الخديعة الكبرى…(2)

لم يأمر الله رسوله بمقاتلة الناس ليكونوا مسلمين إنما خاطب الله رسوله عليه السلام بقوله (وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَميعًا أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّى يَكونوا مُؤمِنينَ) (يونس : 99)، وقال سبحانه أيضا: (وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَمَن شاءَ فَليَكفُر) (الكهف: 29)، تلك الأوامر الإلهية للرسول فى الدعوة الى الإسلام فمن أين أتوا بدليل يسمح للمسلمين غزو الأوطان واحتلال البلدان وتشريد الأسر وسبي النساء والسيطرة على أملاك الناس والتمتع بها ظلما وعدوانا مرتكبين جريمة أخطر من الاحتلال هي تبرير أعمالهم الإجرامية باسم نشر الإسلام يفترون على الله ورسوله ظلما وبهتانا والله يأمر الناس جميعا بقوله سبحانه (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِۚ ) (المائدة: 2)،

أنه حكم الهي عام لكل الناس الامتناع عن العدوان بالمطلق وبكل أشكاله والتعاون على ما ينفعهم ويصلح أحوالهم كما تسببت تلك الروايات ليتوه المسلمون أربعة عشر قرنًا في سفك الدماء والتدمير والتشريد والحروب فيما بينهم لتهيئة المشهد فى العالم العربي لسيطرة القوى الاستعمارية ومرشديهم من الصهاينة الذين استطاعوا أن يزوروا تلك الأحاديث بأشكال مختلفة منها الحسن ومنها الضعيف ومنها المقطوع ومنها المتواتر والصحيح والآحاد القدسي وأسماء عدة وابتكروا وسائل إغراق العقول فى شكليات وقواعد منها الجرح والتعديل وعلم الرجال وصنوف من المصطلحات التى لا تمت لرسالة الإسلام بصلة شغلوا المسلمون بها ليبعدوهم عن كتاب الله الذى يدعوهم لتوظيف العقل والرحمة والحرية والسلام والعدل وحسن المعاملة والتواد وتحريم قتل النفس والتعاون وعدم الاعتداء على الناس ليحقق لهم الأمان ويوجههم لما ينفعهم ولا يضرهم بينما أكثر الروايات سببت الفتن ونشرت خطاب الكراهية والصراع.

 فما أحوجنا اليوم لنعيد للعقل احترامه بما كرمنا الله به تدبرًا وتفكرا فى كتابه لنستنبط منه حقائق الحياة ونتعرف على الكون ونوظف نعم الله فى الأرض لمصلحة الإنسان ونطوي صفحة سوداء عمرها أربعة عشر قرنًا لنعود ونستشعر أننا فى حضرة الرسول الأكرم عليه السلام يتلو علينا آيات القرآن الكريم ويبين للناس مقاصده الخيرة للناس جميعا ليتحقق لهم العيش الآمن والسلام والاستقرار ليقوم الناس بعبادة الله وممارسة الأعمال الصالحة وأداء واجباتهم من صلوات وصيام وحج والانفاق فى سبيل الله لنشر كتاب الله عملا وقولا لكي تنتشر آياته وتشريعاته وعظاته وأخلاقياته لتضيء فى الكون نورا وسلاما ورحمة ووئاما بين جميع خلق الله تلك تصبح مهمة المخلصين من المتقين المتجردين فى خدمة رسالة الإسلام لمصلحة الإنسانية جمعاء.

إن تصويب الخطاب الإسلامي يعد مهمة عظيمة وليست جلسات ومداخلات إعلامية وإنما عمل يبتغي من ورائه المفكرون وجه الله واسترجاع ما تم اختطافه من التشريعات الإلهية من خلال التزام بكامل الأجندة القرآنية واستكمال كل نقص وإزالة كل ما طرأ على الرسالة من تشويه مقاصد الخير للناس وتحديد موضوعات الرسالة كما أراد الله لها لتنقذ الإنسان من عبودية العقل لعباده من الأحياء والأموات مع تعدد المسميات من الصحابة أو أولياء أو أهل البيت وكلهم لا ينفعون انسفهم او غيرهم ولا يضرون تأكيدا لقوله سبحانه (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ) (العنكبوت: 41). بالرغم أن الله سبحانه أمر الناس بأمر واضح فى قوله سبحانه (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 3)،

 كما إن تصويب الخطاب الإسلامي يجب أن تكون إرادة صادقة ونية مخلصة يبتغي أصحابها من ورائها رضي الله ورحمته من اجل تصحيح مسار رسالة الإسلام لخير البشرية ورفع ما وقع عليها من محاولات شريرة لخداع المسلمين ودفعهم لإتباع الطرق الخاطئة التي قد تؤدي بهم إلى ما لاما لا يحمد عقباه عند الحساب ليجدوا أنفسهم فى مأزق حين يسألهم الله سبحانه بقوله هل اتبعتم ما أنزل إليكم وأطعتم الرسول فيكون جوابهم (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا)(الأحزاب:67).

فطاعة الرسول فيما انزله الله عليه من آيات القران الكريم هداية للناس من رحمة وعدلً وحرية وسلام وإحسان وتعاون على البر والتقوى وتعاملً راق مع كل البشر وفق أخلاقيات القران وتشريعاته وعظاته لتعيش المجتمعات الإنسانية فى كل مكان فى عيش كريم وامن واستقرار بلا حروب ولا اقتتال ولا خوف ولا فزع ولا ظلم بل اطمئنان وسكينة.

 فالكل يسعى فى مناكبه ويأكل من رزقه ترفرف عليهم بركات الله وتتنزل عليهم نعمه ورحماته. لقد ارتكب المفسرون وأصحاب الروايات وناقليها وشيوخ الضلال اكبر جريمة في تاريخ الإنسانية عندما عملوا على عزل القران من حياة الناس على مدى أربعة عشر قرنًا وجعلوهم يتوهون بين روايات مكذوبة وإسرائيليات موضوعة وأساطير مزورة افتروها على رسول الله ونسبوها إليه وهم يعلمون حق العلم بان التكليف الإلهي للرسول محدد والمهمة واضحة فى قوله سبحانه (المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (2))(الأعراف: 1-2)، ثم تتبعها أية آمرة للناس بأن لا يتبعوا غير كتاب الله سبحانه فى قوله (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 3).

 الم يتدبروا آياته الم يخافوا عذابه فى الدنيا والآخرة عندما ارتكبوا تلك الجريمة والتي أضلوا المسلمين بإتباعها ويؤمنون بتلك الروايات كأمر مسلم بها وصدقوا أن الرسول هو الذى تحدث بها وهو لم يخوله الله بالتحدث نيابة عن الخطاب الإلهي القرآن الكريم إلا ما تلقاه من الوحي ليبلغ الناس بآيات قرانه وحين يقف الناس المخدوعين أمام الله يوم القيامة حيث يقول سبحانه: (يَومَ نَدعو كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِم فَمَن أوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَأُولـئِكَ يَقرَءونَ كِتابَهُم وَلا يُظلَمونَ فَتيلًا (71) وَمَن كانَ في هـذِهِ أَعمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعمى وَأَضَلُّ سَبيلًا(72)) (الإسراء: 71-72).

ويستمر المشهد المأساوي حيث يبحث الإنسان عن عذر فلا يجد غير الندم في قوله (يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) (الفرقان: 28)، يوم يعص الظالم على يديه يقول (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً) (الفرقان: 27)، وقوله سبحانه يصف الذي ضل سبيل القرآن (لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا(29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَـذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)) (الفرقان: 29-30)، انه مشهد تقشعر منه الأبدان ويتمنى أن يفر منه الإنسان وقد حذر الله سبحانه عباده من ذلك المشهد في قوله (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ)(البقرة: 48).

نبأ عظيم يبلغنا الله سبحانه قبل أربعة عشر قرنًا بان المسلمين سوف يهجرون القران إنذار استبق محاولات المجرمين فى طمس رسالة القران لتحل محله الروايات دون ان يتنبه المسلمون لهذا الإنذار بعد وفاة الرسول ويعملون على حماية كتاب الله من الشياطين الذين لا يريدون لنور الله أن ينتشر فى الأرض يضيء للناس طريق الخير والصلاح والعدل والسلام وجاء تحذير الله أولئك المجرمين فى قوله سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)(البقرة: 159).

فقد كتموا ما أنزل الله من البينان واستبدلوها بروايات وأساطير وحكايات تستخف بالعقول وتنشر اللامعقول ليتوه الناس وينشغلون عن القرآن من أجل أن تستباح دول العربان ويسيطر العدوان على ثرواتهم ويتم استعبادهم فلا تقوم لهم قائمة ويتحقق حلم اليهود ويسيطر أبناء صهيون يستبيحون أوطاننا ويستعبدون شعوبنا وينهبوا ثرواتنا وتتحقق أحلامهم في دولة من النيل إلى الفرات.

إن ما سبق يوجب علينا وقفة شجاعة نطوي فيها كلما جاءت به الروايات منذ وفاة الرسول عليهم السلام ونتبع ما أمره الله أن يبلغ الناس به فى قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ) (المائدة: 67)، ويبين له سبحانه فى مهمته أن يبلغ القران وآياته ويعلمهم الحكمة وتشريعاته ويعرفهم أخلاقياته يخاطبه ربه بقوله (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)) (الزخرف: 43 – 44)، ينبه الله سبحانه رسوله بالتمسك بالقران الكريم وانه ذكر له ولقومه وان الله ساءلهم عن إتباعه يوم القيامة.

لقد ارتكب ناقلي الروايات وبعض الفقهاء جريمة الظلم الذى وقع على كتاب الله المبين من تحريف وتزوير وافتراءات على آياته ورسالته وما تدعو إليه من رحمة وعدل وحرية الاعتقاد وتمسك الناس بآداب القران وتشريعاته وأخلاقياته.

لقد أصبحت تلك الروايات والإسرائيليات مرجعيات القتل والتدمير والكراهية لكل فرق الإرهاب منذ عهد القرامطة إلى عهد داعش والإخوان والقاعدة استمدوا عقيدتهم ومنهجهم الإجرامي مما تناقلته الألسن من تحريف رسالة الإسلام ومن التزوير على الله ورسوله، فرقت المسلمين إلى طوائف ومذاهب وفرق متناحرة فأنستهم آيات الله وضلوا الطريق وهم في ظلمات الى أن يرجعون لكتاب الله يهديهم الطريق المستقيم الذي يصفه الله سبحانه مسؤولية رسوله ومهمته بقوله (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ (69) لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)) (يس: 69-70).

كما ينطبق ما سبق على الذين ضلوا طريق الحق وأصبحوا مجرمين، وصف الآيات التالية في قوله سبحانه وتعالى لرسوله: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ (81)) (النمل: 79-81). وقوله سبحانه: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ (85)) (النمل: 83-85).

وحينئذ عندما يرون الموت وقد اقترب حسابهم يتوسلون لله وكلهم حسرة وفي حزن شديد حيث يصف الله حالهم بقوله سبحانه: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100))(المؤمنون: 99-100).

 هكذا تكون رحمة الله لعباده ينذر الناس من اليوم الموعود ومن حساب لكل من عمل صالحا ولكل من ضل طريق الهدى سيكون احدهما كما وصف الله يوم القيامة بقوله سبحانه ( يَومَ يَأتِ لا تَكَلَّمُ نَفسٌ إِلّا بِإِذنِهِ فَمِنهُم شَقِيٌّ وَسَعيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذينَ شَقوا فَفِي النّارِ لَهُم فيها زَفيرٌ وَشَهيقٌ (106) خالِدينَ فيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالأَرضُ إِلّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُريدُ (107) وَأَمَّا الَّذينَ سُعِدوا فَفِي الجَنَّةِ خالِدينَ فيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالأَرضُ إِلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيرَ مَجذوذٍ(108))(هود: 105-108).

 فليختار الإنسان ما يشاء طريق الهدى وإتباع الكتاب المبين الذي بلغ الناس به الرسول الأمين وأما اختياره لطريق الشيطان واتبع الهوى وما روى شيوخ الدين من تضليل وروايات المنافقين وسيكون حسابهم عند ربهم على قاعدة قوله سبحانه (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد .

الخلاصة:

لم يعطي الله الحق في التكليف الإلهي لجميع رسله وأنبيائه بأن يأتوا بآيات أو أحاديث من تلقاء أنفسهم تأكيدا لقوله سبحانه مخاطبا رسوله عليه السلام ( وَلَقَد أَرسَلنا رُسُلًا مِن قَبلِكَ وَجَعَلنا لَهُم أَزواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسولٍ أَن يَأتِيَ بِآيَةٍ إِلّا بِإِذنِ اللَّـهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ) (الرعد: 38).

 فكيف افتروا أصحاب الروايات على الله ورسوله بعد أن أعلن عليه السلام فى خطبة الوداع قول الله سبحانه ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (المائدة: 3)، وقوله سبحانه تأكيد الاستكمال خطابه للناس بقوله (وَتَمَّت كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدقًا وَعَدلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّميعُ العَليمُ ) (الأنعام: 115).

 أليست تلك الآيتين تفضح وتدحض كل الروايات المنسوبة للرسول عليه السلام كذبا وافتراءا عليه، ثم يأمره فى خطاب التكليف بمسؤوليته فى إيصال رسالته للناس مخاطبا رسوله بقوله سبحانه ( وَإِن ما نُرِيَنَّكَ بَعضَ الَّذي نَعِدُهُم أَو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيكَ البَلاغُ وَعَلَينَا الحِسابُ) (الرعد : 40).

 هكذا وبكلمات واضحة وتعليمات مؤكدة فإن مهمة الرسول محصورة فى إبلاغ الناس رسالة الله لهم وشرح مقاصد آياته لما ينفعهم فى الدنيا والآخرة. لذلك ولهم حق الاختيار بين الطريقين طريق الله وطريق الشيطان، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.

أما حساب الناس فهو عند الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهو العادل السميع العليم، ولم يكلف سبحانه أيا من رسله وأنبيائه أن يكونوا وكلاء عنه على الناس فى الحياة الدنيا وحساب الناس جميعا عند ربهم يوم تقوم الساعة حيث وضع الله سبحانه قاعدة أزلية للحساب بقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّـهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّـهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (الحج: 17).

وعليه، فليس من حق أي إنسان رسولا أو نبيا أو فقيها فى الدين أو عالما أن يكفر أي إنسان أو يحكم على الناس على ما يراه فى الظاهر بالتكفير ولم يمنح الله سبحانه حق الحكم على الناس في دينهم وعقائدهم، وقد فصل الله حكما أبديا لذلك وجعل كل حكم يتعلق بالعبادات وأعمال الناس وارتكابهم المعاصي التي نهى الله عنها من المحرمات حق لله وحده،حيث يؤكد سبحانه مخاطبا رسوله ذلك الحكم بقوله ( رَبُّكُم أَعلَمُ بِكُم إِن يَشَأ يَرحَمكُم أَو إِن يَشَأ يُعَذِّبكُم وَما أَرسَلناكَ عَلَيهِم وَكيلًا )(الإسراء: 54).

 وهنا يمكن القول إنه لن يصلح حال المسلمين إلا الرجوع إلى كتاب الله وآياته التي ستظل تشع نورا وهداية للناس حتى قيام الساعة، تشرق على المؤمنين أشعة الضياء لتخرجهم من الظلمات الى النور وتهدي الحائرين إلى طريق الحق المستقيم لتجنبهم مشهد يوم القيامة الرهيب، حتى لا يكونوا مثل الضعفاء كما وصفهم الله يوم الحساب بقوله سبحانه: ( وَبَرَزوا لِلَّـهِ جَميعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذينَ استَكبَروا إِنّا كُنّا لَكُم تَبَعًا فَهَل أَنتُم مُغنونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّـهِ مِن شَيءٍ قالوا لَو هَدانَا اللَّـهُ لَهَدَيناكُم سَواءٌ عَلَينا أَجَزِعنا أَم صَبَرنا ما لَنا مِن مَحيصٍ ) (إبراهيم: 21).

 ثم يستمر المشهد بكل أهواله ويتبرأ الشيطان من أعماله فيصف الله سبحانه قول الشيطان حينئذ ( وَقالَ الشَّيطانُ لَمّا قُضِيَ الأَمرُ إِنَّ اللَّـهَ وَعَدَكُم وَعدَ الحَقِّ وَوَعَدتُكُم فَأَخلَفتُكُم وَما كانَ لِيَ عَلَيكُم مِن سُلطانٍ إِلّا أَن دَعَوتُكُم فَاستَجَبتُم لي فَلا تَلوموني وَلوموا أَنفُسَكُم ما أَنا بِمُصرِخِكُم وَما أَنتُم بِمُصرِخِيَّ إِنّي كَفَرتُ بِما أَشرَكتُمونِ مِن قَبلُ إِنَّ الظّالِمينَ لَهُم عَذابٌ أَليمٌ ) (إبراهيم: 22).

وهكذا يصور لنا القرآن مشهد يوم القيامة حين يتبرأ الشيطان من الذين أضلوا الناس وساقوهم إلى ما نهى الله عنه وحرمه عليهم وأمرهم بإتباع آياته، وعدم إتباع روايات أوليائهم وشيوخهم وفقهائهم الذين افتروا على الله ورسوله على كذبا وبهتانا، وصرفوا الناس عن كتاب الله وضلوا طريق الحق والفلاح، وأطلقوا عليها أحاديث تجاوزت أنواعها إلى أكثر من أربعين صنفا من الروايات المتعددة المصادر والتي لم يقرها القرآن الكريم والتي دحضتها آياته وأبطلت كل الروايات المنسوبة للرسول، لأنها جميعها لا تستقيم مع خطاب التكليف الإلهي للرسول عليه السلام وتحذير الله له من أن قومه سيهجرون القرآن وستصرفهم الروايات والإسرائيليات عن الآيات البينات.

المفكر على محمد الشرفاء

مفكر وكاتب عربي مشغول بهموم أمته.. لديه رؤية ومشروع استراتيجي لإعادة بناء النظام العربي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.. وينفذ مشروع عربي لنشر الفكر التنويري العقلاني وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام.. الكاتب قدم للمكتبة العربية عدداً من المؤلفات التي تدور في معظمها حول أزمة الخطاب الديني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى