فيما تفكر الأطراف: ماذا بعد ضربة أمريكا لسوريا في فبراير الماضي؟ 

رغم أن التصريحات العديدة التى أدلى بها الرئيس الأمريكي جو بايدن حول منطقة الشرق الأوسط، لم تضمن أية إشارة واضحة إلى سوريا، إلا أن ترتيبات البيت الأبيض من الداخل كانت تخفي ضمن كواليسها مكانة خاصة للملف السوري في السياسة الأمريكية الجديدة، ولعل الضربة الأمريكية الأخيرة في نهاية فبراير الماضي لمواقع موالية لإيران على الحدود السورية تكشف وبجلاء عما يدور فى تلك الكواليس.

والحقيقة، يمكن القول بوجود توجس سوري من هذا الموقف الأمريكي الغامض، لا سيما وأن إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب لم تمتلك على مدى سنوات حكمها خطة واضحة حيال سوريا، وعكفت على إدارة الصراع بدلاً من حسمه أو حتى إجبار الأطراف على الدخول في مفاوضات جدية تفضي في نهاية المطاف إلى حل سياسي عادل وشامل. ولعل هذا التوجس، مرده إلى مقارنة “السياسة البايدنية” بسياسة عرابه وصديقه المقرب الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي دعم التحركات المعارضة للدولة السورية معنوياً بتصريحات عامة حيناً وضبابية في أحيان أخرى، أدت في المحصلة إلى وصول الأزمة إلى هذه المرحلة.

ولعل انتظار صناع القرار في البيت الأبيض لرؤية شاملة حول سوريا، دفعهم إلى نصح بايدن بإسقاط سوريا من معادلات خطابه حتى تنضج تلك الرؤية المنتظرة، والتي من المفترض أن يكون معنياً بها تحديداً، منسق السياسة الأمريكية الجديد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بريت ماكورك.

ومن جانبها، فلم تسمح إسرائيل لإيران بعد بتنفس الصعداء في سوريا، ودأبت على تكثيف ضرباتها الجوية على معسكرات مليشيات إيرانية في سوريا خصوصاً في الآونة الأخيرة، كما أنها تستعد فى الوقت ذاته لإيفاد رئيس الموساد كوهين مجدداً إلى واشنطن، بغية إطلاع الجانب الأمريكي على هدف تل أبيب المنشود في سوريا، والمتمثل في حرمان طهران من التموضع على حدودها الشمالية، وطرد جميع العناصر المسلحة الموالية لحكومة طهران في سوريا خلالأسرع وقت ممكن.

وعلى أية حال فإن الإطلالة السورية ستأتي من بوّابة “قانون قيصر” الذي تبنّته الإدارة الأمريكية السابقة، وهو القانون الذي ينصّ على فرض عقوبات متنوعة على شخصيات وكيانات وشركات تابعة للنظام السوري، وتؤكد إدارة بايدن أنها لن تتهاون في تطبيق هذا القانون مع الحفاظ على المسار الدبلوماسي لإنهاء الأزمة السورية، وتسهيل العمل الإنساني والإغاثي هناك، وصولا إلى حل سلمي في البلاد، فى الوقت الذي يتّجه فيه فريق عمل قيصر إلى توسيع رقعة القانون من أجل تضييق الخناق على النظام ورئيسه بشار الأسد، فضلا عن ذلك، فقد آل فريق عمل قيصر على نفسه من أجل تقديم قانون جديد تحت مسمى قيصر -2 إلى الكونجرس الأمريكي بهدف تضييق طرق النظام السورى الخاصة بدفع رواتب عناصر الجيش النظامي هناك وتأمين السلاح له، وذلك لوقف عملياته العسكرية ضد المدنيين.

والحق، فقد تمكّن السوريون بعد مضي أكثر من تسع سنوات على بدء الحرب، من الحصول على دعم الولايات المتحدة لمساعدتهم على محاكمة مجرمي الحرب الذين ارتكبوا المجازر والفظاعات بحق المدنيين، وكان ذلك سببا في صدور ما بات يُعرف “بقانون قيصر” الأمريكي، نسبة إلى مصوّر كان يعمل في الشرطة العسكرية السورية، قام بتوثيق صور ما لا يقل عن 56 ألف ضحية.

ويجب أن يدرك الشعب الأمريكي والكونجرس والحزبان الجمهوري والديمقراطي، عدم انتهاء الحرب سوريا بعد؛ لأن المجازر التي يرتكبها النظام السوري بحق الشعب لا تزال قائمة، الأمر الذي يفرض على إدارة بايدن ضرورة التحرك سريعاً لوقف هذه المجازر، حماية لمصالحها الاستراتيجية ومصالح حلفائها التي ستكون في خطر حال عودة “داعش” إلى الساحة السورية وإحكام قبضة إيران على الملف السورى”.

مرتكزات وخيارات بايدن بشأن الملف السوري:

والحق، فإنه من المتوقع أن ينطلق الرئيس بايدن في تعاطيه مع الملف السوري، من أربعة مرتكزات رئيسية، أما أول هذه المرتكزات فيتمثل في العودة لدعم الأكراد شرقي الفرات بشكل أكبر من سلفه ترامب، أما ثانيها، فيتمثل في ملف التواجد العسكري الأمريكي والموقف منه، بينما ثالثها، فيتعلقبمواصلة الحرب على الإرهاب، أما رابعها فهو الموقف من الاتفاق النووي الذي سيحدد كثيراً من معالم السياسة الأمريكية في سوريا.

وفى سعيه لبسط الهيمنة الأمريكية على الملف السوري، قد يلجأ الرئيس الأمريكي الجديد إلى الحيلولة دون تواصل التوغل والسيطرة الروسية على الوضع الكامل في سوريا، بعد ما أحرزته روسيا من تقدم هناك، واستمرار احتفاظها بقاعدتين عسكريتين في سوريا، ومن ثمّ فلن تسمح واشنطن في الفترة المقبلة بأن تكون اليد العليا لموسكو في إدارة الأمور في الملف السوري”، ولعل تجدد دعم واشنطن القوي للأكراد في سوريا، بدفع عدد من القوات الأمريكية للاستعاضة بهم عن ألفين من الجنود الأمريكيين، تم سحبهم في عهد ترامب”، يصب فى هذا الاتجاه.

والحق فإن بايدن لطالما أنه لا يحمل فى حقيبته خطة واضحة المعالم بشأن سوريا، فإنه سيكون محكوم بخيارين، أماالخيار الأول، فيتمثل فى الانخراط المباشر، وهو خيار يتعلق بدرجة أو أخرى بسُلّم أولويات سياسة بايدن الخارجية ولا سيما عند انتصاف ولايته الأولى. أما الخيار الثاني، فيتمثل في إدخال سوريا ضمن المقايضة أو المبادلة الدولية، إذا ما تمت التسوية مع إيران بشأن ملف الاتفاق النووي، حيث سيكون لذلك انعكاسات على الملف السوري بالتبعية، وإن كان هذا الملف الإيراني ليس فى قمة أولويات بايدن في الوقت الراهن، ولن ينجر إليه الرئيس وإدارته، فى ظل وجود أولويات كثيرة تفوقه وتتعداه.

وعلى أية حال، فمن المتوقع أن تحتل سوريا موقعا مهما في استراتيجية الإدارة الأمريكية، لسببين مهمين، أما الأول فيتمثل في وجود استثمارات سياسية وأصول عسكرية للولايات المتحدة في سوريا، حيث لا زالت سوريا، ورغم التغيرات التي طرأت على ملفها، تمثل نقطة ساخنة بالنظر لبقاء الأمور فيها في دائرة الصراع. وأما الثاني، فيتمثل في ارتباط الملف السوري بملفات علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في الصراع.

وغني عن البيان أن هذه المرحلة فى سيناريوهات إدارة تسوية الأزمة السورية تكشف عن وجود نوعين من التقديرات حول المقاربة التي ستتبعها إدارة بايدن في التعامل مع الملف السوري، على النحو التالي:

1- أن بايدن سيتابع السياسات التي رسمتها إدارة ترامب في سوريا، فهو لا يملك خيارات أخرى؛ كون إدارة ترامب حصرت الدور الأمريكي في سوريا ضمن نطاق صغير ومحدود، عسكرياً وسياسياً، من خلال التركيز على الوجود العسكري في شرق سوريا وقاعدة التنف، ومطالبة النظام السوري بتغيير سلوكه وقبول مشاركة المعارضة وإجراء محاسبة للمتورطين بجرائم الحرب.

2- أن بايدن سيتابع سياسة الرئيس السابق باراك أوباما، بوصفه كان من صناع تلك السياسة من موقعه نائباً للرئيس في تلك المرحلة، وسيستعين في إدارته بالأدوات والخبرات التي أدارت السياسة الأمريكية في سوريا والإقليم، حيث يبرز اسم أنتوني بلينكن الذي يعتبر أحد صناع الاتفاق النووي مع إيران، والذي بموجبه تم التغاضي عن سياساتها الإقليمية، وتحديداً تجاه سوريا.

خمسة محددات أمام بايدن:

ويجب التأكيد على أن سياسة بايدن وإدارته الديمقراطية تجاه سوريا، ستكون محكومة بعدد من المحددات.

أما المحدد الأول، فيتمثل في اختلاف الظروف الموضوعية إذ أنه لم يعد بالإمكان إعادة إنتاج السياسة التي اتبعها الديمقراطيون تجاه الأزمة السورية لاختلاف المعطيات الراهنة، للأسباب التالية:

تركَّزت أولويات إدارة أوباما في ترتيب شروط الميدان العسكرية، وترتيب القاعدة السياسية التي سينطلق منها الحوار السوري-السوري برعاية الأمم المتحدة. لكن الآن، وبعد انحسار المعارضة العسكرية، فإن أدوات الولايات المتحدة الأمريكية تراجعت ولم يبق لديها سوى الضغط السياسي والاقتصادي بالإضافة لوجود القوات الأمريكية شرق الفرات.

العلاقة مع روسيا؛ حيث ذهبت إدارة أوباما إلى تسهيل التدخل الروسي وعدم عرقلته أو مواجهته، وكان الدافع لإدارة أوباما إغراق روسيا في المستنقع السوري. لكن روسيا تحوّلت إلى قوّة مؤثرة وفعالة، فقد استطاعت تحويل التحديات إلى فرص من خلال إدارتها للحرب، فضلاً عن اختلاف نظرة جو بايدن لروسيا التي يعتبرها خصماً استراتيجياً والعدو الأول، بخلاف أوباما الذي نظر إليها بوصفها قوّة إقليمية وليست نداً لأمريكا، وبالتالي لا تشكّل خطراً على المصالح الأمريكية.

الاتفاق مع إيران، فرغم وجود مؤشرات عديدة صادرة عن بايدن وأركان إدارته في الرغبة بالعودة للاتفاق النووي مع إيران، إلا أن خيارات الإدارة الجديدة وهامش المناورة لديها باتا ضعيفين؛بسبب صعوبة إعادة إنتاج الاتفاق السابق، ذلك أن أي اتفاق جديد يجب أن يتضمن الصواريخ البالستية والنشاط الإقليمي لإيران، وهو بات مطلباً لكثير من حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية. والتقدير أن المحافظين في إيران لن يقبلوا بهذا الشرط، فضلا عن ذلك فلم يعد بالإمكان مقايضة مصالح الدول العربية بقبول إيران التوقيع على الاتفاق النووي، كما حصل عام 2015، وخاصة بعد معاهدات الإمارات والبحرين للسلام مع إسرائيل، والتي تعتبر متغيراً أمنياً لا تستطيع الإدارات الأمريكية تجاهله.

أما المحدد الثاني، فينطلق من التوازنات الحاصلة في سوريا، والتي رسمتها الأطراف المنخرطة هناك، وخاصة روسيا وتركيا، وقد كلفت جولات عديدة من الصراعات والترتيبات، بعضها اعترفت بها الولايات المتحدة ولو من خلال السكوت عنها، مثل منبر أستانا ومقررات مؤتمر سوتشي والترتيبات في إدلب، وهذا يُضيِّق هامش المناورة أمام إدارة بايدن، التي ستجد نفسها أمام خيارين، إما القبول بهذه التوازنات التي باتت مدعومة بحيثيات على الأرض، أو رفضها والدخول تالياً في صراعات مع روسيا وتركيا.

أما المحدد الثالث، فينصب على العقوبات الأمريكية على نظام الأسد، وهي عقوبات حظيت بالموافقة المطلقة لأعضاء الكونجرس من الحزبين.

وأما فيما يخص المحدد الرابع، فهو يتعلق بترامب نفسه، إذ تشير أفعاله وإجراءاته الأخيرة في المرحلة الانتقالية وما تلاها، أنه لا ينوي اعتزال السياسة ويفكر بالعودة للرئاسة في الانتخابات المقبلة، لذا سيشكل رقابة دائمة على تصرفات إدارة بايدن، وخاصة في سياساتها الشرق أوسطية وتحديداً في الملف الإيراني، مما سيقيد حركة إدارة الديمقراطيين ويقلل هامش المناورة لديها في الملف السوري.

وأخيرا يتعلق المحدد الخامس، بإسرائيل ومصالحها الأمنية في سوريا، والتي تسعى إلى تغيير المعطيات في سوريا من خلال حربها “بين الحروب” التي تشنها على وكلاء إيران، وتستطيع بما تملكه من معلومات استخباراتية عن النشاط النووي الإيراني، وقدرات ضغط في الوسط السياسي الأمريكي، التأثير على سياسة إدارة بايدن في سوريا.

رسائل حازمة للخصوم: 

في أول عملية عسكرية لإدارة جو بايدن رداً على الهجمات الأخيرة على مصالح غربية في العراق ونتيجة لمهاجمة الطاقم الأمريكي وقوات التحالف هناك، بادرت واشنطن نهاية شهر فبراير المنصرم إلى قصف بنى تحتية تستخدمها فصائل مسلحة موالية لإيران في شرق سوريا وخصوصا كتائب حزب الله، مما أسفر عن مقتل ما يقرب من 17 شخصاً، وتدمير ثلاث شاحنات ذخيرة قادمة من العراق إلى نقطة حدودية جنوبي مدينة البوكمال السورية، ولعل تحديد منطقة الهجمات بالقرب من الحدود مع العراق وعلى الطريق الاستراتيجيّ الذي يربط طهران بالمتوسّط إلى جانب مدينة البوكمال، يحمل رسالة مفادها أن النفوذ الإيرانيّ الإقليميّ يقع في خطّ الاستهداف المباشر طالما أنّ طهران تستغلّه لتعريض الأمريكيّين للخطر.

وفضلا عما تقدم، تستهدف العملية العسكرية الأمريكية، توجيه رسالة أمريكية مفادها أن إدارة الرئيس بايدن ستحمي القوات الأمريكية وقوات التحالف، ولن تتواني فى الرد على أية اعتداءات تنال منها، وأن إيران ستتحملمسئولية تصرفات شركائها الذين يهاجمون المصالح الأمريكيةوالأمريكيين فى الشرق الوسط.

تأييد ودعم ألماني وإدانة سورية روسية:

دعمت الحكومة الألمانية الولايات المتحدة، في أول عملية عسكرية معلنة رسميا تحت قيادة الرئيس الأمريكي جو بايدنبالقرب من الحدود السورية مع العراق، فيما أدانت دمشق وموسكو القصف الأمريكي في سوريا. وكانت الخارجية الألمانية قد أستنكرت الهجمات المتصاعدة ضد القوات الدولية المشاركة في مكافحة “داعش” في المنطقة الحدودية العراقية مع سوريا، بما يعطل مسيرة التقدم في العراق على صعيد الاستقرار، ويستدرج البلاد نحو الانزلاق فى دائرة الخطر.

ولم تقف الخارجية السورية صامتة إزاء الهجوم الأمريكى الذى وصفته بالعدوان الأمريكي الجبان في مناطق في دير الزور”، معتبرة أنّه “يُشكل مؤشراً سلبياً على سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة التي يُفترض بها أن تلتزم بالشرعية الدولية، فيما كشفت موسكو عن عدم ابلاغها بأي خطط أمريكية بشأن شن غارات جديدة على شرق سوريا إلا قبل دقائق معدودة من تنفيذ الهجوم، وقد اعتبرت الخارجية الروسية وجود القوات الأمريكية في سوريا غير شرعي ويتناقض مع جميع أعراف القانون الدولي، بما فيها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 الخاص بالتسوية السورية. كما دعت واشنطن إلى احترام سيادة الجمهورية العربية السورية، فقد جاء على لسان فلاديمير جباروف، النائب الأول لرئيس لجنة الشئون الدولية بمجلس الاتحاد الروسي، بأن “ما حدث في غاية الخطورة، ويمكن أن يؤدي إلى تصعيد الوضع في المنطقة بأسرها”.

والحق فإن الإدارة البايدنية كانت تسعى لانتهاز الفرصة رغبة فى توجيه رسائل حازمة إلى روسيا في محاولة لقلب السياسات الترامبية التي تصفها بـ”المهادِنة” تجاه موسكو. كما أنه مع الاتهامات الأمريكيّة لروسيا بالوقوف خلف عمليّة قرصنة ضخمة لوزارة الدفاع الأمريكية ومؤسّسات رسميّة أخرى السنة الماضية، ستتضاءل إمكانات تخفيف التوتّرات بين الطرفين. ولعلّ الاكتفاء بفترة الخمس دقائق لإنذار روسيا بعمليّتها العسكريّةالأخيرة على الحدود السورية، يعد بمثابة رسالة من بايدن إلى موسكو تحمل معنى أن واشنطن بقيادة بايدن هى صاحبة الأمر والقرار ولن يكون هناك وجود للانفراد الروسى بشأن إدارة الملف السوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى