مخاوف متنوعة: كيف يستهدف “بايدن” إنعاش الاقتصاد الأمريكي؟

 

منذ فترة قليلة صدق الرئيس الأمريكي جو بايدن على مشروع قانون يتعلق بمساعدات اقتصادية قيمتها 1.9 تريليون دولار بهدف إنقاذ الاقتصاد الأمريكي. وعلى الرغم من أن هذا القانون، هدف إلى مساعدة الأمريكيين المتضررين من جائحة فيروس كورونا، إلا أن ردود فعل واسعة تلته من شرائح وفئات مختلفة. يذكر أن الكونجرس الأمريكي، وافق على مشروع القانون بعد إقراره في مجلسي النواب والشيوخ، حيث صوّت النواب الأمريكي، مؤخراً على حزمة التحفيز بأغلبية 220 صوتاً مقابل 211 صوتاً معارض، بينما تم تمرير الخطة في مجلس الشيوخ بأصوات أعضاء المجلس الديمقراطيين وحدهم 50 صوتا مقابل 49.

تأسيسا على ما سبق، وطالما أن مشروع القانون، يتضمن تقديم دعم مالي مباشر بقيمة 1400 دولار، وتمديد إعانات البطالة، وإعفاءات ضريبية للأطفال من المتوقع أن تنتشل الملايين من الفقر- فما هي أبرز بنود قانون التحفيز، وأهم ردود الفعل الداخلية إزاء إقراره؟، وما هي المخاوف الاقتصادية التي أثارها عدد من الخبراء جراء إقرار بايدن خطة الإنقاذ الأمريكية؟.

ملامح خطة الإنقاذ الأمريكية:

تتضمن خطة إنقاذ الاقتصاد الأمريكي المقترحة من قبل الرئيس بايدن، عدة نقط، يمكن تحديد أهمها كالتالي:

(*) تدابير وقائية بقيمة 1.9 ترليون دولار: حيث أقترح قِبل الرئيس جو بايدن حزمة تدابير لتسريع عملية تعافي الولايات المتحدة من الآثار الاقتصادية والصحية الناجمة عن جائحة كوفيد- 19 والركود الحالي. فقد خطط بايدن لتكون أول مشروع قانون يُقّره من خلال الكونجرس السابع عشر بعد المائة، وتستند الحزمة المقترحة في 14 يناير 2021 على العديد من الإجراءات المتخذة في قانون كيرز الصادر في شهر مار، وفي قانون الاعتمادات الموحدة لعام 2021 الصادر في ديسمبر.

(&) يتضمن قانون التحفيز، نحو 400 مليار دولار لمدفوعات مباشرة تبلغ 1400 دولار لمعظم الأمريكيين، و350 مليار دولار لمساعدة حكومات الولايات والإدارات المحلية، و130 مليار دولار لإعادة فتح المدارس، و49 مليار دولار لتوسيع اختبارات وأبحاث كورونا، بالإضافة إلى 14 مليار دولار لتوزيع اللقاحات. وقد لكن اقترح رفع الحد الأدنى للأجور من 7.25 دولارا إلى 15 دولارا للساعة كان نقطة شائكة في مجلس الشيوخ، ولم يتم إدخالها في النسخة النهائية لمشروع القانون.

(&) تستعد مصلحة الضرائب الأمريكية لبدء إرسال المدفوعات الجديدة التي تصل إلى 1400 دولار للشخص الواحد، وذلك بعد استلام شيكات التحفيز من الحكومة الأمريكية قبل نهاية شهر مارس. لكن أنه من الواضح سيكون هناك حدود دخل أكثر صرامة من الشيكين الأول والثاني، بسبب تغيير قواعد الأهلية، واستبعاد الملايين من أصحاب الدخول الأعلى، بموجب قواعد الأهلية الجديدة. فقد لا يتمكن بعض الذين تأهلوا للشيكين الأول والثاني بالحصول على الشيك الثالث، كما سيأتي سقف صارم للدخل مصمم لاستبعاد أصحاب الدخول الأعلى من الحصول على شيك، مثل الأشخاص الذين يكسبون أكثر من 80 ألف دولار في السنة وكذلك الأزواج الذين يكسبون أكثر من 160 ألف دولار.

(&) بموجب التشريع الجديد، سوف تمتد شيكات البطالة الفيدرالية حتى 6 سبتمبر بمعدل 300 دولار أسبوعيا، كما ستعمل الحزمة أيضًا على تقليل العبء الضريبي على أموال البطالة للأسر التي يقل دخلها عن 150 ألف دولار في السنة، ومددت هذه المدفوعات حتى 14 مارس الجاري.

(&) وسع القانون الجديد الائتمان الضريبي للأطفال، وهو يسمح حاليًا للعائلات بالمطالبة بما يصل إلى 2000 دولار كائتمان للأطفال دون سن 17 عامًان، كما يمكن للعائلات المطالبة بما يصل إلى 3600 دولار سنويًا لطفل أقل من 6 سنوات وما يصل إلى 3000 دولار سنويًا لمن تتراوح أعمارهم بين 6 و17 عامًا.

ردود فعل الداخل:

على مستوى الداخل الأمريكي حدثت ردود أفعال قوية من قبل جهات مختلفة على حزمة الإغاثة التي أقترحها الرئيس ” بايدن”، وذلك على النحو التالي:

(*) داخل الكونجرس: تلقت حزمة الإغاثة دعمًا واسعاً من قبل الديمقراطيين في مجلسي الكونجرس، ولكن أعرب بعض التقدميين الديمقراطيين في مجلس النواب عن خيبة أملهم من بعض التغييرات عليها، حيث تحفظ السيناتور الديمقراطي في مجلس الشيوخ، جو مانشين من ولاية ويست فيرجينيا على بند رئيسي في الخطة، يتعلّق بمساعدات البطالة. ولكن لحلحلة هذا الموقف تدخل تدخل “بايدن” عبر اتصال هاتفي، وقدم تنازلات من أجل كسب تأييد السناتور لهذا البند، الذي تم تعديله لينص على تمديد مدة الإعانات التي تبلغ قيمتها 300 دولار في الأسبوع حتى مطلع سبتمبر بدلا من آخر الشهر.

في المقابل عارض الجمهوريون بأغلبية ساحقة خطة تحفيز الاقتصاد ودعوا إلى أن تكون العناصر المختلفة للحزمة أصغر وأكثر توجيها، بما في ذلك مخصصات التحفيز المالي. فقد أثار السناتور الجمهوري جوني إرنست تعديلا لمنع زيادة الحد الأدنى للأجور خلال وباء عالمي، كما سلط السناتور روجر ويكر الضوء على وسائل التواصل الاجتماعي على أن القانون منح 28.6 مليار دولار من “الإغاثة المستهدفة” لأصحاب المطاعم المستقلين من أجل “النجاة من الوباء”.

(*) رؤساء البلديات الجمهوريون: فقد أعرب  رؤساء البلديات مثل جيري داير عمدة ولاية فريسنو، وفرانسيس إكس سواريز عمدة ولاية ميامي، وديفيد هولت عمدة أوكلاهوما سيتي وآخرين دعمهم للخطة. فقد صرح داير لصحيفة واشنطن بوست، إنها ليست قضية جمهورية أو قضية ديمقراطية، بل هي قضية اقتصادية تتعلق بالسلامة والصحة العامة.

(*) أعرب أكثر من 150 من الرؤساء التنفيذيين لشركات التكنولوجيا الكبرى مثل شركة جوجل Googleوانتل Intel, وزووم Zoom، عن دعمهم لخطة بايدن التحفيزية في رسالة وحثوا الكونجرس على تمريرها.

(*) جماعات المصالح: لقد أشادت مجموعة واسعة من جماعات المصالح بمشروع القانون، بما في ذلك مجموعات الحكومة المحلية مثل الرابطة الوطنية للمقاطعات، وجمعيات الأعمال مثل الاتحاد الوطني للمزارعين، ومنظمات التعليم مثل المجلس الأمريكي للتعليم، ومنظمات الرعاية الصحية مثل الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، وجمعية النقل العام الأمريكية، ومجموعة الحقوق المدنية.

اتجاهات الرأي العام الأمريكي:

حظيت خطة التحفيز على دعم شعبي واسع، وذلك وفقاً للعديد من استطلاعات الرأي، فقد أظهر استطلاع أجرته مجلة Newsweek / Harris X في 11 فبراير أن 60٪ من الناخبين الجمهوريين أعربوا عن دعمهم لخطة التحفيز. كما أكد استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك في 3 فبراير أن 68٪ من الأمريكيين يؤيدونها، كذلك وجد استطلاع رأي أجرته شركة Morning Consult / Politico في 24 فبراير، أن 76٪ من الناخبين، بما في ذلك 60٪ من الجمهوريين و89٪ من الديمقراطيين، أيدوا مشروع القانون.

وقد أظهر أيضاً استطلاع أجرته جامعة مونماوث في 3 مارس الجاري، أن 62٪ من الأمريكيين يوافقون على حزمة التحفيز، مع 92٪ من الديمقراطيين ، و 56٪ من المستقلين ، و 33٪ من الجمهوريين يؤيدون التشريع، بينما أصدرت CBS News استطلاعًا في 12 مارس، أظهر أن 75٪ من الأمريكيين وافقوا على مشروع قانون التحفيز، بما في ذلك 77٪ من المستقلين، و46٪ من الجمهوريين، و94٪ من الديمقراطيين.

في النهاية، يمكن القول إنه على الرغم من تأكيد الرئيس الأمريكي جو بايدن على أن خطة الإنقاذ الامريكية بقيمة 1.9 تريليون دولار ستعيد بناء العمود الفقري للأمة الأمريكية، وخلق 6 ملايين فرصة عمل، وزيادة حجم إجمالي الإنتاج الداخلي لتريليون دولار، إلا أن إقرار  تلك الخطة أدى إلى إثارة الجدال بين خبراء الاقتصاد حول ما إذا كانت خطة الإنقاذ الأمريكية التي اقترحتها إدارة بايدن، سوف تؤدي إلى فرط النشاط الاقتصادي، نتيجة أن التحفيز الإضافي قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في معدلات التضخم وأسعار الفائدة، وهو ما قد يعرقل التعافي المستدام، ويزيد من خطر وقوع حوادث في الأسواق المالية.

وفي سياق ما سبق حذر الخبراء الاقتصاديين من أنه في حال تخطي أزمة كوفيد-19 ستمتلك البلاد وفرة من السيولة المالية مما يدفع الاقتصاد إلى الفوران، وفي هذه الحالة يرتفع التضخم، على سبيل المثال حث وزير الخزانة الأسبق، لاري سامرز، على توخي الحذر، باعتبار الإنفاق الزائد يمكن أن يؤدي إلى دوامة تضخمية، مما يجد البنك الاحتياطي الفيدرالي صعوبة في السيطرة عليها، وبالتزامن مع ذلك سيؤدي ارتفاع الأسعار إلى تآكل القوة الشرائية، فيما سيدفع زيادة أسعار الفائدة بهدف السيطرة على التضخم إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض في اقتصاد غارق بالفعل في الديون وسط جائحة فيروس كورونا.

 لكن في المقابل يرى خبراء أخرين أن الفوران الاقتصادي ما زال بعيدًا، كما اعتبرت وزيرة الخزانة الأمريكية، جانيت يلين، أن حزمة إجراءات التحفيز ستساعد في تحقيق “تعاف قوي” لاقتصاد الولايات المتحدة، وبالتزامن مع ذلك رفعت منظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي الثلاثاء توقعات النمو لعام 2021 في ظل التحسن الكبير للآفاق الاقتصادية، فور إقرار الخطة، حيث توقعت نمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 5.6% هذا العام، بالإضافة إلى تحقيق نمو اقتصادي عالمي بنسبة 5.6%، أي بزيادة 1.4% عن آخر توقعاتها في ديسمبر الماضي.

 

 

 

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى