معطيات إقليمية: ما هو مستقبل تيارات الإسلام السياسي في المغرب العربي؟

 

منذ أن تمّ الإعلان في مؤتمر العُلا بالسعودية في 5 يناير 2021 عن عودة قَطَر إلى الانسجام مع دول الخليج بدأت تتكاثر التعليقات حول مصير ومستقبل تيارات الإسلام السياسي في دول المغربي العربي، خاصة تونس. وبالتالي في ظل المُعْطىَ المحلي الذي يُفسر حاليا دخول تيار الإسلام السياسي بتونس في أزمة بعد تجربة حكم استمرت عشرية كاملة، بالإضافة إلى المعطيات الإقليمية- يبقى السؤال: ما هو مستقبل تيارات الإسلام السياسي في دول المغرب؟، وما هي التأثيرات المحتملة للمتغيرات الإقليمية الحالية على واقع هذه التيارات؟.

 حركة النهضة في تونس وأزمة المُعطى الإقليمي:

ولم تَمُرّ بضعةُ أسابيع عن الانسجام القطري مع دول الخليج حتى أعلنت تركيا عن رغبتها في عودة الحرارة إلى العلاقات بينها وبين مصر ودول الخليج، وهي تعرف جيدا فاتورة هذه العودة. كما تحدّث تقرير أمريكي عن أنّ “أردوغان فَقَدَ أمله بالإخوان المسلمين ويسعى للمصالحة مع مصر” (العربية نت 12/03/2021)، بل أنّ مركز دراسات تركي في أنقرة أصدر تقريرا على لسان حسين باجي يُلفت فيه نظر الحكومة التركية إلى ضرورة تغيير سياستها تُجاه مصر. يقول التقرير: “لقد كان من الخطأ دَعْمُ الإخوان المسلمين، لكن الحكومة التركية تُدرك الآن أنّ الإخوان المسلمين ليس لديهم أدنى فرصة للوصول إلى السلطة مرة أخرى، لذلك لا يمكننا الاستمرار في هذه السياسة” (المصدر السابق).

أما في ليبيا فإن حكومة عبد الحميد دبيبة الجديدة لا تحتكم على وجوه إخوانية بارزة بل وجوه إسلامية من تيارات أخرى. وصرّحتْ تركيا مؤخرا أنها تعتزم سحب كامل مرتزقتها خلال شهر أبريل 2021. وبالتالي فإن الحلفاء الإقليميين لحركة النهضة في تركيا وقطر وليبيا لم يعودوا مؤيدين لها كما كانوا في السابق، وذلك لعدة أسباب، فَقَطر ترى عودتها للانسجام مع دول الخليج أصبح مطلبا مُلحّا بعد انتصاب إدارة بايدن في الحكم. أما تركيا فقد استشعرت خطر التحول في السياسة الأمريكية الجديدة تجاهها أيضا وتعاظمتْ أزمتُها الاقتصادية في السنوات الأخيرة بسبب مقاطعة منتجاتها من طرف دول الخليج حيث بلغت الخسارة 70 مليار دولار (صحيفة العين الإخبارية 09/10 2020). كل هذه العناصر لم تَعُدْ تلعب لصالح حركة النهضة في تونس، فكيف سيكون الوضع مع تيار الإسلام السياسي في العالم العربي؟

أزمة التيار على الصعيد العربي:

يبدو أنّ مرور عشْر سنوات على أحداث 2011 في المنطقة العربية دفع تركيا وقطر إلى تعديل جوهري في سياستهما تُجاه تيار الإسلام السياسي، فقد تغيرت الظرفية تماما وهو ما تَأكّد مؤخرا برغبة المسئولين الأتراك في أعلى مستوى إعادة الحرارة إلى علاقاتهم مع مصر ودول الخليج بطَيّ صفحة الماضي والتوجه نحو تحقيق المصالح المشتركة بين تركيا وخصوم الأمس حتى وإنْ كان الثمن هو التخلي عن دعم القيادات الإخوانية وتسليم المطلوبين منهم للقضاء المصري وغيره.

 وقد لمّح بعض المقربين من السلطة التركية أن كل شيء قابل للتفاوض، فتركيا تهدف من وراء المصالحة مع مصر ودول الخليج إلى “الخروج من العزلة التي تعيشها في الشرق الأوسط وأوروبا” (بي بي سي عربي11/03/2021). ومنذ أيام صرح مستشار الرئيس أردوغان إبراهيم قالن ” أن مصر قلب العالم العربي وعقله” (المصدر السابق). كما شدد مسئولون آخرون على أهمية التقارب مع السعودية. وبالتالي فإن السؤال المطروح هل سيكون قياديو تيار الإسلام السياسي كبش الفداء في إطار صفقة التطبيع التركي مع مصر ودول الخليج؟ وهل سيُطلبُ منهم مغادرة البلاد.

مستقبل مظلم:

وفي كل الحالات فإنّ أياما صعبة تنتظر هذا التيار وذلك لعدة أسباب: السبب الأول، هو ارتهان تيار الإسلام السياسي لأجندات الدول المضيفة. ويتمثل السبب الثاني، في الحصيلة السلبية لتجربة الحكم لهذا التيار خلال عشرية كاملة، فقد فَقَدَ الخَزّان الانتخابي لحركة النهضة التونسية ثُلُثي ناخبيه بعد محطتين انتخابيتين: كما شهد حزب العدالة والتنمية المغربي (هو حزب ينتمي للإسلام السياسي فكرا لا تنظيما) مؤخرا استقالات في مستوى بعض القيادات الحزبية والوزراء بسبب خلاف حول التطبيع مع إسرائيل ومعارضة قانون القنّب الهندي. أما في ليبيا فقد أصبح صوت الإخوان خافتا نسبيا بعد صعود حكومة دبيبة. وفي الجزائر هناك حديث عن صعوبة حصول تيار الإسلام السياسي على المراتب الأولى في الانتخابات البرلمانية المقبلة في 12/06/2021. وبالتالي فإن هذا التيار سيكون مُجْبرا على الدخول في مراجعات جذرية لمقارباته وإستراتيجياته خاصة في ظل المستجدات الإقليمية والدولية.

وإجمالا، فإذا كان تيار الإسلام السياسي الذي ما زال شريك في الحكم سواء في تونس أو في غيرها من الدول العربية يريد الاستمرار في نشاطه السياسي فعليه أن يقوم، أولا: بالإعلان عن تخليه نهائيا عن توظيف الدين في السياسة، وثانيا، عن رفضه المطلق للعنف لأن أسلوب الاغتيالات السياسية التي حصلت في السابق لن تمُرّ بسهولة مستقبلا في ظل معاداة معظم القوى الدولية في العالم لأطروحات الإسلام السياسي، وثالثا، للتفرغ لإعداد برامج جدّية للحكم، والبقاء بعض الوقت في المعارضة من خلال التواجد في البرلمان فقط، وهو ما سيسمح لهم بالعودة لاحقا إلى المشاركة السياسية في الحكم على أساس أحزاب مدنية حقيقية تنبذ خطاب الكراهية، وترفض استعمال الدين في السياسة، وتُعلن صراحة فك ارتباطها بالإخوان المسلمين فكرا وتنظيما، وتنخرط كليا في منظومة المواطنة و مواثيق حقوق الإنسان الدولية.

 

 

د. أعلية علاني

أستاذ وخبير مشارك بالمركز، هو مؤرخ تونسي وباحث في القضايا الاستراتيجية والتيارات المتشددة دينيا، حاصل على التأهيل الجامعي جامعة منوبة- تونس، ويعمل نائب رئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، وعضو بوحدة البحث المجتمع والمجتمع الموازي كلية الآداب منوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى