ثقافة الانحطاط

د. حسن حماد ‏

يعتقد البعض واهمًا أن ثقافة الإلهاء والإسفاف الممثلة بصورة صارخة فى أغانى المهرجانات وفى الدراما الرديئة وكافة ألوان التعبير الفنى الهابط، يمكن أن تكون عنصر مقاومة ضد نمو ثقافة التطرف الدينى، وأنهما على طرفى نقيض. لكن النظرة المتعمقة التى تحاول الحفر فى الأعماق سرعان ما تكتشف أن الثقافتين هما وجهان لعملة واحدة هى «الانحطاط الثقافى»، والذى يُشكل ثقافة الانحطاط عوامل ثلاثة: الإلهاء، التفاهة، تغييب الوعى.

إن ثقافة التكفير والتشدد الدينى التى نعانى منها اليوم تظهر لا كرد فعل مضاد ولكن تظهر كظاهرة موازية لكافة مظاهر التفسخ الأخلاقى والقيمى التى يعانيها المجتمع. إن ثقافة التطرف الدينى مثلها مثل ثقافة الابتذال والإسفاف تنتشر بين صفوف المهمشين وتستقطب قطاعًا عريضًا من شباب المدارس والجامعات، وتستحوذ على شرائح عديدة من النساء، وتجتذب رجال الأعمال ولاعبى كرة القدم والفنانين. وتزداد فاعليتها بين فصائل الطبقة الوسطى التى فقدت هويتها الاقتصادية والثقافية. بكلمة واحدة فإن ثقافة الانحطاط بوجهيها الابتذالى والتكفيرى – الإرهابى قد غزت معظم طوائف وشرائح وطبقات المجتمع.

وربما تمثل ثقافة الهوس الدينى أحياناً شكلًا من أشكال رد الفعل الدفاعى تجاه ثقافة الإسفاف والابتذال، وتبدو وكأنها محاولة للتكفير عن الذنب والتطهر من رجس الانحلال الخلقى والدينى. وتزداد هذه المشاعر وتتفاقم لدى الجمهور المتدين نتيجة للشعور الطاغى بالقهر (بجانبيه الاقتصادى والديني). فالطبقات الفقيرة والمهمشة والوسطى تعانى نتيجة انسحاقها الشديد وحرمانها المادى من الإحساس الماسوشى بعقدة النقص والشعور بالدونية، وعادة ما تسمى هذه الحالة فى التحليل النفسى «بعقدة الخصاء». وفى الخصاء تسيطر صورة الأب القاسى المهيمن، العنيف، المعاقب. وهى الصورة التى يتم من خلالها الافتتان بالسلطة القامعة سواء تمثلت هذه السلطة فى الأب الطاغية السياسى، أو فى الأب اللاهوتى بكافة أطيافه ومعانيه.

أما التشدد الدينى والتعلق بأذيال رجال الدين لدى الطبقة المترفة وأصحاب رؤوس الأموال، فغالبًا ما يكون بدافع الخوف من ضياع الثروة وانتقام الرب منهم، نتيجة إحساسهم بأنهم اغتصبوا حقوقًا ليست لهم. وهذا ما يُفسر لماذا يلجأ البعض منهم لبعض التصرفات الطهرانية مثل التبرع لبناء المساجد والمعاهد الدينية وإقامة ولائم موائد الرحمن والسفر بصورة متكررة لأداء مناسك الحج.. إنها محاولات يائسة لغسيل الأموال والأنفس القذرة والملوثة، خاصة أن معظم هؤلاء ينتمون للرأسمالية الطفيلية التى ظهرت وانتعشت أيام السادات، ومبارك من خلال تجارة العملة والمخدرات والمضاربة على الأراضى، والنهب المنظم لموارد وخيرات مصر! هؤلاء باعوا أنفسهم وباعوا الوطن، ولم يترددوا لحظة واحدة فى مساندة الإخوان ومبايعة مرسى. وهؤلاء ليس لديهم أى مانع من الموافقة على التدخل الأجنبى فى شئون مصر السياسية والاقتصادية، لأنهم يركعون ويسجدون للدولار ويسبحون بحمد الآخر الأمريكى ليل نهار.

إنها شبكة كاملة من الخيانة، ومن التواطؤ الخفى بين ثقافة الابتذال وثقافة التكفير والتدين الشكلى التى تباركها وتدعمها الرأسمالية غير الوطنية. إنها فى مجملها ثقافة انحطاط تعادى العقل، وتكفر الحداثة وتكره التغيير، وتحقر المرأة، وتهرب من الحرية، وتقدس الماضى، وتعبد الأسلاف وتستخدم الدين بطريقة رخيصة للوصول إلى أهدافها وتحقيق مآربها، وكثيرًا ما تستخدم الديمقراطية كمطية للوصول إلى السلطة.

إن خطورة ثقافة الانحطاط تكمن فى أنها تؤدى إلى حيونة الإنسان وإحالته إلى كائن قطيعى لا يستطيع أن يحيا بعيدًا عن القطيع. إنها تعيد إنتاج القهر بكل معانيه وأشكاله، وتعزز وترسخ ذلك البُعد المنحط فى النفس الإنسانية، وأعنى به رغبة الإنسان فى الفرار من الحرية، ورفضه لأن يكون ذاته، وحنينه الجارف لأن يصبح شيئًا تافهًا غير قادر على ممارسة الرفض والنقد والاحتجاج، مشوش الذهن، ضحل المشاعر، مجرد حيوان ممتثل، أليف، مروض، بلا قلق، بلا عقل، بلا أعماق، بلا هوية، وربما بلا إنسانية.

العميد الأسبق لكلية الآداب جامعة الزقازيق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى