تقارب واضح: إلى أين تتجه العلاقات بين مصر جيبوتي؟

على الرغم من محدودية الموارد التي تتمتع بها جيبوتي، فضلاً عن صغر حجمها كونها تمثل أصغر دول القرن الإفريقي، بمساحة لا تتجاوز الـ 23 ألف كيلومتر مربع، بيد أن موقعها الجيواستراتيجي قد منحها أهمية كبيرة، تتجاوز فكرة أنها ظاهرياً تبدو دولة صغيرة، كذلك عمدت جيبوتي إلى تعزيز علاقاتها بمجموعة واسعة من القوى الدولية والإقليمية، وهو ما أنعكس في حدة التنافس الدولي على هذه الدولة المرفئية الإفريقية، والتي تجسدت بوضوح بعد الحضور الصيني المتنامي هناك، وتحولها إلى ساحة للتنافس الأمريكي- الصيني المباشر، فضلاً عن الإنخراط الإقليمي المتصاعد، والذي طالما مثلت إثيوبيا أحد أبرز ملامحه، بيد أن الفترة الأخيرة شهدت فتوراً واضحاً في علاقة الجانبين، في ظل اتجاه أديس أبابا إلى تشكيل تحالف ثلاثي يضم إلي جانبها كل من الصومال وإريتريا، وهو ما بات يمثل تهديداً لمصالح جيبوتي، ومن ثم بدأت ملامح تقارب محتمل بين مصر وجيبوتي – إلى جانب السودان- لمواجهة الأطماع الإثيوبية المتصاعدة.

إقليم “عفار”:

بدأت العلاقات المصرية مع جيبوتي منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وذلك خلال فترة حكم فرعون مصر “بيبي الأول”، بيد أن علاقة جيبوتي كانت أكثر عمقاً بالجانب الآخر من البحر الأحمر في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، والتي شهدت موجات هجرة متعاقبة تجاه منطقة القرن الإفريقي – ومنها جيبوتي- وتعززت هذه العلاقات عبر التبادل التجاري بين عرب شبه الجزيرة العربية وحضارة أكسوم في القرن الإفريقي.

ولقد ظلت جيبوتي جزء من الإمبراطورية الحبشية حتى مجئ الإسلام في القرن الثامن الميلاد، حيث تشكلت ممالك وإمارات إسلامية في هذه المنطقة، لعل أبرزها إمارة “عدل” التي لايزال أهل جيبوتي يفخرون بها حتى الآن. وقد ظل التواجد المصري قائماً في تلك المنطقة حتى بدأ التوسع الإستعماري الأوروبي يتغلل في القارة الإفريقي، ومع تزايد رقعة الإنتشار البريطاني في القرن الإفريقي والبحر الأحمر بعد إفتتاح قناة السويس سنة 1869، بدأت فرنسا في التحرك لضمان موطئ قدم لها هناك، حيث سيطرت على عدة مناطق في القرن الإفريقي، كان من بينها الأراضي التي تشكل دولة جيبوتي الحالية، حيث بدأت باريس في إنشاء مدينة جيبوتي في 1892، وأعلنت بعدها بأربعة أعوام عن تشكيلها لمستعمرة فرنسية تحت مسمى “الصومال الفرنسي”، وقد ظل هذا المسمى متداولاً حتى عام 1967، حينما حولت باريس الاسم إلى “الإقليم الفرنسي للعفر والعيسى”، قبل أن يتحول الإسم إلى جيبوتي بعد الاستفتاء الذي تمخض عنه الاستقلال عن فرنسا في 1977، وهي تعد آخر مستعمرة فرنسية في إفريقيا، وعلى الرغم من ذلك، لا تزال جيبوتي تمتلك أكبر قاعدة عسكرية لفرنسا في القارة الإفريقية.

ما بعد نشأة الدولة:

في أعقاب الاستفتاء الذي حصلت بموجبه جيبوتي على الإستقلال، قام “حسن جوليد أبتيدون” بتأسيس دولة جيبوتي إعتماداً على فكرة الحزب الواحد المهيمن، وتولى “أبتيدون” الحكم حتى عام 1999، عندما ترك السلطة لابن أخيه الرئيس الحالي ‏”عمر إسماعيل غيله”. وعلى غرار بقية الدول الإفريقية، تمثل التركيبة العرقية أحد محددات الصراعات التاريخية في جيبوتي بعد الإستقلال، فعلى الرغم من وجود مجموعات عرقية محدودة في جيبوتي، (أبرزها الصوماليون من قبيلة عيسى الذين يمثلون نسبة 60% من إجمالي عدد السكان، والعفاريون بنسبة 35%، بينما يمثل نسبة الفرنسيون والعرب والإثيوبيون والإيطاليون مجتمعون حوالي 5%)، بيد أن الصراع بين قومية العفار وقبيلة عيسى تمخض عنه حرباً أهلية في جيبوتي بداية من عام 1990 ولم تنته سوى عام 2001، بعد إتفاق السلام الذي تم بين الطرفين. وفي عام 2000، جرت أول انتخابات رئاسية متعددة في جيبوتي، والتي أدت إلى انتخاب “إسماعيل عمر غيله”، والذي أعيد إنتخابه لأربعة ولايات متتالية كان آخرها في 2016.

وتنقسم جيبوتي إلى ستة أقاليم رئيسية، هي علي سبح، وعرتا، ودِخيل، وجيبوتي (العاصمة)، وأبخ، وتاجورة، ويعتمد إقتصادها بالأساس على أنشطة الخدمات التي ترتبط بالموقع الاستراتيجي للبلاد، باعتبارها أحد أهم الموانئ على البحر الأحمر، خاصةً في ظل محدودية الأراضي الصالحة للزراعة هناك، والتي لا تتجاوز نسبة الـ 4 % من مساحة الدولة البالغة 23 ألف كيلومتر مربع فقط.

سنغافورة إفريقيا:

تحتل جيبوتي موقعاً جيواستراتيجياً فريداً على البحر الأحمر، حيث أنها تقع على مفترق ثلاث مناطق حيوية هي باب المندب (وهو مضيق على البحر الأحمر يمر به نحو 20٪ من التجارة العالمية) وشبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط، فضلاً عن كونها تمثل المنفذ الغربي للمحيطين الهندي والهادئ، إلى جانب إعتبارها بوابة لقارة إفريقيا، وهو ما أعطى لجيبوتي أهمية كبرى، تتجسد في حدة التنافس الإقليمي والدولي المتصاعد عليها، علاوة على ذلك، فإن تحديات القضايا الأمنية التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، والتي تتراوح بين القرصنة والإرهاب والتوترات بين الدول، قد عززت من أهمية البلاد كنقطة محورية في اعتبارات الأمن الإقليمي.

وقد عمدت جيبوتي من استقلالها عن فرنسا في عام 1977 إلى الانخراط بشكل استباقي في علاقات وثيقة بالقوى الدولية والإقليمية مقابل الأمن الدبلوماسي والاقتصادي، وهو نهج طويل الأمد كان مدفوعًا بمحدودية الموارد الطبيعية في البلاد مقابل موقعها الاستراتيجي، فضلاً عن السياق الإقليمي المتقلب والمتوتر الذي يحيط بها، كما عمدت جيبوتي على تعزيز تأثيرها ونفوذها الخارجي عبر التحركات الحثيثة التي تقوم بها بعثاتها الدبلوماسية، وحضورها النشط في المحافل الإقليمية والدولية، ودور الوساطة التي تجيده جيبوتي لحلحلة الأزمات الإقليمية.

كذلك، فقد أنعكست هجمات الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها على البيئة الأمنية العالمية في تعزيز أهمية جيبوتي، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي للبلاد من أجل تحقيق المنفعة الاقتصادية، ففي عام 2001، أنشأت الولايات المتحدة قاعدتها العسكرية الدائمة الوحيدة في إفريقيا في معسكر “ليمونير”، وهي قاعدة عسكرية فرنسية سابقة، لتوفير نقطة انطلاق لعمليات مكافحة الإرهاب في القرن الأفريقي ودعم وجودها العسكري في المنطقة، وهو ما مثل دعماً للاقتصاد الجيبوتي بنحو 64 مليون دولار كإيجار للقاعدة الأمريكية، كما أن إطلاق القوة البحرية للاتحاد الأوروبي (EUNAVFOR) في عام 2008 لمكافحة مشكلة القرصنة المتنامية في القرن الأفريقي في ذلك الوقت قد عزز أهمية جيبوتي، وهو الأمر الذي يتضح من إمتلاك الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان والصين قواعد عسكرية في جيبوتي.

وفعلياً، أنعكست الإستراتيجية متعدد الأطراف التي أنتهجتها جيبوتي في تعزيز علاقاتها بالقوى الدولية والإقليمية، وهو ما تمخض عنه تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو جيبوتي، بالإضافة إلى الدخل السنوي من ترتيبات الإيجار للقواعد العسكرية المنتشرة على أرضها، ففي عام 2019، بلغت إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في جيبوتي نحو 1.8 مليار دولار أمريكي.

وتسعى جيبوتي للإستفادة من موقعها الاستراتيجي، لتصبح مركز لوجستيات وخدمات ونقل عالمي، خاصة في ظل التوجه الدولي الراهن نحو آسيا والمحيط الهادي والهندي، وهو ما جسدته جيبوتي “رؤية 2035″، والتي لم تقتصر على مجرد إنشاء موانئ بحرية ومناطق إقتصادية حرة، بل تتجاوز ذلك إلى الدفع نحو تدشين مركزا تجارياً جديداً، وتعزيز البنية التحتية عبر إنشاء مطارات وفنادق وكازينوهات، وقد أدت هذه الرؤية إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي من 1.3 مليار دولار في عام 2014، إلى 3.1 مليار دولار في 2019.

مسرح عملياتي جديد:

لقد أُعتبرت إفريقيا – حتى وقت قريب- ساحة قد تجد فيها الولايات المتحدة والصين مساحة جيدة للتعاون فيما بينهما، وهو ما تجسد في “الحوار الفرعي الاستراتيجي والإقتصادي بين الولايات المتحدة والصين حول إفريقيا” والذي شهد سبعة إجتماعات في الفترة ما بين 2005- 2016، فضلاً عن “مبادرة المسار الثاني”، وهو ما عزز التعاون والتنسيق بين واشنطن وبكيين في القارة الإفريقية.

لكن، شهدت هذه الاستراتيجية تحولاً جذرياً في ظل إدارة الرئيس السابق “دونالد ترامب”، فقد كشف “جون بولتون” مستشار الأمن القومي الأمريكي في عام 2018 عن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في إفريقيا، والتي رأت في التمدد الصيني في جيبوتي والقرن الإفريقي والبحر الأحمر تهديداً لمصالح الولايات المتحدة، وقد أعلن “بولتون” عن مبادرة “إزدهار إفريقيا” والتي تستهدف بالأساس مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد. لكن التقرير الذي نشره مركز Brookings في يونيو 2020، أشار إلى أن السياسات الأمريكية باتت – واقعياً- غير قادرة على مضاهاة الثقل الاقتصادي الصيني في إفريقيا، حيث باتت بكين هي المستثمر الأجنبي والشريك التجاري الأكبر على جانبي البحر الأحمر، إذ بلغت قيمة التبادل التجاري مع دول القرن الإفريقي ومجلس التعاون الخليجي نحو 187 مليار دولار، وهو ما يوازي ضعفي قيمة التبادلات الأمريكية.

وتعد جيبوتي الدولة الوحيدة التي تستضيف القواعد العسكرية الأمريكية والصينية، فبعد سنوات من الإنخراط الصيني في جيبوتي عبر بوابة الإستثمارات الاقتصادية والتي بدأت منذ عام 2013، ألحقت بكين به حضوراً عسكرياً متصاعداً، بداية من عام 2017، عندما أفتتحت الصين “قاعدة الدعم اللوجستي” التابعة للبحرية الصينية في جيبوتي، على بعد 9.6 كيلومتر فقط من القاعدة الأمريكية “لومونييه”، وقد جاء انشاء القاعدة الصينية وليداً لإتفاقية تعاون دفاعي وقعتها بكين مع الحكومة الجيبوتية في عام 2014، وتوفر هذه القاعدة لجيبوتي نحو 20 مليون دولار إيجاراً سنوياً، وهي تقع بمحاذاة ميناء دوراليه متعدد الاستخدامات.

وفي حين يعتمد الوجود الأمريكي في إفريقيا بالأساس على مكافحة الإرهاب، فإن انخراط الصين يرتكز على البعد الاقتصادي في منطقة متعطشة للنمو، وهو ما تعكسه خريطة الإنتشار الصيني في إفريقيا، والآليات التي تستند إليها بكين.

وهو الأمر نفسه بالنسبة للاستراتيجية الصينية في جيبوتي، فقد أقرض بنك الصين للتصدير والاستيراد 1.5 مليار دولار لمشاريع استثمارية ضخمة، تتمثل أبرزها في ميناء دوراليه متعدد الأغراض، ووصلة السكك الحديدية بين إثيوبيا وجيبوتي، وخط أنابيب المياه بين إثيوبيا وجيبوتي، كما يقوم قسم من شركة Huawei ببناء كابل ألياف ضوئية تحت سطح البحر، وفي عام 2018، تم افتتاح منطقة جيبوتي للتجارة الحرة الدولية، وهو مشروع تبلغ مساحته 4800 هكتار بقيمة 3.5 مليار دولار أمريكي، ويهدف المشروع إلى تطوير القدرة الصناعية في البلاد.

وفي الواقع، لا يمكن عزل مشاركة الصين الاقتصادية مع جيبوتي وتأسيس وجودها العسكري في البلاد عن مشاركتها الاقتصادية الأوسع مع إفريقيا وتطلعات مبادرة الحزام والطريق، وهو ما تراه واشنطن تهديداً لمصالحها وهيمنتها على النظام الدولي، وفي إطار التنافس الدولي الحاد بين القطبين في كافة المناطق الإستراتيجية، باتت القارة الإفريقية أحد أبرز ساحات هذه المنافسة، وربما تمثل جيبوتي أحد ساحات المواجهة المباشرة بين واشنطن وبكين.

إثيوبيا وتبدل موقف جيبوتي:

لا يقتصر التزاحم والتنافس الخارجي على القوى الدولية في جيوتي، فثمة علاقات وثيقة أعتادت جيبوتي على نسجها تجاه الأطراف الإقليمية المختلفة، ومثلت إثيوبيا أحد أبرز الأطراف المنخرطة في جيبوتي، فلطالما كانت الأخيرة هي المنفذ البحري الوحيد لإثيوبيا في ظل الخلافات التي هيمنت على العلاقات الإثيوبية – الإرترية منذ إنفصال الأخيرة عن أديس أبابا، حيث تمر 95% من تجارة إثيوبيا الخارجية عبر ميناء جيبوتي.

لكن، بدأت إرهاصات توتر محتمل في العلاقات بين جيبوتي وإثيوبيا منذ عام 2018، وذلك على إثر التقارب المفاجئ في العلاقات بين إريتريا وإثيوبيا بعد وصول آبي أحمد للسلطة، ويعزى هذا التوتر إلى النزاع الحدودي بين إرتريا وجيبوتي على منطقة “رأس دوميرا”، فضلاً عن تخوفات جيبوتي من خسارة العائد الاقتصادي الكبير من نقل التجارة الإثيوبية حال تحول أديس أبابا للإعتماد على موانئ أسمرة، بيد أن رئيس الوزراء الإثيوبي عمد– بشكل مخادع- إلى طمأنة وتسكين تخوفات جيبوتي، والدفع نحو تشكيل تحالف يضم (الصومال وإريتريا وجيبوتي) بقيادة أديس أبابا لتعزيز الهيمنة الإثيوبية وخدمة أجندة “آبي أحمد” التوسعية.

بيد أن الصراع الراهن في منطقة التيجراي الإثيوبية، والحرب التي شنها “آبي أحمد” على الإقليم بدعم من إريتريا قد كشف كثيراً من ملامح الصفقات القائمة بين أديس أبابا وأسمرة – بالإضافة إلى مقديشيو- لتشكيل تحالف ثلاثي بينهما، يخدم الأجندة الإثيوبية بالأساس، ويضمن بقاء النظام الصومالي بقيادة الرئيس “فيرماجو” ونظيره الإريتري بقيادة الرئيس “أسياس أفوريقي”، ويستبعد جيبوتي من الحلف.

فقد كشفت الأسابيع الأخيرة عن كثيراً من ملامح هذا التحالف، والذي تحول من طور البلورة إلى أرض الواقع، حيث برزت نية أديس أبابا لتحويل مسار تجارتها الخارجية من جيبوتي إلى إريتريا، مع تقديم الدعم للأخيرة فيما يتعلق بالنزاع الحدودي مع جيبوتي، فضلاً عن دعم استمرار الرئيس الصومالي المنتهية ولايته بالقوة. ومن ثم تكشفت ملامح الخديعة الإثيوبية لجيبوتي، حيث عمدت أديس أبابا إلى إظهار التقارب مع جيبوتي لحين الإنتهاء من الحرب ضد إقليم التيجراي وضمان دعم جيبوتي، فضلاً عن كسب مزيد من الوقت بشأن ملف سد النهضة، وكذا ضمان دعم جيبوتي للموقف الإثيوبي، وهو ما تحقق بالفعل، فقد كانت جيبوتي هي الدولة الوحيدة – إلى جانب الصومال- التي تحفظت على قرار الجامعة العربية، في يونيو 2020، بشأن ملف سد النهضة والذي طالب إثيوبيا بعدم ملء السد قبل التوصل إلى إتفاق مع مصر والسودان.

علاقات متسارعة:  

ثمة تحركات نشطة باتت تنتهجها الدولة المصرية تجاه القارة الإفريقية خلال السنوات الأخيرة، والتي تمخض عنها إعادة تعزيز الدور المصري في القارة الإفريقية بمناطقها المختلفة، وتحظى منطقة القرن الإفريقي بأهمية خاصة بالنسبة للقاهرة، ومن ثم توليها الدولة المصرية أولوية خاصة، وهو ما عكسته التحركات المصرية في كافة دول المنطقة بهدف تعزيز التعاون وتحقيق المصالح المشتركة والتنسيق في مواجهة التحديات الإقليمية.

وبالتوازاي مع التحركات المصرية الأخيرة لتعزيز التعاون والتنسيق مع السودان، والعمل على بلورة شبكة متماسكة من العلاقات الإقليمية لمواجهة التحديات والمخاطر المشتركة، بدأت القاهرة أيضاً في تدعيم أواصر الصلات بجيبوتي، خاصةً بعد التحول الراهن في موقف الأخيرة، في أعقاب إدراكها لطبيعة السياسة الإثيوبية المتقلبة والمخادعة، وقد شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مكثفة بين مسئولي الدولتين، فقد استقبل “محمود علي يوسف” وزير الخارجية الجيبوتي، في 24 فبراير الماضي، سفير مصر فى جيبوتى “محمد مصطفى عرفي”، وذلك لبحث آفاق التعاون بين البلدين وخطة تطوير العلاقات الثنائية.

كذلك، سبقت هذا اللقاء، زيارة أخرى قام بها وفداً من جامعة طنطا إلى جيبوتي نهاية يناير الماضي، حيث شهدت الزيارة مباحثات مع مسئولي جامعة جيبوتي، تم خلالها تناول سبل تدعيم جهود جامعة جيبوتي للارتقاء ببرامج التعليم بها، فضلاً عن الاتفاق على توقيع مذكرة تفاهم بين الجامعتين، وهو ما يأتي في إطار الدعم الذي تقدمه مصر للتعليم في جيبوتي بمراحله المختلفة، بما يعزز من عملية تجهيز وإعداد الكوادر الوطنية لتعضيد جهود التنمية بجيبوتي.

كذلك، شاركت مصر في القرار الصادر عن وزراء الخارجية العرب بعنوان “الحل السلمي للنزاع الحدودي الجيبوتي – الإريتري”، في مطلع مارس الجاري، والذي طالب بضرورة احترام سیادة جمهورية جيبوتي ووحدة وسلامة أراضیها، ورفض الاعتداء على الأراضي الجیبوتیة.

من ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى الزيارة التي قام بها عضو مجلس السيادة الانتقالي بالسودان الفريق الركن “ياسر العطا”، في 31 يناير الماضي إلى جيبوتي، ومن ثم تحمل هذه التحركات المصري والسودانية مؤشرات بشأن تعزيز العلاقات الثلاثية (المصرية- السودانية- الجيبوتية) لمواجهة التحديات المشتركة، خاصة في ظل الترتيبات الإقليمية التي تنسجها إثيوبيا – بمشاركة الصومال وإريتريا- لتعزيز الهيمنة الإثيوبية على منطقة القرن الإفريقي.

أخيراً، ثمة تحركات مصرية نشطة لتعزيز علاقاتها بدول القارة الإفريقية، والعمل لإستعادة الدور والتأثير الإقليمي والقاري للدولة المصرية، وتمثل التحركات المصرية الحثيثة في شرق إفريقيا أحد فصول الاستراتيجية المصرية الشاملة، وتؤشر هذه التحركات الراهنة تجاه السودان وجيبوتي عن توجه القاهرة لبناء تحالف ثلاثي لمواجهة الأطماع الإثيوبية ورغبة “آبي أحمد” في الهيمنة عبر استهداف مصالح دول المنطقة، ومن ثم يرجح أن تشهد الفترة المقبلة مزيد من الزيارات المتبادلة بين مصر وجيبوتي، والدفع نحو تعزيز العلاقات المشتركة، وتنسيق الرؤى والمواقف إزاء الملفات المختلفة.

المراجع

  حمدي عبدالرحمن، كيف تفكر جيبوتي: القيود والطموح، قراءات إفريقية، 28 أبريل 2020.

Hal Brands, Djibouti Is a Flashpoint in the U.S.-China Cold War, Bloomberg, February 26, 2021.

Karl Ragas, FDI Associate, Djibouti at a Crossroads: China’s African Engagement and an Adversarial Beijing-Washington Relationship, Future Directions International 2020, 9 FEBRUARY 2021.

Yan Wana, et al, Djibouti: From a colonial fabrication to the deviation of the “Shekou model”, The International Journal of Urban Policy and Planning, October 2019.

Zach Vertin, Great power rivalry in the Red Sea: China’s experiment in Djibouti and implications for the United States, Brookings, June 2020.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى