نحو حياة كريمة .. للقرية المصرية (١)

د. أحمد أبو زايد

لا بداية للحديث عن موضوع تنمية القرية دون توجيه كل التحية والتقدير والشكر لفخامة رئيس الجمهورية الذى جعل موضوع تنمية القرية يتصدر أولويات التنمية التى تنطلق فى مصر فى كل اتجاه بإرادة قوية وعين راعية. ويجدر أن أشير هنا إلى دلالتين مهمتين فى قضية الاهتمام بالريف. الأولى تؤشر إلى أن التنمية فى مصر تنتقل إلى آفاق جديدة تتضح فى الانتقال من مجرد تقديم شبكات للحماية الاجتماعية للأسر الفقيرة إلى إحداث تنمية حقيقية للمجتمع تدفع هذه الأسر على سلم الحراك الاجتماعى لتدخل فى مصاف الطبقة الوسطى، وكذلك الانتقال بعمليات التنمية من أعلى إلى أسفل، أى من المشروعات الكبرى فى مجال الطرق والعمران والطاقة والزراعة إلى القاعدة العريضة فى المجتمع فى الريف، بحيث تتكامل الجهود فى المشروعات الكبرى مع جهود تنمية الإنسان على أرض الواقع، والارتفاع به إلى الآفاق التي يطمح إليها. وثمة دلالة أخرى مهمة تشتق من الشعار الذى ينفذ من خلاله المشروع، وهو حياة كريمة.

لقد كان البحث عن الكرامة مطلباً أساسياً من مطالب الخروج الثورى فى عامى ٢٠١١ و٢٠١٣. ولذلك فإن هذا الشعار يدل على أن الهدف الأكبر للخروج الثوري مازال في ذاكرة الأمة وفي ضميرها، وأن لا سبيل إلى تنمية حقيقية دون كرامة للإنسان. ويعنى ذلك أن الهدف المنشود من التنمية فى الريف ليس مجرد رفع دخول الأفراد أو تحريك أوضاعهم الطبقية، وإنما الاهتمام بهم كبشر لهم حقوق تجعلهم يستحقون العيش فى أمن وكرامة.

وعلى هذه الخلفية أحاول فى هذا الحديث أن أركز على عدد من القضايا المهمة فى موضوع تطوير الريف فى ضوء ما أتيح لى من معرفة فى مجال التخصيص، وفى ضوء الخبرات الشخصية السابقة فى مشروعات تعاملت مع قضايا تنموية فى الريف المصرى . وألخص الموضوع فى عدد من القضايا أعرض لبعضها في هذا المقال وأكملها فى المقال القادم.

ومن أولى هذه القضايا أن نأخذ فى اعتبارنا حجم التغيرات التي طرأت على المجتمع الريفى فى الأربعين سنة الماضية، وهي تغيرات لا توصف إلا بأنها هائلة ومذهلة. لقد تزايد عدد سكان الريف بشكل ملحوظ «أشار تعداد ٢٠١٧ إلى أن 57.8% من سكان مصر البالغ 94.8 مليون يتركز فى المجتمعات الريفية»، وبصرف النظر عن السبب خلف هذه الزيادة السكانية الهائلة إلا أنها أدت إلى تمدد عمرانى هائل بحيث تضاعف التمدد العمرانى على الأرض ليحتل مساحة كبيرة من الأراضى الزراعية، كما انفتحت القرية بشكل كبير على النطاق الإقليمى والعالمى عبر تدفقات الهجرة منها غرباً إلى ليبيا وشرقاً إلى الخليج العربى والعراق، وشمالاً إلى أوروبا.

ولقد أنتج هذا الانفتاح تغيرات كبيرة في أساليب الحياة ونمط المسكن وشكل التعامل مع الأرض الزراعية ومع نظام الزراعة، كما أدى إلى بزوغ طبقة وسطى جديدة، تحمل طموحات وأحلام كثيرة، وتخلق لنفسها أشكالاً من التميز فى الملبس والمسكن وأسلوب الحياة. ولقد ساعد على هذه التغيرات تأثيرات التعليم والانفتاح على نظام العولمة عبر الدخول فى العوالم الإقليمية والعالمية والتأثر بتكنولوجيا الاتصال والإعلام الفضائي. ومن المعروف أن هذه التغيرات لم تخضع لخطة، فقد ترك الريف – والمجتمع بأسره – وشأنه ليحل مشكلاته بنفسه. ومن هنا ظهرت العشوائية فى البناء، وتفاقم الاعتداء على الأرض الزراعية، وازداد التربح من التبادلات العقارية، وتحولت الأرض إلى سلعة، وتحللت الروابط القبلية «أو أعيد إنتاجها على نحو مختلف»، وتنامت القيم الفردية، وخضعت في تغيرها لتأثيرات الثقافة التى جاء بها العائدون من مهاجرهم، كما خضعت إلى تأثيرات النزعات السلفية التى تمت هى الأخرى متفاعلة بشكل قوى مع الثقافة الواردة من المهاجر العربية.

ولن استفيض هنا فى سرد مزيد من التغيرات، ولكن أشير إلى القصد من البدء بها وهو يتلخص فى ضرورة أن نذهب إلى الريف ونحن لا نحمل فى أذهاننا الصورة القديمة عنه بأنه يتكون من مجموعات من الفلاحين البسطاء، أو أنه كيان بسيط كريم متواضع، فهذه صور لم تعد قائمة أمام تبدل الحياة بالجملة فى المجتمع الريفي، فلم يعد الريف على حاله القديم من البساطة فقد أصابته رجمات الحداثة العشوائية، وتربعت في جنباته طموحات جديدة. أما القضية الثانية التى أود أن نركز عليها ونحن نعيد النظر فى شئون الريف فتتعلق بتجارب التنمية التى حدثت فى الريف فى الزمن الحديث. لقد كان الريف متروكاً بحق ولذلك فإن جل التغيرات قد حدثت بشكل عشوائى كما أشرنا. حقيقة أن الريف قد تأثر بالتغيرات العامة مثل تأثره بمد شبكة الكهرباء بعد بناء السد العالي، واستفادته من اى تغيرات محيطة تحدث فى الطرق أو فى البنية التحتية. ولكنه فى الوقت نفسه شهد تدخلات تنموية تستطيع أن نميز فيها بين ثلاثة: التدخلات التي حدثت قبل ثورة ١٩٥٢ والتى اشتملت على بناء بعض المستشفيات والوحدات الاجتماعية ومكاتب البريد بحيث تخدم كل واحدة منها مجموعات كبيرة من القرى المجاورة. ثم جاء تدخل حقبة الستينيات التى شهدت قدراً من التوسع فى الوحدات الصحية والمدارس وخدمات تنظيم الأسرة ومشروعات المياه الجارية، والكهرباء، وتشجير الطرق المؤدية إلى الريف والمحيطة به، مع ربط الريف بالحكومة المركزية عبر التنظيم السياسي للاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب.

وكان التدخل الثالث فى مشروع التنمية الذي عرف بمشروع شروق والذى نفذ فى الفترة من 1994 إلى 2003 ولقد كان نمطاً من العمل التنموى الشكلى الذى أضاع جل ميزانيته فى دراسات وأوراق ولقاءات لا معنى لها ولا طائل منها، فذهب دون أن يترك الا النذر اليسير من مشروعات التنمية المتناثرة هنا او هناك .

ولاشك أن قراءة هذه التجارب تمنحنا دروساً مستفادة يمكن تلخصيها فى درسين رئيسيين: الاستفادة القصوى من التمويل فى مشروعات على الأرض على غرار ما حدث فى الستينيات وفيما قبلها دون اضاعة الأموال فى الدراسات والاجتماعات على غرار ما حدث فى بعض المشروعات، ثم ترتيب الأولويات على نحو يميز ما هو عام يخص معظم القرى وما هو خاص يرتبط بالنظام البيئى المحيط وتدفقات التنمية القائمة بالفعل. وتلك قضية مهمة نطرحها فى مقالنا القادم ضمن موضوعات أخرى.

 

نقلا عن الأهرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى