في ظل بوادر التقارب بين أنقرة والقاهرة.. هل يتراجع الدور التركي في الساحل الأفريقي؟

 

شهدت العلاقات المصرية الإفريقية زخماً واسعاً في السنوات الأخيرة، وتحركات مصرية حثيثة تجاه العمق الاستراتيجي التقليدي للدولة المصرية في إفريقيا، فقد باتت الأخيرة حاضرة بقوة على أولويات الأجندة المصرية، وثمة جهود مكثفة لتعزيز العلاقات المصرية الإفريقية في شتى المجالات. وتمثل منطقة الساحل الإفريقي أهمية خاصةً بالنسبة للقاهرة، نظرأ للتأثيرات المباشرة لهذه المنطقة على الأمن القومي المصري، خاصةً في ظل الإشكاليات المعقدة التي تعاني منها دول الساحل الإفريقي، فيما يتعلق بالملف الأمني والتهديدات الوجودية التي تشكلها الجماعات الإرهابية المنتشرة هناك، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية المتفاقمة التي تجابهها الحكومات الوطنية، رُغم الثروات الهائلة -غير المستغلة- التي تزخر بها المنطقة، والتي جعلتها بؤرة خصبة لتنافس العديد من الأطراف الخارجية، أبرزها تركيا التي بدأت في السنوات الأخيرة تعمل على تعزيز نفوذها في منطقة الساحل والصحراء عبر العديد من آليات الإنخراط، وذلك في إطار السياسة التوسعية التي تنتهجها تركيا، والتي استهدفت مزاحمة مصر في مناطق نفوذها التقليدية.

بيد أن مؤشرات التقارب بين القاهرة وأنقرة في الفترة الأخيرة، والخطوات المتسارعة التي باتت تتخذها تركيا للتصالح مع الدولة المصرية، تعكس تساؤلات هامة بشأن مستقبل التنافس بين البلدين في القارة الإفريقية، وسيناريوهات التحرك التركي في منطقة الساحل والصحراء، وذلك في إطار محاولات أنقرة في تحسين العلاقات مع القاهرة من ناحية، والتحركات المصرية المكثفة لاستعادة دورها في إفريقيا من ناحية أخرى.

تغير في النبرة التركية:

شهدت الفترة الأخيرة مؤشرات عديدة تعكس محاولات تركيا التقارب مع مصر، وحلحلة الخلافات القائمة بينهما، فقد تعددت التصريحات الصادرة عن مسئوليين أتراك بشأن الرغبة في العودة إلى التعاون مع الدولة المصرية، بداية من المتحدث باسم الرئاسة التركية “إبراهيم كالن” والذي أشار في أكتوبر 2020 عن رغبة بلاده في إعادة العلاقات مع مصر، وما أعقبها من تصريحات لوزير الخارجية التركي ” مولود تشاووش أوغلو” والذي أشار إلى رغبة أنقرة في توقيع إتفاق مع القاهرة بشأن الحدود البحرية في شرق المتوسط.

لكن، لقد بلغت محاولات التودد التركي إلى مصر أوجها مع إعلان الرئيس التركي “رجب أردوغان” عن استمرار التعاون الاقتصادي والدبلوماسي والاستخباراتي بين القاهرة وانقرة، مشيرة إلى رغبته في تعزيز هذا التعاون إلى مستوى أعلى. وقد اعقب ذلك تصريحات لوزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” والتي أكد فيها على سعى بلاده إلى تعزيز التعاون مع دول الجوار بما في ذلك مصر.

ويبدو أن المحاولات التركية لن تستمر فقط في التصريحات الشفهية فقط، فثمة مؤشرات إيجابية باتت إرهاصاتها في التبلور خلال الساعات الأخيرة، ربما تعكس تحركات تركية فعلية في التقارب مع مصر، وهو ما جسدته التقارير التي أشارت إلى التعليمات التي أصدرتها السلطات التركية بوقف البرامج السياسية بفضائيات جماعة الأخوان الإرهابية التي تبث من اسطنبول، أو تحويلها لفضائيات خاصة بالمنوعات، وعلى الرغم من حالة الغموض التي لا تزال تخيم على الأمر، بيد أن هناك بعض المؤشرات التي تعكس محاولات أنقرة المكثفة في تحسين علاقاتها بالدولة المصرية، في ظل تراجع مفاجئ في الموقف التركي، وهو ما يعكس عن انتصار حقيقي للاسترايجية المصرية الثابتة، ومن ناحية أخرى، باتت هناك تساؤلات بشأن التداعيات المحتملة للتغير في الموقف التركي على العديد من الملفات، ومنها السياسة التركية التوسعية في منطقة الساحل الإفريقي، ومستقبل التنافس في هذه المنطقة.

 واقع الانخراط التركي في أفريقيا:

في إطار السياسة التوسعية التي ينتهجها الرئيس التركي “رجب أردوغان” لإعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية، عبر التغلغل والتوسع في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والبلقان وحوض البحر المتوسط، شكلت إفريقيا أحد أبرز الساحات التي استهدفتها أنقرة لتعزيز نفوذها بها عبر كافة الأدوات، حيث بدأت إرهاصات الإنخراط التركي عبر بوابة الصومال وليبيا ودعم المليشيات المسلحة هناك، بيد أن التوسع التركي أمتد إلى غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، وتجسد ذلك بشكل علني من خلال التوقيع في عام 2018 على اتفاقية تعاون تهدف إلى إنشاء لجنة مشتركة، بين تركيا والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” بشأن التجارة والاستثمار.

وتواصل تركيا تحركاتها لتعزيز نفوذها في القارة الإفريقية، لا سيما في منطقة الساحل والصحراء وغرب إفريقيا، وتستخدم أنقرة في ذلك كافة الآليات للتغلغل في هذه المنطقة، وقد أعطت أنقرة في البداية الأولوية لزيادة علاقاتها الاقتصادية، من خلال توقيع العديد من الاتفاقيات التجارية، سواء على المستوى متعدد الأطراف أو بشكل ثنائي، على غرار ساحل العاج التي وقعت معها اتفاقية للتجارة الحرة، فضلاً عن إنشاء مطار “بليز دياجني” الدولي في السنغال. وبالتوازي مع ذلك، أعتمدت تركيا على الآداة الدبلوماسية عبر رفع عدد سفاراتها وقنصلياتها في القارة مع تكثيف للزيارات الرسمية، فضلاً عن التغلغل الثقافي عبر التوسع في إنشاء المدارس والمساجد وتقديم المنح الدراسية للطلاب الأفارقة للتروج للنموذج التركي، وتشكيل نخب أفريقية جديدة تخدم الأجندة التركية، كذلك حرصت أنقرة على التغلغل الثقافي في غرب إفريقيا عبر “مؤسسة المعارف” التركية والتي باتت منتشرة عبرها فروعها الـ 23 في القارة الإفريقية.

كذلك، مثلت الأداة العسكرية والأمنية أبرز أدوات توسيع الحضور التركي في القارة الإفريقية، في ظل الإتفاقيات العسكرية التي تبرمها أنقرة مع دول المنطقة، والتي كان آخرها مع النيجر في يوليو 2020، مع وجود محاولات لعقد اتفقيات أخرى مع دول مجاورة لليبيا منها تشاد، في ظل تقارير رجحت وجود مساعي تركية لإنشاء قاعدة عسكرية في منطقة الساحل الإفريقي، وهو ما سيعطي لها موطئ قدم مباشر في المنطقة.

الاستثمار في الأزمات:

لقد عمدت أنقرة إلى إستغلال الإشكاليات المتفاقمة التي تواجه الدول في منطقة الساحل الإفريقي كمدخل للتغلغل، فمن ناحية استغلت تركيا معاناة دول هذه المنطقة من اتساع رقعة الفقر والمجاعات؛ وذلك للولوج داخل دول الساحل عبر بوابة المساعدات الإنسانية والاستثمارات الاقتصادية، وهو ما ينعكس بوضوح في الدور الذي تقوم به “وكالة التعاون والتنسيق” التركية (تيكا)، والتي تعد من أبرز أذرع التغلغل التركي تحت شعارات أعمال الإغاثة، ويضاف لذلك المساعي المستمرة التي تنتهجها أنقرة لنسج شبكات من العلاقات ببعض العناصر الداخلية في منطقة الساحل الإفريقي، على غرار قبائل الطوارق التي تعمل الحكومة التركية على تجنيدها لخدمة أجندتها التوسعية.

وفي تقرير صادر عن دورية global security الأمريكية، أشار إلى الدبلوماسيين الأتراك في القارة الإفريقية يعملون على نسج شبكات داعمة لأنقرة في القارة الإفريقية؛ وذلك عبر استغلال ورقة المشاعر الدينية للسكان المحليين، ومن ثم استغلال هذه الشبكات للضغط على حكومات دولهم لخدمة الأهداف التركية.

 ومن ناحية أخرى، استغلت أنقرة الأوضاع الأمنية المتدهورة بفعل استمرار توسع وانتشار الجماعات الإرهابية في المنطقة، فضلاً عن الصراعات العرقية والإثنية، لتعزيز حضورها عبر اتفاقيات التعاون الأمني الذي تبرمها أنقرة مع دول المنطقة، إضافة إلى الدفع بشركات العسكرية التركية الخاصة كغطاء للتغلغل التركي الرسمي، وهو الأمر الذي تجسده بوضوح مؤسسة “صادات” التركية التي تتوسع في صفقات التسليح لدول المنطقة، إلى جانب برامج التدريب العسكري لقوات هذه الدول.

مصر واستعادة الدور:

ثمة إدراك واضح من الدولة المصرية للتحركات التركية في منطقة الساحل الإفريقي، ومحاولات أنقرة لتعزيز نفوذها في هذه المنطقة، وهو ما يمثل تهديد للمصالح والأمن القومي المصري، وهو عكسته التحركات المصرية النشطة خلال السنوات الأخيرة لإحياء علاقاتها في القارة الإفريقية –ومنطقة الساحل الإفريقي بشكل خاص- والسعي لتحجيم النفوذ التركي المتصاعد. وقد أعتمدت التحركات المصرية على محددات ثلاثة رئيسية، سياسية واقتصادية وعسكرية، على النحو التالي:

أولاً: تعزيز العلاقات السياسية مع دول الساحل الإفريقي، فثمة زيارات مكثفة باتت تقوم بها الدولة المصرية  لتعزيز علاقاتها المختلفة بدول القارة الإفريقية، فوفقاً لتقرير نشره المركز الأوروبي لإدارة سياسات التنمية، فقد زار الرئيس “السيسي” 21 دولة إفريقية في الفترة ما بين 2014 و2017، من بينها دول غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، خاصة تشاد التي أشارت بعض التقارير عن وجود توجه تركي لنقل عدد من المرتزقة لموالين لأنقرة من ليبيا باتجاه تشاد، وفي ظل رئاسة تشاد لمجموعة دول الساحل 5G، شرعت القاهرة في تعزيز التعاون التعاون من دول هذه المنطقة، وتقديم الدعم لها في مكافحة التنظيمات الإرهابية.

كذلك، فقد أستقبل الرئيس “عبد الفتاح السيسي” مطلع مارس الجاري، رئيس جمهورية غينيا بيساو “عمر سيسوكو إمبالو” في قصر الاتحادية، وقد شهد اللقاء شهد عقد مباحثات موسعة بين وفدي البلدين، وقد أشار الرئيس “السيسي” على استعداد مصر لتعزيز التعاون الثنائي مع غينيا بيساو على جميع الأصعدة لدعم جهود التنمية بها، خاصةً التبادل التجاري والاستثمار وتطوير البنية التحتية، بالإضافة إلى استقبال الكوادر الغينية للمشاركة في برامج بناء القدرات والدعم الفني التي تشرف على تنفيذها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في المجالات المختلفة.

بينما أعرب الرئيس الغيني عن تطلع بلاده لتطوير العلاقات الثنائية مع مصر، لاسيما في مجالات التبادل التجاري وجذب الاستثمارات المصرية المباشرة والدعم الفني والتنسيق الأمني والعسكري المشترك، ومشيداً بالتجربة المصرية ودورها المحوري في المساهمة في تحقيق التنمية الشاملة والنمو الاقتصادي وصون السلم والأمن بالقارة. وكان الرئيس السيسي قد تلقى، في 20 فبراير الماضي، اتصالاً هاتفياً من “إمبالو” أكد خلاله حرص بلاده على تعزيز العلاقات الثنائية مع مصر في مختلف المجالات، وقد اتفق الرئيسان على العمل على تحسين التبادل التجاري وتطوير قدرات كوادر غينيا بيساو على إرساء أسس مؤسسات الدولة ومواجهة التحديات الأمنية في المنطقة.

كما استثمرت مصر فترة رئاستها للاتحاد الإفريقي 2019-2020 لتعزيز أواصر الصلة بدول الساحل الإفريقي، وتقديم الدعم اللازم لها في مواجهة الأزمات المتفاقمة التي تعاني منها هذه المنطقة، كما ساهمت مؤسسة الأزهر والكنيسة الأرثوذوكسية بدور كبير في تدعيم العلاقات المصرية بغرب إفريقيا – مثل غانا- في ظل الترابط الثقافي والديني بين القاهرة ودول المنطقة، ولمواجهة دبلوماسية “المساعدات” التي تنتهجها تركيا.

ثانياً: دعم التعاون الاقتصادي بدول الساحل، فوفقاً للتقرير الصادر عن موقع The Africa Report، فقد أشار إلى أن مصر هي المرشح لقيادة التعافي الاقتصادي بعد كوفيد في القارة الإفريقية، وتسعى مصر لتعزيز التعاون الاقتصادي بدول القارة الإفريقية، وهو ما عكسته الزيادة الملحوظة حجم التبادل التجاري بين القاهرة والدول الإفريقية، والذي شهد زيادة قدرها 32% بين عامي 2018 و 2019، وذلك وفقاً للتقرير الصادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ومن ثم ففي إطار الاستراتيجية المصرية الراهنة التي تستهدف تعزيز التعاون بدول القارة، فمن المرجح أن تشهد الفترة المقبلة تصاعد للدور المصري في إفريقيا –بما في ذلك منطقة الساحل- عبر مزيد من التعاون الاقتصادي.

وتتجسد بوادر هذا التعاون في اتفاقية التعاون والاستثمار فى مجال الاتصالات والتكنولوجيا التي أبرمتها مصر ونيجريا في يناير الماضي، والتي أعقبها توقيع عقد بين الهيئة القومية المصرية للإنتاج الحربى ومجموعة “رونجاس” النيجيرية، لتأسيس شركة مساهمة لإنتاج وتصنيع أسطوانات البنزين والغاز الطبيعى فى نيجيريا، ومن المرجح أن تتنامي هذه العلاقات في الفترة المقبلة في ظل الزيارات المتبادلة والمكثفة بين الوفود الاقتصادية بين البلدين.

وفي أطار قيادة مصر للجهود الأفريقية لإنشاء منطقة تجارة حرة قارية إفريقية ستوفر فرصًا لتعزيز العلاقات البينية بين مصر ودول الساحل الإفريقي، حيث تمثل الأخيرة سوقًا واعدًا للمنتجات المصرية، وثمة تحركات مصرية نشطة نحو تعزيز التعاون الاقتصادي بدول الساحل الإفريقي وغرب القارة، فعلى الرغم من وجود حوالي 381 مليون نسمة في دول غرب إفريقيا (تشكل 31٪ من إجمالي سكان إفريقيا البالغ 1.216 مليار نسمة) بيد أن صادرات مصر إلى هذه الدول لا تتجاوز 7٪ من إجمالي صادراتها للقارة بأكملها.

كذلك، تقوم شركات مصرية بتنفيذ مشروعات ضخمة في موريتانيا، على غرار شركة المقاولون العرب والتي نفذت مشروع مائي وطريق يربط بين مدينتين موريتانيتين، كما نفذت شركة السويدي مشروع خط كهربائي بطول 300 كيلومتر، فضلاً عن الشركات المصرية في مجالات الأثاث والأدوات الكهرابائية والصيد والثروة السمكية والزراعة والثروة الحيوانية والدواء والمبادلات ومواد البناء.

أيضاً، ثمة ارتفاع ملحوظ في مشاريع الري وإدارة المياه التي تنفذها القاهرة في منطقة الساحل الإفريقي، ففي أوغندا – على سبيل المثال، مولت مصر 90% من مشروع يحمي المنطقة الغربية من الفيضانات، وفي جنوب السودان ساعدت مصر على تطوير أنظمة الصرف الصحي والري.

ثالثاً: أما على المستوى العسكري والأمني، فقد أسست مصر في يونيو 2018 المركز الإقليمي لمكافحة الإرهاب لتجمع الساحل والصحراء؛ وذلك بهدف صياغة استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب، وقد استضاف هذا المركز عدة تدريبات تضمنت قوات من دول هذا التجمع، فضلاً عن تنسيق الجهود المشتركة وتعزيز التعاون بين دول الساحل الخمس لمواجهة التهديدات الإرهابية، كما ساهمت الدولة المصرية في تقديم المساعدات اللوجستية لهذه الدول، فضلاً عن تقديمها لمنح دراسية لطلاب دول الساحل بالكليات العسكرية المصرية، إضافة إلى التدريبات التي تستهدف تطوير القدرات الأمنية لهذه الدول.

أيضاً، فقد أشار تقرير صادر عن موقع “ميدل ايست مونيتور” أن الدولة المصرية قد أرسلت مندوبين من مركز “القاهرة الدولي لحل المنازعات وحفظ السلام”  لنقل الخبرات المصرية لدول الساحل الإفريقي في مواجهة التهديدات الإرهابية، وقد تلقت مصر عدة طلبات من قبل دول الساحل – منها نيجيريا- لتقديم الدعم لها في مكافحة الإرهاب، ولمواجهة أي دعم تركي “مشبوه” للجماعات المتطرفة.

كذلك، فقد شهدت الفترة الأخيرة زيارات بين وفود أمنية رفيعة المستوى بين مصر ودول الساحل الإفريقي –منها تشاد والنيجر-، وذلك في إطار التعاون المصري مع هذه الدول لرفع مستوى أجهزتها الأمنية والعسكرية، وتقديم الدعم الفني للقوات المسلحة لدول هذه المنطقة، ودعمها في مواجهة التنظيمات الإرهابية، خاصةً في ظل التقارير التي تشير إلى إتجاه هذه التنظيمات إلى تكثيف أنشطتها وتوسيع نطاق انتشارها في الفترة المقبلة.

دعم دولي للدور المصري:

يحظى التحرك المصري نحو دول الساحل، بدعم أوروبي، خاصةً من فرنسا وألمانيا، ففي ظل تصاعد النشاط الأرهابي في منطقة الساحل الإفريقي، واتساع رقعة انتشار هذه الجماعات، باتت الاستراتيجية الدولية والأوروبية تواجه تحديات وإشكاليات كبرى في مكافحة هذا النشاط الإرهابي، ومن ثم برز أهمية الدور المصري في نقل خبراتها إلى دول هذه المنطقة، خاصةً في إطار توجه الشركاء الدوليين إلى تقليص الإنخراط المباشر في هذه المنطقة خلال الفترة المقبلة، مع تخوفات بشأن أن يتمخض عن ذلك تصاعد النشاط الإرهابي في المنطقة.

لذا، فثمة دعم دولي وأممي لتعزيز الدور المصري في منطقة الساحل الإفريقي وغربها، إدراكاً لمحورية الخبر والدور المصري في مواجهة التهديدات الإرهابية في هذه المنطقة، فضلاً عن الموثوقية المرتفعة التي تحظى بها مصر في علاقاتها الخارجية، في ظل استراتيجية مصرية ثابتة لا تستهدف التدخل في الشئون الداخلية للدول، أو استغلال ثرواتها لصالحها، بل تستند الرؤية المصرية على تعزيز التعاون المشترك بين الدول ومجابهة التحديات العابر للأقاليم، وهو ما يفسر الدعم الأوروبي والأممي للدور المصري في منطقة الساحل، في ظل التهديدات المشتركة، ومحاولة حلحل الأزمة الأمنية وتعزيز الاستقرار السياسي والأمني ومواجهة الإرهاب داخل منطقة الساحل والصحراء، والحيلولة دون تغلغل أطراف أخرى تستهدف إثارة الأزمات الأمنية والإقتصادية لخدمة أجندتها وأطماعها في المنطقة.

تعزيز شبكة العلاقات المصرية في منطقة الساحل:

وعلى صعيد التعاون الثنائي بين مصر ودول الساحل الإفريقي، فهناك نمو واضح في تعاون الدولة المصرية الدول الأفريقية بشكل عام، ودول الساحل الإفريقي وغرب القارة بشكل خاص، وهو ما بات يمثل ركيزة أساسية لسياسة مصر الخارجية، فقد أستقبل الرئيس السيسي، في الرابع من مارس الجاري، رئيس غينيا بيساو “أومارو سيسوكو إمبالو” في قصر الاتحاد، حيث ناقشا التعاون الاقتصادي والعسكري والأمني بين البلدين.

كذلك، ثمة زخم واضح في العلاقات المصرية – السنغالية، وهو ما تعكسه التحركات الحثيثة التي تقوم بها الدولة المصرية لتوطيد العلاقات مع داكار، وذلك عبر القيام باستثمارات جديدة واسعة هناك، في ظل الأهمية الخاصة التي تمثلها السنغال باعتبارها بوابة غرب إفريقيا، وهو ما أشار إليه التقرير الذي نشره موقع “المونيتور” الأمريكي، والذي تناول بعضاً من أوجه التعاون الثنائي المتنامية بين القاهرة وداكار، منها مشاريع المياه والصرف الصحي، إلى جانب تعزيز التبادل التجاري الثنائي على مستوى المنسوجات ومعدات البناء والسجاد والأثاث المنزلي وتعزيز الاستثمارات المصرية في قطاعي السياحة والطاقة الشمسية والنقل الجوي.

وفيما يتعلق بالعلاقات المصرية بنيجريا، فهي الأخرى تشهد تنامي واضح على خاصةً على الصعيد الاقتصادي الأمني، حيث تلقى الرئيس “عبد الفتاح السيسى” فى 27 يناير الماضى، رسالة من نظيره النيجيرى “محمد بخارى” تضمنت طلبا رسميا من نيجيريا للتعاون مع مصر فى المجالات الأمنية، وخاصة مكافحة الإرهاب من خلال تنظيم دورات تدريبية وتبادل الخبرات الفنية، فضلاً عن تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة، وكيفية الاستفادة من دور مصر فى دعم مشروعات البنية التحتية فى نيجيريا، وخاصة الطرق وتوليد الطاقة.

وقد شهدت العلاقات المصرية – النيجيرية تصاعداً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، تشمل عدة مجالات، أبرزها المجال الأمني، حيث تقدم مصر الدعم لنيجيريا فى حربها ضد تنظيم بوكو حرام المتطرف، في ظل اتهامات للنظام التركى بدعم جماعة “بوكو حرام” الإرهابية فى نيجيريا، وكانت الأخيرة قد فتحت تحقيقا بعد اعتراض شحنة أسلحة غير مشروعة قادمة من تركيا فى عام 2019، لذا فقد أنشأت القاهرة مركز إقليمى لمكافحة الإرهاب لمجتمع دول الساحل والصحراء، والذى تتلقى نيجيريا من خلاله دعما أمنيا من خلال تدريب قواتها على كيفية مكافحة الإرهاب وتعقب الجماعات المتطرف، ويضاف لذلك التعاون الاقتصادي بين البلدين عبر مساهمة الشركات المصرية فى مشاريع البنية التحتية، والاستثمار في مشاريع التكنولوجيا والإتصالات.

أما موريتانيا، فالعلاقات بين القاهرة ونواكشوط لها طابعاً خاصاً، فهي لم تشهد هبوطاً منذ ستينيات القرن الماضي، لكنها باتت تشهد مزيداً من الزخم في السنوات الأخيرة، في ظل التعاون الاقتصادي المتنامي بين البلدين، عبر الشركات المصرية التي تقوم بتنفيذ مشروعات كبرى في موريتانيا، وثمة اتجاهاً لإنشاء اول مجلس مشترك لرجال الأعمال المصريين والموريتانيين، وهو ما يرجح تعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين، فضلاً عن وجود المركز الثقافي المصري في نواكشوط، والذي يدعم العلاقات الثقافية بين البلدين، إضافة إلى المنح الدراسية التي تقدمها مصر للطلاب الموريتانيين للدراسة في مصر، مع وجود توجه من قبل عدة جامعات مصرية لإنشاء فروع لها في نواكشوط.

وكذا الأمر بالنسبة لتشاد، فقد أشار التقرير الصادر عن موقع المونيتور Al- Monitor الأمريكي، في 13 مارس الجاري، إلى الجهود التي تقوم بها مصر لتعزيز التعاون مع تشاد، فقد أعلنت القاهرة في 10 مارس الجاري عن التحضير لتوقيع اتفاقية مشتركة مع ليبيا وتشاد، وذلك لإنشاء طريق جديد يربط بين القاهرة وطرابلس ونجامينا، وهو ما سيفتح الباب أمام المنتجات التشادية للدخول إلى السوق المصري. وفي وقت سابق من الشهر الجاري، أعلنت وزيرة الصحة ” هالة زايد” أن الدولة المصرية قدمت مساعدات طبية إلى تشاد لدعمها في مواجهة أزمة كورونا، فضلاً عن انشاء مستشفيات ميدانية، ومنح دورات تدريبية للأخصائيين التشاد في المستفيات المصرية.

بين الاستمرارية والتغير:

لطالما عكست التحركات التركية المستمرة في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل عن أجندة واضحة تستهدف تهديد المصالح المصرية، عبر محاولة تطويق الدولة المصرية بحزام أمني يمتد من البحر الأحمر (والذي تمثله القاعدة التركية في الصومال)، مروراً بالبحر المتوسط والتغلغل التركي في سوريا والعراق وليبيا، ووصولاً لمنطقة الساحل والصحراء وغرب إفريقيا. بيد أن هذه التحركات التركية قابلها إنتباها واضحاً من قبل الدولة المصرية، ومن ثم كثفت القاهرة من جهودها في استعادة دورها القيادي في القارة الإفريقية بشكل عام، ومنطقة الساحل والصحراء بشكل خاص لدعم ومساندة دول القارة في الأزمات الحادة التي تعاني منها.

لكن، في ظل التغير الراهن في الموقف التركي، ومحاولات أنقرة التقارب مع القاهرة، تبقى التساؤلات قائمة بشأن التداعيات المحتملة للموقف التركي الراهن على تنافسية الدور والنفوذ في منطقة الساحل والصحراء، ومن ثم يمكن وضع عدد من السيناريوهات المحتملة للموقف التركي في الساحل الإفريقي، وذلك حال إلتزام تركيا بتغيير موقفها فعليا، على النحو التالي:

السيناريو الأول: الاستمرارية: فوفقاً لهذا السيناريو، ربما لا تنعكس أي تغييرات في الموقف التركي تجاه مصر على تحركات الأولى في منطقة الساحل الإفريقي، في ظل مصالح أنقرة في هذه المنطقة، ورغبتها في توسيع نفوذها هناك، نظراً للمصالح الاقتصادية والجيواستراتيجية التي تعود على أنقرة من توسعها في منطقة الساحل والصحراء.

السيناريو الثاني: تغير نسبي: من ناحية أخرى، ربما تستمر التحركات التركية في منطقة الساحل الإفريقي، ومحاولة تعزيز نفوذ أنقرة هناك، لكن ربما يحدث تغيير نسبي في الآليات التي تنتهجها تركيا، من خلال تخلي أنقرة عن دعمها للجماعات الإرهابية في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، خاصةً في ظل الضغوطات الأمريكية والأوروبية على تركيا بسبب هذا الملف.

السيناريو الثالث: تعاون مشترك: يمكن أن يدفع التقارب التركي المصري – حال ألتزام تركيا- إلى تعزيز التعاون المشترك بين البلدين في منطقة الساحل الإفريقي، والعمل على تحقيق المصالح المشتركة، عبر شاراكات أوسع في هذه المنطقة، لكن يبقى هذا السيناريو أكثر تفاؤلاً، ومن ثم يصعب ترجيحه على الأقل في المدى القريب والمتوسط.

في النهاية، تبقى محاولات تركيا للتقارب مع مصر في مهدها، ومن ثم لا يزال هناك حالة من عدم اليقين بشأن الموقف التركي في الوقت الراهن، لكن في المقابل هناك استمرارية للتحركات المصرية لتعزيز التعاون مع دول الساحل الإفريقي في كافة المجالات، ومن ثم ففي كافة الحالات يرجح أن تستمر الدولة المصرية في تعزيز نفوذها واستعادة دورها التقليدي في هذه المنطقة والقارة الإفريقية ككل.

المراجع :

  • أحمد عسكر، التمدد التركي في الساحل والصحراء وغرب أفريقيا: الدوافع والتداعيات، مركز الإمارات للسياسات، 24 أغسطس 2020.
  • ماحقيقة سعي تركيا لإقامة قواعد عسكرية في ليبيا وافريقيا، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب و الإستخبارات، يونيو 26, 2020.
  • A thaw in Turkey’s relations with Egypt, Al – Monitor, March 12, 2021.
  • David Whitehouse, France’s Coface favours Egypt to lead Africa’s economic recovery, The Africa Report, 2 March 2021.
  • George Mikhail, Nigeria deepens security ties with Egypt to battle Boko Haram, Al – Monitor, Feb 8, 2021.
  • Khalid Hassan, Egypt seeks to block Turkish influence in Chad, Al – Monitor, March 13, 2021.
  • Is Turkey challenging Egyptian influence in Guinea-Bissau, Al- Monitor, Mar 9, 2021.
  • Khalid Hassan, Egypt seeks to bypass Turkish presence in Senegal, Al- Monitor, Jan 12, 2021.
  • Levent Kenez, South Africa’s ruling ANC signs MOU with Erdoğan’s Islamist party in Turkey, The Nordic Monitor, 27 august 2019.
  • Mohamed AG ISMAIL, Turkish expansion in West Africa, French Center for International Policy Research and Analysis, Feb 15, 2021.
  • Nordic Monitor, Turkey seeks to improve defense industry cooperation with Sudan, February 17, 2020.
  • Sarah El-Sheikh, Egypt can play significant role in Sahel counterterrorism: Pundits, Daily News, February 22, 2021.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى