رسائل متعددة: كيف تؤثر زيارة بابا الفاتيكان للعراق على مسارات العنف؟

تحمل زيارة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان للعراق في الخامس من مارس الجاري عدة دلالات، خاصة وأنها تعد الأولى منذ توليه الباباوية، كما أنها تمت في ظروف صعبة وخطيرة، من ملامحها: استمرار تبعات تفشي كورونا، بالإضافة إلى التصعيد الأمني في العراق بعد سلسلة من الهجمات الصاروخية التي استهدفت قاعدة عين الأسد العسكرية التي تستضيف القوات الأمريكية.

كما أن طول مدة الزيارة التي استغرقت أربعة أيام، بالإضافة إلى مستوى الاستقبال الذي لقاه ” فرانسيس” من القادة العراقيين سواء بمطار بغداد الدولي، من رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي أو من رئيس الجمهورية برهم صالح بمقره بالقصر الجمهوري- يشير إلى أن تلك الزيارة قد تنعكس بصورة عاجلة على دعم الاستقرار الداخلي في العراقي، خاصة وأنها تعطى رسائل عديدة، من أهمها: أنها تعبر عن تضامن بين مع المسيحيين والإزيديين في العراق، بل بين جميع الطوائف العراقية في مواجهة العنف الراهن والمحتمل.

تأسيساً على ذلك؛ يمكن القول إن تلك الزيارة قد تفتح في العراق باباً من التسامح، تستفيد منه تلك الدولة في لفت أنظار العالم إلى الأوضاع والظروف الحياتية المزرية التي تواجهها، وأنها بصدد التعافي واستعادة الاستقرار بعد سنوات الحرب ضدّ تنظيم “داعش”.

كما أن عقد البابا لقمة روحية مع شخصية بحجم المرجع الشيعي علي السيستاني، قد يكون مؤشر على اتجاهات جديدة يشهدها الداخل العراقي، تتمثل في الاعتدال والتسامح الديني وقبول الأخر، بل وطمأنة المسيحيين، الذين هجروا العراق هرباً من أعمال العنف، لدرجة تراجع أعدادهم من 1.4 مليون إلى حوالي 250 ألفا تقريباً.

مناطق من الزيارة:

زار البابا أربع مدن في شمال وجنوب العراق، وسعدت مدينة كربلاء بأول زيارةٍ بابويةٍ، وفي ثاني أيام الزيارة غادر”فرنسيس” إلى مدينة النجف للقاء المرجع الديني السيد علي السيستاني. كما زار مدينة أور التي يعتقد أنها مسقط رأس النبي إبراهيم والواقعة في الجنوب النائي. وزار أيضاً مدينتى أربيل والموصل، التي-الأخيرة- كانت معقلا لتنظيم “داعش”، ومازالت كنائسها، ومبانيها تحمل آثار الصراع.

لم تقتصر زيارة “فرنسيس” على الكنائس التي تستقبل مصلين، زار أيضاً أربع كنائس مهدمة، هي: كنيسة الطاهرة للسريان الكاثوليك، وكنسية السريان الأرثوذكس، وكنيسة الأرمن، وكنيسة الكلدان. حيث يصلي صلاة حق الاقتراع لمتضرري الحرب في حوش البياع. وكان من أهم ملامح زيارة “فرنسيس” للعراق، توجه إلى سهل نينوى وقرة قوش للقاء مع المسيحيين الذين عادوا إلى بيوتهم. وفي ختام فعاليات الزيارة في قدّاس في أربيل، ودّع البابا العراقيين قائلاً “العراق سيبقى دائماً معي وفي قلبي”.

رسائل البابا للعراق:

هدف “فرنسيس” من زيارته للعراق، إلى التأكيد على التضامن مع المسيحيين العراقيين البالغ عددهم نحو 300 ألف شخص- أي نحو خُمس عددهم قبل الغزو الأمريكي للعراق في 2003 وما تلاه من عنف الجماعات الإرهابية. وتمثل تلك الزيارة رد فعل، بل وامتداد لوثيقة الأخوة الإنسانية التي انطلقت من أرض دولة الإمارات العربية المتحدة، كما تمثل رسالة دعم معنوية كبيرة للشعب العراقي على اختلاف طوائفه. وهنا تجدر الإشارة إلى أن البابا يوحنا بولس الثاني، بابا الفاتيكان السابق، قد ألغى زيارة للعراق في نهاية عام 1999 بعد انهيار محادثات مع حكومة الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

كما تضمنت زيارة البابا فرنسيس دعوته إلى التعاون بين مختلف طوائف المجتمعات في مواجهة التحديات المتزايدة والتوترات الإقليمية التي تهدد استقرار هذه مختلف بلدان العالم. فقد قال البابا ” فلتصمت الأسلحة، وليكن الدين في خدمة السلام والأخوة”، وأضاف موجهاً رسالة خاصة للمسيحيين العراقيين، قائلاً ” أود أن أحمل لكم عناق الكنيسة بأسرها المفعم بالحنان، الكنيسة التي هي قريبة منكم ومن الشرق الأوسط المتألم، وأنا أشجعكم على المضي قدما”.

أثر الزيارة على العراق:

تمثل زيارة قداسة البابا فرانسيس للعراق، نقطة تحول مهمة في هذا البلد من منطلق أنه عانى من عنف طائفي راح ضحيته أفراد من جميع المكونات الدينية، وكان أكثرهم الأقلية المسيحية، بسبب التشكيك فيهم على اعتبار أنهم يساعدون القوات الأمريكية.

 كما سيكون زيارة البابا تأثير إيجابي في بث الطمأنينة لطائفة تعاني من التهميش والعنف في العراق. كما تؤثر إيجابياً على فكر المسلمين السنة بالعراق في إعادة التسامح والتعاون مع أخواتهم من غير الديانة وإتاحة الفرصة لهم في مختلف جوانب الحياة في المشاركة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وهذا قد يساهم في نهوض العراق مرة أخرى وتغيير الصورة التي أصبحت ملصقة به.

مستقبل العراق :

من المحتمل أن تؤثر زيارة “فرنسيس” على الداخل العراقي خلال الفترة المقبلة من منطلق توقيتها، والرسائل التي أكدت عليها، وذلك على النحو التالي:

ستدخل العراق نطاق الدول الديمقراطية والمجتمعات المنفتحة فكرياً بعد ما عانت من ديكتاتورية لمدة عقود متتالية.

إعادة البناء الإنساني والعمراني في العراق خاصة للطائفة المسيحية والأقليات من خلال تحقيق المواطنة الكاملة والاستقرار.

التشجيع على الخطوات الإصلاحية المتخذة في العراق. فقد دعا قداسة البابا إلى ضمان مشاركة جميع الفئات السياسية والاجتماعية، مؤكداً على ضرورة التصدي لآفة الفساد واستغلال السلطة.

زيارة البابا للمعقل السابق لتنظيم الدولة “داعش” قبل ثلاث سنوات، يعد دليل واضح على ترسيخ فكرة الوطن الواحد، وإدانة التطرف باسم الدين.

تعزيز السلام في العراق والشرق الأوسط، وهدم كل رسائل الفتنة الطائفية التي عملت عليها الميليشيات المسلحة لسنوات لنشوب حرب أهلية في البلاد.

تحفيز المهتمين على تقديم المساندة اللوجستية والمادية لإعمار ما دمّر من كنائس أثرية وتاريخية في الموصل وبغداد .

في النهاية، يمكن القول إن زيارة قداسة البابا فرانسيس للعراق قد تغيير الصورة الذهنية عن العراق غير المستقر والذي عاني من ويلات التطرف والإرهاب بكافه صوره وأشكاله، في مرحلة ما بعد الاحتلال.

هند عثمان

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي، بكالوريوس اقتصاد وعلوم سياسية_ جامعة القاهرة ،ماجستير علوم سياسية .كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ،باحثة دكتوراه علوم سياسية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ،باحث مشارك في العديد من المراكز العربية والدولية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى