“السيسي” يزور السودان: دلالات وانعكاسات اللقاءات المتبادلة بين القاهرة والخرطوم

شهدت الفترة الأخيرة ارتفاعا في وتيرة التنسيق المشترك بين مصر والسودان، وفي إطار ترسيخ الجهود المصرية لدعم السودان، وتنسيق الرؤى والمواقف بين البلدين تجاه الملفات المشتركة، يبدأ الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” زيارة رسمية إلى السودان في 6 مارس الجاري، والتي تُعد هي الأولى منذ تشكيل مجلس السيادة الانتقالي في الخرطوم، وتأتي الزيارة استكمالاً لسلسلة الزيارات المتبادلة والمكثفة بين مسئولي الدولتين خلال الأيام الأخيرة، والتي تعكس اتجاها واضحاً في تعزيز العلاقات بين القاهرة والخرطوم، وتفاهمات قد تصل حد التطابق في الرؤى والمواقف بشأن القضايا الإقليمية المتشابكة، خاصةً فيما يتعلق بملف سد النهضة والتعنت الإثيوبي المستمر.

توحيد المواقف بشأن سد النهضة:

في إطار زيارة الرئيس السيسي إلى السودان، والتي تستغرق عدة ساعات، من المفترض أن تتضمن الزيارة مباحثات مع رئيس المجلس السيادي الفريق أول “عبد الفتاح البرهان”؛ وذلك لبحث مستجدات سد النهضة، والموقف الإثيوبي المتعنت بشأن هذا الملف، في ظل إعلان أديس أبابا عن اتجاهها إلى بدء الملء الثاني للسد في يوليو المقبل، وهو ما يمثل استمراراً لسلسلة المواقف الإثيوبية الفردية وغير المسئولة، ومحاولة فرض سياسة “الأمر الواقع” بعد المماطلات التي انتهجتها خلال السنوات الماضية في المباحثات الثلاثية بشأن السد، فضلاً لرفضها لأي وساطات دولية أو إقليمية لضمان قدرتها على التنصل والمراوغة.

وقد عكست الزيارات الرسمية المتتالية بين مسئولي مصر والسودان خلال الفترة الأخيرة عن تفاهمات واضحة بين البلدين بشأن ضرورة التوصل لاتفاق قانوني ملزم حول ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبية، بما يحقق مصالح الدول الثلاثة، والحيلولة دون وقوع أي ضرر لدولتي المصب، وهو ما أكده البيان المشترك الصادر عقب زيارة وزيرة الخارجية السودانية ” مريم الصادق المهدي” لمصر ولقائها بنظيرها المصري “سامح شكري”، حيث طالب البيان إثيوبيا بإبداء حسن النية والانخراط في عملية تفاوضية فعالة من أجل التوصل لهذا الاتفاق، وشدداً على أن قيام أديس أبابا بتنفيذ المرحلة الثانية من ملء سد النهضة بشكل أحادى سيشكل تهديدًا مباشرًا للأمن المائة لمصر والسودان.

كما أجرت ” مريم الصادق المهدي: لقاء مع الرئيس “عبد الفتاح السيسي”، حيث أكد الرئيس “السيسي” بعد لقائه بالوزيرة السودانية على موقف مصر الثابت من حتمية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم فيما يخص ملء وتشغيل السد، بما يراعي عدم الإضرار بدولتي المصب ويحافظ على حقوقهما المائية. وقد عكست هذه الزيارة تمسك البلدين بالمقترح المقدم من الخرطوم – والذي دعمته القاهرة- بشأن تطوير آلية التفاوض التي يرعاها الإتحاد الإفريقي؛ وذلك عبر تشكيل لجنة رباعية دولية (تضم الاتحاد الإفريقي، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوربي، والأمم المتحدة) تقودها الكونغو الديمقراطية، باعتبارها الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي.

تعاون وتنسيق عسكري:

وبالتزامن مع التحركات الدبلوماسية بين مصر والسودان على مستوى وزارتي الخارجية بالبلدين، ثمة تحركات موازية أيضاً في مسار تعزيز شامل للعلاقات بين القاهرة والخرطوم، حيث قام رئيس أركان القوات المسلحة المصري الفريق “محمد فريد” بزيارة إلى السودان، التقى خلالها بنظيره السوداني الفريق أول “محمد عثمان الحسين”، وقد وقع الطرفان اتفاقية عسكرية، تستهدف تحقيق الأمن القومي للبلدين، وبناء قوات مسلحة مليئة بالتجارب والعلم، وذلك في إطار سعي مصر إلى ترسيخ الروابط والعلاقاتِ مع السودان في كافة المجالات، والتضامنِ كنهج إستراتيجي تفرضه البيئة الإقليمية والدولية.

وفعلياً، يُعد هذا الاتفاق الموقع بين مصر والسودان أحد المتغيرات الهامة ليس فقط فيما يتعلق بالعلاقة الثنائية بين البلدين، بل تتجاوزه لتشمل تداعيات أوسع على النطاق الإقليمي المحيط، في ظل التحولات الراهنة في منطقة القرن الإفريقي، والتي تمثلها شبكة التحالفات التي بدأت تنسجها إثيوبيا ( تضمن الصومال وإريتريا) خلال العامين الأخيرين لتحقيق هيمنتها على هذه المنطقة، وهو ما مثل عاملاً مهدداً للدولة السودانية، خاصةً بعد مؤشرات على انضمام جنوب السودان إلى هذا التحالف، بعد الاتفاقية العسكرية التي أبرمتها الأخيرة مع أثيوبيا مؤخراً.

 لقد تبلورت تطلعات إثيوبيا بوضوح في التجاوزات والانتهاكات التي ترتكبها المليشيات التابعة لها على الحدود مع السودان، كما تتضمن أحد ملامح رغبة أديس أبابا على فرض سيطرتها في العمل على استكمال سد النهضة بغض النظر عن الأضرار الناجمة عنه لدول المصب. ويضاف لهذا الاتفاق بعداً آخر يتمثل في التهديدات الإقليمية المرتبطة بمنطقة الساحل الإفريقي، مع تقديرات بتصاعد وتيرة هذه التهديدات، والذي فرض ضرورة التنسيق الأمني والعسكري بين مصر، والذي عكسته اتفاقات تأمين الحدود الثنائية والثلاثية مع تشاد، فضلاً عن تعزيز المناورات العسكرية بين الجيش المصري ونظيره السوداني.

فزع إثيوبي:

تمخضت مؤشرات التقارب المصري – السوداني الأخيرة عن حالة من الفزع التي هيمنت على إثيوبيا، في ظل تعزيز موقف البلدين في مواجهة التعنت الإثيوبي، وربما تكشفت ملامح هذا الفزع الإثيوبي في تصريحات “دينا مفتي” المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، والتي أشارت إلى ضرورة التوصل لاتفاق ودي مع كل من القاهرة والخرطوم، وهي التصريحات التي لم تلق أي صدى من قبل الأخيرتين، في ظل اتفاقهما على ضرورة تشكيل لجنة رباعية تكون شاهدة على هذه التفاوضات، لتجنب التنصل الإثيوبي المعتاد.

كذلك، عكست الكلمات التي نشرها السفير الإثيوبي في الإمارات على حسابه الشخصي على “تويتر” أن بلاده لا يهمها تحركات الأعداء، في إشارة إلى مصر والسودان، قبل أن يحذف المنشور، وتعلن المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية “دينا مفتي” أن مصر والسودان دولتان ذات سيادة، يمكنهما أن توقعا على أي اتفاقيات سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو تجارية، ما دامت لا توجه ضد إثيوبيا.

سياسة مصرية رشيدة وموقف سوداني جديد:

واقعياً، لقد انتهجت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية سياسة رشيدة وعقلانية تجاه ملف سد النهضة، حيث عمدت القاهرة إلى التزام ضبط النفس لأقصى درجة تجاه الاستفزازات الإثيوبية المستمرة، فضلاً عن حرصها – ولا تزال- على مواصلة المفاوضات مع أديس أبابا لمحاولة التوصل إلى اتفاق يضمن مصالح الجميع، ولكن دون أن يلحق الضرر بدولتي المصب، وهي المبادئ التي لطالما حكمت صانع القرار المصري.

وقد أفرز الموقف المصري الواضح وسياساتها التفاوضية تفهماً من قبل القوى الدولية، التي باتت تدرك ألاعيب السياسة التي تجيدها أثيوبيا، وسقوط شعارات “المظلومية” التي اعتادت إثيوبيا على ترديدها في المحالف الدولية والإقليمية لحشد التعاطف والدعم الخارجي لها، لا تزال الدبلوماسية المصرية مستمرة في تحركاتها الدولية لشرح موقفها بشكل واضح لكافة الأطراف الدولية، وهو ما تمثل مؤخراً في الندوة التي نظمتها سفارة مصر في برلين، مع “جمعية الصداقة العربية – الألمانية” بمشاركة وفد مصر في مفاوضات سد النهضة، وبحضور خبراء وباحثين ومسئولين حكوميين.

كما نظمت القاهرة ندوات افتراضية في واشنطن وباريس وبكين وعدد كبير من دول العالم، لتوضيح الأهمية التي يمثلها ملف سد النهضة لمصر ودول حوض النيل بشكل عام، والتداعيات المحتملة للاستفزازات الإثيوبية.

كذلك، يمكن استكشاف نجاح السياسة المصرية في هذا الملف من خلال التحول الراهن في الموقف السوداني، فكثيراً ما سعت إثيوبيا خلال السنوات الأخيرة إلى إثارة الفتن في العلاقة بين القاهرة والخرطوم، لتجنب حدوث التقارب بينهما، بيد أن الدعم المصري والمستمر للسودان قد دحض الإدعاءات الإثيوبية، كما أنه قد كشف النقاب عن الخديعة التي حاولت حكومة “آبي أحمد” ترويجها للسودان خلال السنوات الأخيرة من خلال إظهار الدعم “المزعوم” للثورة السودانية، والترويج في الداخل السوداني بأن سد النهضة لا يمثل خطراً على الخرطوم.

وقد كشفت تصريحات وزير الري والموارد المائية السوداني “ياسر عباس” في 4 مارس الجاري، عن هذا التحول في الموقف السوداني، وذلك بعد شعورها بالخطر منذ الملء الأول للسد؛ وما ترتب عليه من أضرار للخرطوم من جفاف وانخفاض منسوب المياه، حيث أشار الوزير السوداني إلى خطورة إقدام إثيوبيا على الملء الثاني لسد النهضة بصورة أحادية في يوليو المقبل، معتبره تهديدا مباشرا لأمن السودان، حيث أن هذا الملء الثاني من المفترض أن ينتج عنه تجميع 18.5 مليار متر مكعب أمام السد، ما يعني أنه حال تدفقت هذه المياه من سد النهضة ستؤدي إلى انهيار سد “الروصيرص” السوداني، وغرق كل الأراضي السودانية من الحدود الإثيوبية وحتى الخرطوم، مما يهدد حياة 20 مليون سوداني.

دلالات هامة:

تعكس التطورات الراهنة عن اتجاه القاهرة والخرطوم لتكثيف جهودهما لمواجهة السلوك الأحادي الإثيوبي، فإضافة إلى السياق الإقليمي المحيط والذي بات يدفع نحو تعزيز التعاون المشترك بين مصر والسودان لمواجهة التحديات المشتركة، فتبقى الأطماع الإثيوبية للهيمنة على مياه النيل أحد أهم محددات هذا التقارب، في ظل إصرار أديس أبابا على المضي في عملية الملء الثانية للسد دون التوصل إلى أي اتفاق مع دولتي المصب، ولا يمكن استبعاد التطورات الداخلية في إثيوبيا عن هذه التطورات، ففي ظل الانتهاكات التي لا تزال قوات “آبي أحمد” ترتكبها في إقليم التيجراي، والتي أدت إلى استنفار دولي وأممي هائل خلال الفترة الأخيرة ودعوات لفرض عقوبات على أديس أبابا، فضلاً عن الانقسامات الداخلية التي باتت تهدد استمرارية “آبي” في الحكم، يمكن فهم التعنت الإثيوبي في محاولة لتحويل الانتباه الداخلي والخارجي عن الانتهاكات التي ترتكبها قواته نحو ملف سد النهضة.

أخيراً، تتجه العلاقات المصرية – السودانية نحو تعزيز التعاون المشترك في كافة المجالات، بما يضمن تحقيق المصالح المشتركة للبلدين، ومواجهة التحديات التي يفرضها السياق الإقليمي المحيط، سواء تصاعد النشاط الإرهابي في منطقة الساحل والصحراء والقرن الإفريقي، أو فيما يتعلق بالغطرسة السياسية لإثيوبيا، ويبدو أن فصول هذا التنسيق بين القاهرة والخرطوم لن تنته مع زيارة الرئيس السيسي إلى السودان، إذ أنه من المفترض أن يعقبها زيارة أخرى لرئيس الوزراء السوداني إلى مصر في الأسبوع المقبل، ودعم هذا الطرح أيضاً المؤشرات التي عكستها كلمة رئيس أركان القوات المسلحة المصرية بعد الاتفاق العسكري الأخير مع نظيره السوداني، والذي أشار إلى أن اتفاقيات التعاون المبرمة بينهما لن تقتصر على البعد العسكري فقط، بل تتجاوزه لتشمل الأبعاد التنموية، وتقديم كافة أشكال الدعم للسودان.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى