منافسة حادة: إلى أين ينتهي سباق الجينات الوراثية بين واشنطن وبكين؟

رضوى صقر

تستحوذ قضايا النزاع التجاري والاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين على اهتمامات الدراسات الأكاديمية، أو كذلك على مستوى الأخبار والمتابعات اليومية، فخلال فترة الرئيس الأمريكي الاسبق ” دونالد ترامب ” صعدت هذه القضية للواجهة و تزايدت حدة مع اتهام واشنطن للصين أنها مسئولة عن انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19)، والذي أضر بالولايات المتحدة بصورة كبيرة، حيث تظل هي الدولة الأعلى ارتفاعاً في أعداد الوفيات الناجمة عن هذه الفيروس حتى الآن. وبرغم أهمية قضايا النزاع التجاري بين واشنطن وبكين، والذي وُصف”بالحرب التجارية”إلا أن جوهر التنافس بين البلدين يمتد لقضايا أخرى لم تحظى بالقدر الكافي من المتابعة من المراكز البحثية ووسائل الإعلام المختلفة، فمسائل مثل مصير العنصر البشري، وعلم الوراثة، واستخدامات هذا العلم في المجالات السلمية والعسكرية، تشكل أحد أبرز محطات المنافسة بين القوى الكبرى في الوقت الراهن، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، فمن سينجح في الوصول للريادة في هذا العلم الحديث، سيحوذ قمة النظام الدولي خلال السنوات والعقود القادمة.

لذلك نتابع هذه الأيام دعوات أمريكية متزايدة لقيام الرئيس جوزيف بايدن والإدارة الجديدة باتخاذ خطوات حاسمة نحو منع الصين من الحصول على البيانات والمعلومات الخاصة بالتكوينات الجينية، بالإضافة إلى وضع استراتيجية متكاملة لمواجهة الأطماع الصينية في ذلك المجال، وعدم إهمال الاهتمام بذلك البُعد من النزاع بين البلدين لصالح الجوانب السياسية أو الاقتصادية، الأمر الذي ينذر بتزايد الانقسام الدولي بين القوتين وتضييق مجالات المناورة في ضوء القدرات الاقتصادية والاستثمارية للدولتين، خاصة أنه يتوقع عدم قيام الرئيس بايدن بالتراجع عن السياسة العدائية تجاه الصين وإنما إدخال تعديلات عليها في ضوء كتابات كل من وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الرئيس للأمن القومي على موقعي “Foreign Policy”[i]، و”Foreign Affairs”[ii].

 حرب جينية بين القوى العظمى:

أطلق الجيش الصيني في عام 2016، خطته الاستراتيجية الخمسية والتي أكدت في أحد جوانبها على أهمية التعاون والتكامل المدني العسكري في مجال الأبحاث الجينية، كما عمدت الصين إلى أنشاء البنك الوطني للجينات، بالإضافة إلى التعاون والتواصل مع الشركات والمعامل والمستشفيات الأمريكية التي ساعدت على حصول الصين على كمٍ هائلٍ من المعلومات الجينية والبيولوجية، مما يهدد التوازن في القوى بين الصين والولايات المتحدة؛ خاصة أن الصين تنظر للولايات المتحدة كقوة تسعى لمنع صعود أي قوى دولية أخرى.

على الجانب الأخر ، ازدادت الشكوك حول توجه الصين نحو الحرب البيولوجية في ضوء الاتهامات الموجهة للصين من جانب الولايات المتحدة بمسئولية الأولى عن انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19) من خلال مختبراتها بمعمل ووهان لدراسة الفيروسات، وفي هذا الإطار، قام أحد المحامين الأمريكيين برفع دعوى قضائية ضد عدة جهات بحثية وعسكرية صينية باعتبار أن الصين هي المسئولة عن انتشار الجائحة، مستندًا في ادعاءه إلى أحد تصريحات الرئيس الصيني بأنه أكد على أن أهمية التحكم في منع انتشار فيروس كورونا المستجد وأن تأمين المعامل البحثية يعتبر مسألة أمن القومي، وبالتالي يرى المحامي الأمريكي أن ذلك يعتبر دليلا على تطوير فيروس كورونا في معامل معهد ووهان[iii].

من ناحية أخرى، تتهم الصين الولايات المتحدة بمسئوليتها عن انتشار الجائحة سواء من خلال قيام الجيش الأمريكي باستهداف الصين من خلال نشر الفيروس في ووهان، أو عبر الرياضيين الأمريكيين الذين شاركوا في البطولة العالمية العسكرية السابعة للألعاب في ووهان والتي أُقيمت قبل حوالي ثلاثة أشهر من انتشار الفيروس في ووهان، وقد تم تعزيز ذلك الخطاب من خلال تطبيق WeChat الذي تسيطر عليه السلطات الصينية، ومن خلال الخطاب الرسمي الصيني في مقابل إطلاق إدارة الرئيس السابق ترامب لفظ “الفيروس الصيني” على الجائحة[iv].

الصراع على السيطرة:

يُعتبر النزاع والتنافس حول المعلومات الخاصة بتكوينات الحمض النووي البشري، وما يستتبعه الاطلاع على تلك المعلومات من قدرة على إحداث التعديلات الجينية، أحد أوجه التنافس بين الجانبين الصيني والأمريكي التي تصاعدت حدة الاهتمام بها عقب انتشار جائحة كورونا؛ حيث ازدادت المخاوف الأمريكية من قدرة الصين على النفاذ إلى قواعد البيانات الأمريكية الخاصة بالحمض النووي، وبالتالي سيطرة الصين على مثل تلك البيانات ليس فقط بالنسبة لسكانها الذين يقارب تعدادهم المليار ونصف مليون نسمة، وإنما أيضًا بالنسبة لسكان دول أخرى، مع إمكانية استغلال تلك البيانات الهائلة لتطوير آليات وعملاء معدلين بيولوجيًا Biological Agents يعملون على إيذاء و أشخاص بذوي تكوينات جينية محددة[v].

تزايدت المخاوف من قدرات الصين في مجال التعديل الجيني عندما أعلن الطبيب الصيني هيه جيانكوي في أكتوبر 2018 عن نجاح تجربته في تعديل الحمض النووي للفتاتين التوأم “لولو، ونانا” من خلال التعديل الجيني لهما كأجنة لإكسابهما مناعة من الإصابة بفيروس نفص المناعة المكتسب “الإيدز” الذي كان والدهما مصابًا به[vi].في هذا الإطار، تشير الدراسات والتطورات العلمية إلى ابتكار تكنولوجيا التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة منتظمة التباعد  Clustered Regularly Interspaced Short Palindromic Repeats التي تعمل باعتبارها مقصًا يستهدف أجزاء محددة من الحمض النووي سواء للبشر أو الحيوانات أو حتى الفيروسات بهدف تعديل الحمض النووي سواء بالإضافة أو الحذف، الأمر الذي فتح الباب أمام تصاعد الاهتمام بالحروب البيولوجية، من خلال استخدام مثل تلك الابتكارات لتطوير أسلحة بيولوجية[vii].

تكمن خطورة تلك التقنية في كونها تقنية رخيصة وسهلة تستهدف التكوين الجيني في الخلية البشرية أو الحيوانية، وبالتالي فإن تفوق الصين في تلك التقنية ينذر بتهديدات خطيرة على مستوى العلاقات الدولية في ضوء اعتبار السلاح البيولوجي سلاحًا من أسلحة الدمار الشامل، التي يمكن لكثير من دول العالم أن تصل إليه، بل وصلت بعض الجماعات المسلحة في بعض مناطق النزاعات في الشرق الأوسط وغيرها لبعض التكوينات الجيولوجية كالغازات السامة وغيرها، وتم استخدامها دون مسئولية دولية على استخدام هذه الأسلحة المحرمة دولياً.

طفرات الحرب البيولوجية القادمة:

على الرغم من أن استخدام أدوات الحرب البيولوجية يعتبر جزءًا من التاريخ الإنساني على مر العصور بدءًا من استخدام الحراب والسيوف والأسهم السامة، ووصولاً إلى استخدام أوبئة الطاعون، والجمرة الخبيثة، والجدري، إلا أنها جميعًا تعتبر أسلحة يستطيع البشر التعامل معها، وتستطيع الدول تجنبها أو علاجها من خلال العقاقير والأمصال واللقاحات، إلا أن الحال الآن يختلف عما سبق من حيث خطورة استخدام الأسلحة البيولوجية التي تعتمد على التعديل الجيني وذلك في[viii]في ظل التطور العلمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم، حيث أصبحت معظم الدول تمتلك شركات ومعامل ومراكز أبحاث خاصة بأبحاث ودراسات الجينات والحمض النووي، والتي تسعى إلى اكتشاف العلاج للأمراض المختلفة التي تعتمد في الإصابة بها على العامل الجيني، إلا أن مثل تلك المختبرات والمنشآت يمكن تحويلها بسهولة إلى منشآت لإنتاج الأسلحة البيولوجية من خلال التعديلات الجينية، كذلك القدرة على استحداث كائنات معدلة جينيًا تَفُوق قدرات الكائنات المناظرة لها أضعاف المرات، مع إمكانية السيطرة عليها واستغلالها لتهديد القوى والدول المُعادية.

تداعيات مختلفة الأبعاد:

تتعدد جوانب ومجالات تداعيات الصراع في ذلك المجال حيث يتعلق في شق منه بإثارة جدليات أخلاقية ودينية حول إمكانية استخدام آليات تعديل المكون الجيني بعيدًا عن مجالات علاج وتفادي الأمراض والإصابة بها، كما يؤكد ذلك الصراع على ضعف الأطر الدولية والإقليمية وعدم قدرتها على كبح مطامع الدول في ذلك المجال، مما يساعد على تعزيز الشعور بضعف الثقة في قدرات المنظمات الدولية لمنع التهديدات التي تواجه البشرية بأسرها، خاصة بعد الإخفاقات والانتقادات التي تعاني منها منظمة الصحة العالمية إثر انتشار جائحة كورونا على سبيل المثال لا الحصر.

من ناحية أخرى، وفي إطار الصراع بين القوتين الأمريكية والصينية، فإن الخطابات والمواجهات اللفظية والإعلامية بين البلدين سواء على المستوى الرسمي أو غير الرسمي تشير إلى الاعتماد على الأحداث التاريخية التي تثبت تورط كل طرف في إيذاء الطرف الآخر، وبالتالي تعزيز خطاب الكراهية على المستوى الشعبي، بالإضافة إلى انعكاسات ذلك الصراع على قرارات الدول الأخرى النامية والصاعدة التي تسعى للاستفادة من التعاون مع الجانبين، إلا أنها تجد نفسها مضطرة للانحياز إلى طرف دون الآخر فيما يُمكن أن يُطلق عليه حرب باردة جديدة.

[i]Hal Brands And Jake Sullivan, “China Has Two Paths To Global Domination”, Foreign Policy, accessed December 21st, 2020: https://foreignpolicy.com/2020/05/22/china-superpower-two-paths-global-domination-cold-war/.

[ii]Kurt M. Campbell and Jake Sullivan, “Competition Without Catastrophe: How America Can Both Challenge and Coexist With China”, Foreign Affairs, accessed December 21st, 2020: https://www.foreignaffairs.com/articles/china/competition-with-china-without-catastrophe.

[iii]Abhinandan Mishra, “Covid-19 A Biological Weapon, Alleges US Lawyer Who Sued China”, Sunday Guardian, accessed March 7th, 2021: https://www.sundayguardianlive.com/news/covid-19-biological-weapon-alleges-us-lawyer-sued-china.

[iv]Ibid.

[v]Joel Gehrke, “Genetic information is the newest front in US-China great power competition”, The Washington Examiner, accessed March 3rd, 2021: https://www.washingtonexaminer.com/policy/defense-national-security/genetic-information-is-the-newest-front-in-u-s-china-great-power-competition.

[vi]” لولو ونانا: ما مصير التوأم الصيني “المعدل وراثيا”؟”، BBC News عربي، تاريخ الوصول 3 مارس 2021: https://www.bbc.com/arabic/science-and-tech-50657638.

[vii]Kathryn Koonz, “Deepening the Cut: How China’s Genetic Warfare is Affecting International Relations”, Over the Horizon Journal, accessed March 4th, 2021: https://othjournal.com/2020/05/26/deepening-the-cut-how-chinas-genetic-warfare-is-affecting-international-relations/.

[viii]Jan Van Akin, and Edward Hammond, “Genetic engineering and biological weapons”, EMBO Rep. 2003 Jun; 4(Suppl 1): S57–S60, DOI:10.1038/sj.embor.embor860.

تعليق واحد

  1. مقال اكثر من رائع
    متخم بالمعلومات في سياق سرد سلس ومنظم وفي مستوى القارئ المعتاد غير المتخصص
    تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى