمال العقلاني للأراضي الرطبة ومصادرها، ووضعت في عام 1971 بمدينة رامسار الإيرانية، ودخلت حيز التنفيذ في عام 1975. وتهدف ” رامسار” إلى تشجيع المحافظة والاستعمال العقلاني للأراضي الرطبة عن طريق إجراءات يتم اتخاذها على المستوى الوطني من أجل الوصول إلى التنمية المستدامة في كل العالم. وتهتم الاتفاقية بتسجيل الأراضي الرطبة في كل أنحاء العالم لإدراجها ضمن قائمة للأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية، وتوصيف هذه الأراضي توصيفا دقيقًا، وكذلك ترسيمها على الخرائط، وتكتسب مواقع رامسار مكانة دولية جديدة باعتبارها مواقع ذات قيمة كبيرة ليس فقط للبلدان التى توجد فيها ولكن للإنسانية ككل .[iii]

ويوجد حاليًا أكثر من 2400 موقع محمى وفقًا لاتفاقية رامسار حول العالم وهى تغطى أكثر من 2.5 مليون كيلو متر مربع. ويمثل إدارج الأراضى الرطبة فى القائمة التزام الحكومات باتخاذ الخطوات اللازمة لضمان الحفاظ على طابعها البيئى، كما تتضمن الاتفاقية تدابير مختلفة للاستجابة للتهديدات التى يتعرض لها المواقع التى تدخل ضمن نطاقها.[iv] وتتمثل مهمة الاتفاقية في الحفظ والاستعمال الحكيم لجميع الأراضي الرطبة من خلال الإجراءات المحلية والوطنية والتعاون الدولي، وذلك للمساهمة فى تحقيق التنمية المستدامة في جميع أنحاء العالم.

وقد اعتمدت الاتفاقية تعريفًا واسعًا للأراضي الرطبة يشمل جميع البحيرات والأنهار، المياه الجوفية، البرك والمستنقعات، الأراضي العشبية الرطبة، أراضي الخث والواحات، مصبات الأنهار، الدلتا ومسطحات المد والجزر، غابات المانجروف وغيرها من المناطق الساحلية، الشعاب المرجانية وجميع المواقع الاصطناعية مثل أحواض السمك وحقول الأرز والخزانات والمستنقعات المالحة.[v]

وتنص المادة الخامسة من اتفاقية رامسار على ضرورة التشاور بين الاطراف المتعاقدة فى حالة وجود الأراضى الرطبة التى تمتد على أراضى أكثر من دولة أو حيث توجد مياه مشتركة بين أكثر من دولة، وهو ما يلزم الأطراف بالسعى للتنسيق ودعم السياسات واللوائح المتعلقة بالحفاظ على الأراضي الرطبة، وما تحتوى عليها من نباتات وطيور وحيوانات ويمكن التنسيق الدائم من خلال المنظمات ذات الصلة المشتركة فى معاهدات المياه الدولية والتى تكون الدول الاطراف طرفًا فيها والتشاور معها لتحقيق أهداف اتفاقية رامسار .[vi]

أفريقيا وإدراج الأراضى الرطبة ضمن “رامسار”:

شهدت أفريقيا استخدام اتفاقية رامسار للأراضى الرطبة للحيلوية دون إقامة أحد مشروعات المياه فى ناميبيا، وذلك خلال النزاع بين كل من بوتسوانا وناميبيا حول نهر أوكافنجو، والذي ويقع الجزء الأكبر من حوض النهر في أنجولا (51,7%) يليه ناميبيا (33%) وبوتسوانا (15,3%)، ويعيش حول دلتا أوكافنجو قرابة 122000 نسمة يعتمد 90% منهم بشكل مباشر على مياه نهر أوكافنجو، ويمر النهر بدولتين هما أكثر دولتين في منطقة الجنوب الأفريقي فحالة (بوتسوانا وناميبيا)، بل وفي أفريقيا، وتعتبر دلتا نهر أوكافنجو ثاني أهم مصدر من مصادر الدخل القومي لبوتسوانا. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن كلتا الدولتين تمدان النهر بقرابة 5.5% (بوتسوانا 2.6%، وناميبيا 2.9%) بينما تمده أنجولا بقرابة 94.5% من إجمالي التدفق السنوي للمياه- إلا أنهما أكثر الدول احتياجًا لمياه النهر في المجالات الاجتماعية والاقتصادية.[vii]

واستكمالاً لما سبق، يمكن التأكيد على أن كُلٌّ من بوتسوانا وناميبيا يحاولا تحقيق أقصى استفادة ممكنة من نهر أوكافنجو بغض النظر عن مفهوم الاستخدام المنصف والعادل للمياه في حوض النهر. فبوتسوانا تدعى بجانب حاجاتها للمحافظة على دلتا أوكافنجو، الحفاظ على الحياة البرية في واحدة من أكثر مناطق العالم جذبًا للسياحة، كما تحاول إيصال المياه إلى مناجم الماس بها، كذلك الاستفادة منها في مجالات الزراعة ومصائد الأسماك والثروة الحيوانية. أما عن ناميبيا فتحتاج مياه نهر أوكافنجو لإيصالها إلى المنطقة الشرقية القاحلة بها وإلى العاصمة (وندهوك) لمساعدتها في عملية التنمية الاقتصادية.[viii]

وهنا تبدو الإشارة إلى أن المنظمات البيئية قادت حملة دولية كبيرة ضد ناميبيا وهددت باتخاذ العديد من الإجراءات تجاه الحكومة الناميبية؛ ونتيجة لضغوط أصحاب المصالح والمنظمات البيئية اضطرت الحكومة الناميبية إلى تعطيل إنشاء المرحلة الرابعة من المشروع.[ix]

بالإضافة إلى ما سبق، يمكن التأكيد على أنه الرغم من تشكيل كُلٌّ من أنجولا وبوتسوانا وناميبيا اللجنة الدائمة لحوض نهر أوكافنجوOkavango River Basin CommissionOKACOM)) للوصول إلى الطريقة التي يمكن بها تحقيق استيعاب الاحتياجات المائية المشروعة لكل الدول المتشاطئة بطريقة مستدامة، مما يوفر الإطار الأكثر منطقية للبدء في المفاوضات والمناقشات بين دول الحوض- إلا أن بوتسوانا في محاولة منها لحماية مصالحها في دلتا أوكافنجو، لم تقتصر على دور اللجنة الدائمة لحوض نهر أوكافنجو، بل قامت بالانضمام إلى اتفاقية رامسار، وتم إعلان دلتا أوكافنجو ضمن المواقع المشمولة بحماية اتفاقية رامسار فيإبريل عام 1997، ونتيجة للضغوط التي واجهتها ناميبيا من قِبَلِ أصحاب المصالح والمنظمات البيئية صدقت على اتفاقية رامسار بشأن حماية الأراضي الرطبة.[x]

الأراضي التي يمكن إدراجها ضمن الاتفاقية فى مصر:

هناك العديد من المناطق الأراضى الرطبة فى مصر أهمها نهر النيل وبحيرة ناصر وأكثر من 391 جزيرة فى نهر النيل منها قرابة 144 جزيرة فقط تدخل ضمن المحميات الطبيعية وفقًا لقرار رئيس الوزراء المصرى رقم 1969 لسنة 1998 منها 95 جزيرة بالوجه القبلى تبلغ جملتها 32500 فدان، وهى تمثل بيئة طبيعية غنية بالعديد من النباتات والأشجار التى يمكن أن تتأثر بشكل كبير حال نقص المياه المتدفقة عبر مجرى نهر النيل.

ففى مصر يصل عدد النباتات المائية فى النظام النهرى الى 87 نوعًا تنتسب الى 49 جنسًا وتضم النباتات المغمورة والطفاية وحرة الطفو كما تم تسجيل أكثر من 80 نوًا من الهوام النباتيه وأكثر من 100 نوع من الهوما الحيوانية وتسجيل 58 نوعًا من الأسماك المختلفة، وتسجيل 31 نوعًا من البرمائيات والزواحف. كما يوجد أكثر من 122 نوع من الطيور المهاجرة  فى نهر النيل وجزرة وبحيرة السد العالى كما تم رصد اكثر من 200 ألف طائر فى بحيرة ناصر.[xi]

وفي النهاية، يمكن القول إن اتفاقية رامسار للأراضى الرطبة تعد  أحد الأدوات التي يمكن لكل من مصر والسودان استخدامها من أجل الضغط على النظام الأثيوبي بمساعدة العديد من المنظمات الدولية المعنية بالشأن البيئى وحماية المناطق الرطبة حول العالم، خاصة مع تسجيل العديد من المواقع داخل الاتفاقية فى كل من مصر والسودان، وهو ما قد يشكيل رأى عام عالمي للضغط على النظام الإثيوبي من أجل التفاوض فيما يتعلق بمجارى المياه المشتركة بين دول حوض النيل حماية لتلك المواقع، خاصة وأنها سوف تتأثر وتشكل خطر على الحياة البرية والطيور المهاجرة.

 وبالتالي، قد يكون من الضروري توضيح تلك الصورة للمؤسسات والدول الداعمة للنظام الإثيوبي فى عملية بناء السد. ولعل التجربة التى قامت بها بتسوانا فى تسجيل دلتا أوكافنجو، باعتبارها أحد اكبر المواقع المسجلة فى الاتفاقية، والضغط الكبير على ناميبيا من أجل عدم إلحاق ضرر نتيجة مشروعات المياه التى تسعى لإقامتها على نهر أوكافجو، ونجاحها مستغلة اتفاقية ” رامسار للأراضى الرطبة ” للحفاظ على الكمية المياه التى تصل إلى الدلتا دون تغيير من أجل الحفاظ على النظام البيئى فى دلتا أوكافنجو- قد تشكل أساسًا لكل من مصر والسودان نحو التحرك لتسجيل المزيد من المواقع لديهما ضمن الاتفاقية، وعرض الأضرار البالغة التى قد تطالهما نتيجة بناء السد دون القيام بالدراسات الكافية لتقليل الأضرار والمخاطر على كل من الدولتين.

المراجع:

[i]أزمة سد النهضة وتداعياتها على مصر ( سياسيا- اقتصاديًا واجتماعيًا – احصائيًا وجيولوجياً) فى :

[ii] https://cutt.us/TGPQJ

[iii]A brief history of the Ramsar Convention , at:

https://www.ramsar.org/about-the-convention-on-wetlands-0

وللاطلاع على كافة بنود الاتفاقية انظر:

– UNESCO, convention on wetland of international importance especially as waterfowl habitat, Paris, 13 July,1994

[iv]https://www.ramsar.org/about/wetlands-of-international-importance-ramsar-sites

[v] https://medwet.org/ar/aboutwetlands/ramsarconvention/

[vi]Article (5) , Ramsar convention , 1971

[vii]Pal Arne Davidsen, “The Making and Unmaking of the Politics of Exceptionality Studying Processes of Securitisation and Desecuritisation in the Orange and Okavango River Basins”, Master, (Bergen: The University of Bergen ,Institute of Comparative Politics, November 2006 ), PP. 27 – 30

[viii]تعد دلتا أوكافنجو واحدة من كبريات دلتا المياه العذبة في العالم وتبلغ مساحتهقرابة 22000 كم مربع، وتقع في الركن الشمالي الغربي من دولة بوتسوانا،وهي واحدة من أكثر المناطق الطبيعية جذبًا للسياحة في أفريقيا والعالم، وتهتم بها المنظمات المعنية بالشئون البيئية اهتمامًا خاصًا لما تحويه من حياة برية ونباتية وحيوانية فريدة، وبفضل هذا الموقع تضاعف الإقبال السياحي على بوتسوانا بشكل كبير في العقود الأربعة الأخيرة حتى أصبحت صناعة السياحة في بوتسوانا ثاني مصدر من مصادر الدخل القومي، وأظهرت أغلب الدراسات أنه يمكن تخفيض تلك الآثار السلبية للمشروع بنحو 10-13% إذا كان يقتصر على توصيل المياه في فترات الفيضانات فقط، وليس بشكل مستمر، وأظهرت أيضًا أن أقصى خسارة في مساحة الدلتا لن تتعدى 7كم2 من مساحتها الإجمالية، وستتركز هذه الخسارة في منطقة تغمرها المياه عند المجرى الأسفل منها،….. للمزيد بهذا الصدد انظر:

– Laurel Abrams Neme,” The Power of a Few: Bureaucratic Decision-Making in the Okavango Delta”, in The Journal of Modern African Studies, (Cambridge: Cambridge University Press, Vol. 35, No. 1 ,Mar., 1997),Pp. 37-38

[ix]Inga Jacobs,” The Water War Debate: Swimming Upstream or Downstream in The Okavango and The Nile”, Master, (Matieland: University Of Stellenboch , December 2006 ), PP. 63-65

[x]د. محمد فؤاد رشوان، تسوية نزاعات الأنهار الدولية فى الجنوب الأفريقي، ( القاهرة ، المكتب العرب  للمعارف، الطبعة الاولى ، 2014) ص ص  48 – 49

[xi]النظم البيئية للأراضى الرطبة والمياه الداخلية ، موقع جهاز شئون البيئة على الرابط :

http://www.eeaa.gov.eg/ar-eg/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى