كلمات الدم: متى تستخدم جماعة الإخوان الإرهابية أناشيدها المفخخة؟

 

اعتمدت جماعة الإخوان الإرهابية منذ عشرينيات القرن الماضي على الأناشيد الجهادية لتأجيج مشاعر المنتمين إليها، واللعب على أوتار المشاعر لاستقطاب مراهقين وشباب جدد. ففي الوقت الذي تحرم فيه تلك الجماعة وأخواتها كل أنواع الفنون، التي على رأسها الغناء والموسيقى، نجد أنهم يبيحونها لتوظيفها لخدمة أيديولوجيتهم.

ورغم أن استخدامات الجماعة لأناشيدها قبل ثورة 30 يونيو 2013 كانت ترتبط بمستوى المحن التي مرت بها، إلا أنه تلاحظ منذ ذلك التاريخ الترويج المستمر والدائم لتلك الأناشيد، وتجديد كلماتها، ليس فقط على صفحات الانترنت، بل خلال فواصل البرامج التي تبثها عبر فضائياتها المعادية للدولة المصرية. وطالما أن جماعة الإخوان تلجأ لتلك الأناشيد من أجل دعم الكراهية والرغبة في الانتقام- يبقى السؤال: متى تستخدم جماعة الإخوان الإرهابية أناشيدها المفخخة؟، وما هي أوقات أتساع تلك الظاهرة، ووسائل استخدامها في الفترة الأخيرة؟.

تناقض أيديولوجى:

لقد خلت أدبيات المرشد الأول للجماعة “حسن البنا” من رؤية واضحة حول الفن، فمن أقواله إن “الفن ليس سبيلا لإصلاح الأمة، إنما الدين هو السبيل”. لقد كانت جماعة الإخوان أول من وضعت الإنشودة الجهادية ضمن فاعليتهم، حيث كلف حسن البنا “أحمد حسن الباقورى” بكتابة أول نشيد إخوانى، حينما شعر أن الإنشاد ربما يخدم أهداف الجماعة. تأسيسا على ما سبق، يطرح قدم العلاقة بين استخدام الجماعة لأناشيدها وأهدافها، عدة تساؤلات لعل أهمها: ما هي مراحل تطور فكر الجماعة تجاه الإنشاد والغناء منذ نشأتها؟، وكيف خدم الإنشاد أهداف الجماعة؟، وما حجم إنتاج الجماعة من الإنشاد والأغانى الإخوانية، خاصة بعد سقوطها في 30 يونيه؟.

أناشيد مفخخة:

وعت عناصر الإخوان بأهمية الفنون لخدمة مصالح الجماعة، فعملوا على تأسيس لجنة فنية خاصة فى كل شعبة داخل التنظيم، تختص بتدريب عناصر الجماعة المؤهليين، لتقديم فقرات إنشاد فى تجمعاتهم، سواء معسكرات أو اجتماعات أو أفراح أو تظاهرات، هذه اللجان تمخض عنها عشرات الفرق الإنشادية كفرقة النور، وفرقة أمواج، وفرقة اليرموك، وفرقة الرواد التى تخصصت فى الإنشاد للأطفال. وعليه، يمكن القول إن الفرد الإخوانى يتربى منذ نعومة أظافره على سماع الأناشيد التى تحث على الجهاد والأستشهاد فى سبيل الفكرة الإخوانية، فيتشبع وجدانه بهذه الأفكار لينتج شاب على استعداد لتنفيذ أمر بتفجير نفسه بكل أريحية.

“لبيك إسلام البطولة” الإنشودة الإخوانية الأكثر تداول فى أروقة الجماعة، وهى الأكثر دموية على الإطلاق بين أناشيد الإخوان، والأكثر مشاهدة على اليوتيوب، تخطى عدد المشاهدات لها أكثر من 3 مليون مشاهدة، وكلماتها تعد تعبير عن أفكار الجماعة الذي يفوح منه الدماء. وقد استخدمها الإخوان بكثافة على منصة إعتصام رابعة الإرهابى، لشحن مشاعر المعتصمين ورفع الحماسة لديهم للبقاء في الاعتصام المسلح، لاستخدامهم كدروع بشرية لصناعة مظلومية بعد ذلك.

من الجدير بالذكر، أن الأنشودة الأكثر تداولاً، استخدمت أيضا فى مؤتمر أعده الإخوان، لدعم سوريا إبان حكم المعزول محمد مرسي، الذى حضره ألاف من أعضاء الجماعة وأخواتها، والكثير من أعضاء الجماعات التكفيرية، مما يوحى بالطريق المظلم التى كانت تسير فيه الدولة المصرية في تلك الفترة، كما استخدمت الأناشيد الجهادية فى المدارس الإخوانية، فى الفترة التى حكم فيها الإخوان مصر.

عشرة أناشيد إخوانية:

برصد كلمات أناشيد الإخوان نجدهم يستخدمون كلمات تمجد “الموت والقتل” بمعدلات كبيرة. فالكلمات التى تعبر عن “الألم والعذاب” تتكرر بواقع 6 مرات فى الإنشودة الواحدة، مما يعكس الإلحاح على النفس بالشعور بالظلم، وتحفيز الرغبة فى الانتقام. كما تتردد كلمات مثل”دموع الثكالى وجحيم القيود”، التى تلعب على مشاعر أمهات المجاهدين، مما يفسر دفع بعض أمهات الإخوان لأبنائهم للقيام بأعمال عنف، أو تفجير أنفسهم، الذي ينتهي بانتحارهم أو وضعهم في السجون بالقانون، دون أن تعتصر قلوبهن على أبنائهن. فالمناخ النفسي، الذي تعيش فيه الأم الإخوانية، يجعلها أكثر قسوة عن مثيلاتها من الأمهات.

وما يبرر أيضا أن الإنشاد الإخواني يعتمد على إشعال مشاعر الحزن والغضب، ومحاولة تأجيجها طوال الوقت، هو تتكرر الكلمات المؤثرة في عناصرهم، مثل كلمات “نسحق ونبيد وندك”، بواقع 8 مرات فى الأنشودة الواحدة، حيث يسمعها الانتحاري قبل القيام بأي عملية. واللافت أن الأناشيد الإخوانية تبتعد تماما عن إعلاء الروحانيات فى النفس، كما المعتاد فى الإنشاد الدينى، فكلمات(الله ،الرحمن ،الخالق) وغيرها من أسماء الخالق المقدسة، التى تبعث فى النفس الطمأنينة، جاءت فى المرتبة الأخيرة فى معدل تكرارها فى الأناشيد الإخوانية، وربما لم ترد مطلقا فى بعض الأناشيد.

نقلة فى طبيعة الأغاني المستخدمة:

برصد سلوك الإخوان فى الفترات الأخيرة، نجد الجماعة الإرهابية جنحت في استخدام الموسيقى والأغانى، ذات الإيقاع السريع التي كانوا يحرمونها فى أوقات سابقة، على القنوات التابعة للتنظيم التى تبث من تركيا. فقد لجأت الجماعة إلى بث أغانى لمغنيين من توجهات مناهضة تماما لأفكار الجماعة مثل “محمد منير وعلى الحجار”، مصحوبة بصور لحوادث أو أزمات لخدمة أهدافهم.

 الواضح أن الجماعة تسعى بشتى الوسائل لحدوث فوضي وعدم استقرار يرفضهما الشعب المصري، لدرجة استخدامهم للأغاني والأشعار الوطنية التي تعتبر ضد أيديولوجيتهم، ومنها الأغاني التي غنت فى مناسبات  وطنية مثل أشعار للأبنودى وغيره، الذين كانوا يرفضون تلك الجماعة وأفعالها منذ نشأتها. بالتالي، يمكن القول إن استخدام الجماعة تلك الأناشيد الوطنية، يعبر عن سيطرة البرجماتية على أفعال الجماعة طول الوقت من منطلق مبدأ ” الغاية تبرر الوسيلة”.

بالمسح الشامل لقنوات الجماعة ومواقعها الإلكترونية وصفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي تبين أن إنتاج الجماعة من أغاني وأناشيد إخوانية، شهد رواجاً بعد سقوط الجماعة فى 30 يونيو عام 2013، حيث أنتجت شركات تابعة للتنظيم ما يزيد على 300 أغنية، منهم أكثر من 18 أغنية عن رابعة، تباكوا فيها من أجل تشويه صورة مصر في الخارج. كما انتحت الجماعة ما يقرب من 20 أغنية عن المعزول محمد مرسي، بالإضافة إلى أكثر من 20 أغنية أخرى عن حسن البنا. الملاحظ أن بعض هذه الأغاني تم ترجمتها إلى عدة لغات، وأنتجت بأيدي إخوانية من شعراء ومؤديين وشركات إنتاج تابعة لهم، أهمها شركة الصحوة والبدر وغيرها.

لقد وصل عدد المنشديين المروجين لأفكار الجماعة أكثر من 200 منشد من كافة الدول منهم أبوأسيد وأبوأنس وأبو ثابت وأبو حذيفه، ويعد “رامى محمد” أهم منشد تابع للتنظيم، حيث تحقق أناشيده أعلى معدل استماع ومشاهدة على اليوتيوب، فهو يوظف موهبته الصوتية للترويج لمظلومية الجماعة، ليؤثر على شريحة من الشباب من خارج التنظيم. فعلى الرغم من إدعائه- رامي محمد- أنه ليس من الجماعة، فإن أغلب أغانيه تخدم أهدافها، وتروج لها شبكاتها الإلكترونية ومواقع تابعة للتنظيم. ويبلغ عدد الفرق الإخوانية أكثر من 50 فرقة، والملاحظ أنهم يطلقون على أنفسهم ألقاب لجهاديين، فى محاولة لصناعة مناخ جهادى طوال الوقت، والتأهب للقتال لدى أتباع التنظيم.

في النهاية يمكن القول، إن أناشيد الإخوان خلال الفترة التي تلت ثورة 30 يونيو ربما تكون حققت جزء من أهدافها فى الحث على ارتكاب العنف ضد مؤسسات الدولة في ذلك الوقت، بل ربما ساعدت في تهيئة عناصرها للعزلة النفسية عن المجتمع، واستقطاب مراهقين وشباب جدد، وتجميل صورة المتطرفين، وإضفاء طابع دينى على جرائمهم. فأنشودة (غرباء) لسيد قطب، أسهمت فى انضمام كثير من الشباب لصفوف “القاعدة وداعش”، وعلى الرغم من إن أناشيد الإخوان محظور تداولها فى الأسواق، إلا أنها تروج دون قيود على اليوتيوب، ولا تخضع لقواعد حجب المحتوى المتطرف.

 

 

 

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في القانون الدولي. - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - خبيرة في شئون الحركات الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى