خطط التطويق: بناء ميثاق شرف إعلامي للتعامل مع الأحداث الإرهابية

 

تطرقت في رؤية تحليلة سابقة نشرت على موقع مركز رع للدراسات لخطورة المواقع الالكترونية، ومدى إمكانية استخدامها بشكل مزدوج في العمليات الإرهابية بدء من الترويج الأفكار المتطرفة، مروراً بالتجنيد وصولاً لتنفيذ العمليات الإرهابية، التي تهدد الأمن القومي للدول. نستكمل في هذا التحليل آليات تجنيد العناصر الإرهابية، والتكتيكات المستخدمة في إقناع بعض الشباب بالأفكار المتطرفة، معتمدين في ذلك على أدوات كثيرة، من بينها الإعلام، الذي يتم استخدامه بشكل سىء من جانب هذه الجماعات.

إن تطور آليات تجنيد العناصر الإرهابية واعتمادها تكتيكات جديدة ومتطورة، تشكل تحدي كبير للأجهزة الأمنية، المطالبة بمواكبة هذا التطور في بيئة التهديد ، التي لم تعد قاصرة في عصر المعلومات على البيئة المحلية فقط، كما كانت خلال العقود السابقة، بل أن اتساع بيئة التهديد وتشابك عناصرها، واختلاط الدولي بالإقليمي بالمحلي والعكس، قد عقد من الظاهرة الإرهابية، وأعطى أهمية لموضوع العنصر الإرهابي، الذي أصبح قادراً على الحركة والتأثير في نطاقات أوسع.

قواعد التجنيد للعناصر الإرهابية:

هناك مجموعة من القواعد أو المواصفات التي تبحث عنها التنظيمات المتطرفة في العناصر التي ترغب في ضمها إليها ، وسحبها من طريق الاعتدال لطرق التطرف والتشدد، تمهيداً لتشجيعهم على العنف ومقاومة سلطة الدولة، ومن اهم هذه القواعد ما يلي:

صغر السن. الإرهابيون عادة ما يكونون من صغار السن نسبياً، لذلك فإن نسبة كبيرة منهم من المراهقين، سواء أكانوا من الطلبة أم من الشباب حديثي التخرج، حيث يتراوح متوسط أعمارهم ما بين (19)، (26) سنة، وهي بلا شك مرحلة عمرية تتسم بتوافر طاقة هائلة وجامحة، تجعل بعضهم أقل التزاماً بقيم المجتمع وتقاليده، مما يسهل إمكانية التأثير على الشباب وتوجيهه إلى العنف والإرهاب. وبالتالي تستغلها الجماعات الإرهابية لاستقطابهم لصالح حركتها ودفعهم للقيام بعمليات إرهابية.

عدم الحرص على الحياة. تحرص التنظيمات الإرهابية على تجنيد فئة طلبة الجامعات أو المدارس الثانوية، وتراعي في اختيار الأفراد الذين يتم استقطابهم اتسامهم بالاندفاع والتهور؛ وعدم الحرص على الحياة والاستعداد لتنفيذ ما يُؤمرون به دون مناقشة أو تردد، والالتزام بإتباع أوامر رئيس التنظيم حتى لو تمثلت في ارتكاب أعمال انتحارية.

التشدد الفكري.لا شك أن الرؤية المنفتحة على العالم تعد من المفاتيح الأساسية لفهم الأسباب الحقيقية للإرهاب، لذا فالتنظيمات الإرهابية تعمل على السيطرة على مفاهيم الشباب، وتنقل لهم رؤية تقليدية متزمتة للعالم، ولذلك يتسم هذا النوع من العناصر الإرهابية بالجهل بمقاصد الشريعة وأحكامها والكتب السماوية، وأسباب ومواقف نزول ما بها من آيات، الجهل بوقائع الأمور وظروفها وملابساتها، الجمود في فهم النصوص الشرعية، التأويل الشخصي الذي لا يخضع لضوابط التأويل وأصوله، إتباع الأهواء والآراء الشخصية،  الطاعة العمياء وتقديس القيادات. بالإضافة إلى أنه من غير المستحب أو المرفوض لعناصر تلك التنظيمات إقامة أية علاقة مع غير المرتبطين بالتنظيم، وعدم الثقة إلا في أنفسهم ورفاقهم.

الحركية.يتمتع أفراد التنظيمات المتطرفة والجماعات الإرهابية بفرصة التحرك الآمن وسط المجتمع بسهولة وحرية لمدة طويلة، باعتبارهم ضمن نسيج أفراد المجتمع، ولا يمارسون أنشطة مخالفة لمبادئه وقيمه، أو ينادون بأفكار متطرفة بشكل علني. كما يتمتعون بالقدرة على التحرك المكاني السريع، مستفيدين من وسائل النقل المختلفة، ووسائل الاتصال والتواصل الحديثة لإجراء اللقاءات والاجتماعات، بدون أية خطورة تذكر على تحركاتهم وانتقالاتهم.

الخبرات والمهارات الفنية والعلمية. تلجأ بعض التنظيمات الإرهابية إلى تجنيد العلماء وأصحاب الخبرات العلمية والعملية، لكي تستعين بهم في تصنيع بعض الأسلحة غير التقليدية والمتفجرات، وتعلم طرق التفجير عن بعد، وتفخيخ السيارات. ويتمتع هؤلاء العناصر بمستوى رفيع من التأهيل والتدريب، تجعلهم قادرين على استخدام أحدث ما توصلت إليه التقنيات الحديثة، وتوظيف قدراتهم في الترويج لأفكار التنظيم، وتجنيد الأعضاء الجدد، واستغلال بعض الثغرات أو افتعال المشكلات السياسية والاقتصادية أو محاولة تضخيهما أمام الجماهير، وتبرير عملياتهم الإرهابية.

تشكيل البيئة الحاضنة للتطرف:

لكي تنجح التنظيمات المتطرفة في اصطياد عناصر تدين لها بالولاء والطاعة، فإنه يلزم توافر ما يسمى بالبيئة الحاضنة للتطرف، وبمعنى أدق محاولة هذه الجماعات تصوير كل ما يحيط بالمجتمع من تحركات سياسية ومشاريع اقتصادية واجتماعية وأنشطة فنية ورياضية وغيرها على أنها عديمة الجدوى، ولا تصب في صالح المواطن العادي، أو التقليل من أهمية المشروعات التنموية فى الدولة،  والتركيز على تفشى البطالة ،و الحديث المتكرر عن احتكار طبقة واحدة لموارد الثروة و تهميش باقى الطبقات، مما يساعد على خلق حالة من اليأس لدى بعض الشباب وانتهاج العنف كوسيلة للتعبيرعن  رفضهم لهذا الواقع، بجانب ذلك يتم استغلال بعض الجوانب الاجتماعية ، المرتبطة بظاهرة الهجرة الداخلية ، وبعض المشاكل المرتبطة بتطوير البنية التحتية للمجتمع، وتصوير المجتمع المصري على انه مجتمع من المناطق العشوائية، لتغذية مشاعر النقمة لدى الشباب على المجتمع و تفشى الحقد الطبقى بينهم و تهيئتهم للنهج الإرهابى . كما تستغل بعض هذه التنظيمات بعض القضايا المرتبطة بالحياة السياسية وتصويرها على أنها نوع من التهميش والإقصاء السياسى لبعض الفئات فى المجتمع وحرمان المجتمع من حرية ابداء الرأى و التعبير.

التغطيات الإعلامية للأعمال الإرهابية:

لا أحد ينكر دور وسائل الاعلام والاتصال وتأثيرها في توجهات الرأي العام واتجاهاته، وصياغة مواقفه وسلوكياته من خلال الاخبار والمعلومات التي تزوده بها، خاصة اذا ما التزم القائمون عليها بالموضوعية و نشر الحقائق و الأخبار الصحيحة بعيدا عن العفوية و الأرتجالية ،وربما هذا ما تفتقد له بعض من هذه الوسائل في وقتنا الراهن ، بعد أن رهنت سياساتها وتطلعاتها بالتعايش مع متطلبات السوق (الاعلامي) بما يضمن لها ترويج سلعتها الاعلامية في أكبر عدد ممكن من الاسواق لضمان وصولها بالتالي الى أكبر عدد ممكن من جمهور المتابعين و زيادة مواردها المالية دون اعتبار للمضامين التى يتم تقديمها للجمهورو هو الامر الذى أدى إلى حدوث ممارسات اعلامية خاطئة أدت إلى استفادة التنظيمات الإرهابية من وسائل الإعلام فى نشر فكرها المتطرف وكسب المزيد من المؤيدين أو المتعاطفين مع هذا الفكر و على سبيل المثال المبالغة فى نشر الأحداث الأرهابية بكافة تفاصيلها والتركيز على فداحة الخسائر الناتجة عنها مما يشيع الفزع بين الناس والمبالغة فى تقدير قوة هذه التنظيمات .

إن عرض المناظر والمشاهد المأساوية وتصوير الأضرار بشكل متكرر ومبالغ فيه، اضافة الى بث وجهات نظر الارهابيين التي يقصد منها إثارة الخوف، تشكل خطورة وتنطوي على ردود فعل سلبية من شأنها خدمة العمل الارهابي، خاصة في ظل تنافس وسائل الاعلام والاتصال المختلفة على النقل الفوري للأحداث المتعلقة بالإرهاب من أجل تحقيق سبق صحفي، لاستقطاب اعداد متزايدة من جمهور القراء والمشاهدين، والذي قد يكون على حساب القيم الاخلاقية والانسانية التي ترفض المساعدة في نشر العنف والتطرف. أيضاً يدخل في هذا السياق إجراء  مقابلات مع زعماء الإرهاب، و اعتبار ذلك سبقاً صحفياً و نصراً اعلامياً غير مسبوق و اتاحة الفرصة لإستغلال الجماعات الأرهابية لبعض المنابر الأعلامية لنشر افكارهم خاصة إذا كانت هذه القنوات واسعة الأنتشار، وتملك دعماً مادياً و معلوماتياً كبيراً ، كما شاهدنا قبل سنوات لقاء قناة الجزيرة مع زعيم تنظيم القاعدة السابق اسامة بن لادن ، والحرص على بث أشرطة مصورة لزعماء داعش في الشام وغيرها. و أيضا إظهار الإرهابيين فى صورة أبطال أو مضطهدين لكسب تعاطف الجمهور معهم و اعتبار أن ما يقومون به من أعمال هو كفاح و جهاد مشروع ضد طغيان و ظلم الدولة كما يدعون( مثال الأزمة السورية)، كما استخدام الارهابيون شبكات التواصل الأجتماعى (الإعلام الجديد) لنشر فكرهم المتطرف و الترويج لعملياتهم الأرهابية و تجنيد و تدريب عناصر جديدة عبر الأنترنت

نحو التفكير في ميثاق شرف إعلامي للتعامل مع الأحداث الإرهابية:

اكسبتنا الخبرة العملية دروساً كثيرة، ونعول فيها على دور أساسي للإعلام في مكافحة ظاهرة التطرف العنيف، والمساهمة في جهود الدولة للوقاية منه، والتخلص من بعض الأخطاء التي سبق أن أشرنا إليها، والتي يجرى استغلالها من الجماعات المتطرفة في نشر فكرها وتجنيد عملائها وكسب متعاطفين معها، لذلك نعتقد أن من واجب المهتمين بظاهرة الإرهاب التفكير في وضع قواعد استشرادية لدور بعض القطاعات داخل الدولة في مجابهة هذا الظاهرة، وأركز هنا على ما نسمية ميثاق شرف إعلامي للتعامل مع الإحداث الإرهابية، يشمل ما يلي:

  • قيام وسائل الإعلام بتوجيه الجمهور للوقاية من الأفكار المتطرفة و رصد و تحليل الظواهر الإجرامية و التوعية عنها .
  • خلق روح ايجابية لدى الجمهور للتعاون مع سلطات إنفاذ القانون، والابلاغ عن المشتبه فيهم أو الأنشطة التى تسبق الأعمال الأرهابية.
  • تفنيد و تحليل الفكر المتطرف و الرد على دعاوى العنف فى المجتمع بواسطة رجال الدين و الفكر الوسطى المعتدل ذوى القبول لدى الجمهور ، والإستعانة ببعض الشخصيات التي تحظى بالاحترام فى المجتمع، سواء كانوا من رجال الدين، أو المفكرين والأدباء، أو رجال الدولة السابقون، دكاترة الجامعات، أو الفنانون أو الرياضيون و… غيرهم ، لنشر الوعى للوقاية من الفكر المتطرف و الأفكار الهدامة
  • ابراز جهود الدولة فى توفير الحياة و الرعاية الكريمة للمواطنين و إزالة الإحتفان لدى البعض الذى تأثر من بعض الإجراءات الاقتصادية الاصلاحية و توفير تعويضات أو بدائل تخفف من هذه الآثار،لكسب تأييدهم فى حربها ضد الإرهاب.
  • العمل على تحسين العلاقة مع ممثلى أجهزة الإعلام و فتح قنوات اتصال معلومة معهم لنقل المعلومات الصحيحة عن الحالة الأمنية فى حدود المتاح و فى التوقيت المناسب منعا من اللجوء الى القنوات ذات التوجهات المشبوهة للحصول على معلومات .

في النهاية نؤكد أن الإرهاب ظاهرة شديدة الخطر على الأمن والاستقرار الداخلي للدول، وتعوق خطط التنمية بشتى أنواعها، وتهدد السلم والأمن الدوليين ، وهي ظاهرة متجددة، بأشكال مختلفة وأدوات جديدة لكل عصر من العصور، وستظل هذا الظاهرة تحدي أمني وتنموي مستمر لكل الدول، طالما استمر التباين في الثقافات والأهداف و المصالح المتصلة بالفعل الإرهابي، فما يعتبره طرف عملاً بطوليا يستحق الإشادة ، يراه البعض الآخر عملا ارهابيا يستحق الإدانة، علاوة على تداخل الإرهاب مع عدد من المفاهيم الأخرى المتصلة في المعنى مثلالعنف السياسي، والجريمة السياسية، والجريمة المنظمة، والتطرف. ومن هنا نؤكد على دور كافة قطاعات الدولة في التصدي لهذه الظاهرة، كلاً على مستواه، لكن يظل دور الإعلام هو الأكبر تأثيراً، لما له من قدرات على النفاذ للعقول، وتشكيل الوعي الفردي والمجتمعي، وبناء التصورات إزاء بعض القضايا والإحداث التي تمر بها الدولة.

 

 

اللواء هشام صبري

خبير بوحدة دراسات الأمن الإقليمي. ممثل الأمم المتحدة لقوات حفظ السلام سابقا، نائب مدير معهد تدريب الشرطة السابق بأكاديمية الشرطة. خبير متمكن في دراسات الأمن الدولي وحفظ السلام، وله العديد من الدراسات والبحوث في حفظ وتعزيز الأمن والاستقرار في مناطق الصراعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى