الخديعة الكبرى..(1)

كانت البعثة النبوية بداية لمرحلة جديدة لإرساء خارطة طريق للإنسانية جمعاء بما أنزله الوحي على رسول الله محمد بن عبد الله من آيات بينات فى القرآن الكريم ومن عبادات وتشريعات وعظات وأخلاقيات تؤسس لفجر جديد يشرق على البشرية، راسما لهم عناصر الحياة الكريمة في جو من السلام والإيمان والأمان، لكي تسعى المجتمعات الإنسانية لتعمير الأرض واكتشاف كنوزها لتسخير خيراتها لخير الإنسان في كل مكان، مما يحقق قيام المدينة الفاضلة ليعيش الناس فيها متساويين في الحقوق والواجبات في ظل العدل والرحمة والحرية والسلام تتنزل عليهم بركات السماء خيرا ورزقا.

وقد تسلط على الخطاب الإلهي الذي أنزله الله على رسوله أقوام ابتعدوا عن كتاب الله الذي يدعوهم للخير والصلاح وأعدوا كتبا مغايرة للآيات وما تدعوا إليه من احترام العقل وتوظيفه في التدبر فى مقاصد الآيات لمنفعة الإنسان وصلاحه ودعوة للتطور والبحث فى القران وما يدعو إليه لاستنباط الحقائق العبادية والالتزام بالتشريعات الإلهية وممارسة الآداب القرآنية قولا وسلوكا، فقد شوهوا التعليمات الإلهية للناس مما أدى إلى تحريف رسالة الإسلام باستحداث عشرات الآلاف من الروايات حتى طغت الروايات على الآيات وتحقق لأعداء الإسلام استهداف القرآن الكريم وعزله عن أن يكون المرجعية الإلهية للناس حتى جاءت شكوى الرسول عليه السلام لربه تؤكد تلك الحقيقة في قوله سبحانه: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفرقان: 30)، حدث ذلك بعد وفاة الرسول عليه السلام منذ أربعة عشر قرنا إلى اليوم، علما بأن الله سبحانه حدد بوضوح لا يقبل الشك والتأويل مهمة الرسول عليه السلام فى التكليف الإلهي مخاطبا سبحانه رسوله الكريم فى قوله: (1) (المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ(2)) (الأعراف: 1-2)

(2) (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ) (المائدة: 67).

لقد جاء رسول الله الكريم ليبلغ الناس بآيات الله لتهديهم إلى الطريق المستقيم، وقد أكد سبحانه للرسول بقوله سبحانه: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ((44)) (الزخرف: 43 – 44)، يوصي رسوله بالتمسك بالقرآن الكريم ولا يحيد عنه ويذكر به الناس وهو ذكر للرسول ولقومه وسوف يسألون عنه إتباعهم له يوم الحساب.

وما توضحه الآية الكريمة أن التبليغ للناس لرسالة الإسلام يكون بتلاوة القرآن عليهم وشرح مقاصد آياته لمنفعة الناس وصلاحهم وتعريفهم بالتشريعات والعظات والأخلاقيات، كما قال سبحانه: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 151)، فلم ينزل الله بعد كتابه المبين والذكر الحكيم أحاديث قدسية أو غير قدسيه مستندة إلى روايات استحدثها أناس مغرضون ذوي أهداف خبيثة لإثارة الشك والالتباس والفتنة بين المسلمين لإضعاف الإسلام، وجعل المسلمين في صراع دائم للبحث عن حقيقة رسالة الإسلام وهديه بعد أن التبس عليهم الحق والباطل، مما أدى إلى تفرق المسلمين وادعاء كل طائفة هي الوصية على الإسلام، وهي الأكثر معرفة بدين الله، فسالت بينهم أودية من الدماء عطلت مسيرة رسالة الإسلام، وأعاقت دعوة الرحمة والعدل والحرية والسلام لبناء المجتمعات الإنسانية المسالمة والمستقرة.

 لقد كلف الله رسوله بما جاء في الآيات الكريمة فقط وبعلم الله الأزلي أن المسلمون سيهجرون القرآن، كما جاء فيما سبق في الآية (30) من سورة الفرقان، وأنه سيحل محل القرآن روايات افتريت على الرسول ومقولات استحدثت منسوبة إليه عن الصحابة وسميت بالأحاديث ليتم عزل القران كمرجعية وحيدة لرسالة الإسلام عن المسلمين وتحل محله الروايات والإسرائيليات في توجيه خاطئ لرسالة الإسلام تستهدف خلق الفتن بين المسلمين وتجعلهم في صراع دائم وقتال مستمر ينتشر فيما بينهم خطاب الكراهية والريبة ليتفرقون طوائفا وشيعا وأحزابا، كل له كتابه وإمامه ومنهجه.

 وعلى ما سبق، يخاطب الله رسوله بقوله سبحانه في صيغة استنكاريه (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ) (الجاثية: 6)، تؤكد هذه الآية عدم اعتراف الله سبحانه بما سمي بالأحاديث التي نسبوها للرسول ظلما وبهتانا، وهي تحذير للمسلمين بعدم إتباع تلك الروايات والإسرائيليات التي سميت بالأحاديث، لأنها ستتسبب في هجر القرآن واعتبارها المرجع الوحيد لرسالة الإسلام يستمدون منها التشريعات لتنظيم شؤون حياتهم. وهنا يختل ميزان العدل ويحدث الشقاق والنفاق وتنتشر الفتن، وذلك ما حدث فى الماضي منذ أربعة عشر قرنا وما يحدث اليوم إعادة إنتاج نفس الفرق الضالة بأسماء مختلفة من داعش والإخوان والقاعدة والتكفيريون وغيرهم الكثير لأنهم هجروا كتاب الله واتبعوا روايات الشياطين فضلوا الطريق المستقيم.

 كما أن الله سبحانه يخاطب رسوله أيضا بأمر يدعو المسلمين للوحدة والالتفاف حول الكتاب المبين والاعتصام به حتى لا يهجروا كتاب الله وهو يدعوهم بقوله سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103) ثم يحذرهم أيضا بقوله (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: 46)، ويصف الذين فرقوا دينهم بقوله سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ) (الأنعام: 159) وقوله فى تفرق المسلمين أيضا (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) ) (الروم :31-32)، حيث أن الله سبحانه يقول لرسوله إن المسلمين الذين فرقوا دينهم لست منهم.

كما أن الذين يسعون في خلق الفرقة بين المسلمين وصفهم الله سبحانه مثل المشركين لأنهم لم يتبعوا ما أنزل إليك من تشريعات فى القرآن الكريم،بالرغم من دعوة صريحة لهم من الله سبحانه في قوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 3) وبالرغم من الحقائق القرآنية التي وردت في بعض الآيات أعلاه إلا أن الناس تم استغفالهم واستدراجهم بالروايات بما سمي بالأحاديث افتراءا على الله ورسوله الأمين فاتجهوا اتجاها مغايرا لما يريده الله لهم من خير وصلاح وحياة، ينتشر فيها التعاون والمحبة والرحمة والحرية والسلام والعدل بين الناس.

 لقد ساهم الفقهاء ومن تمت تسميتهم بالعلماء والمفسرون الذين احتكروا فهم مقاصد القرآن ليصبحوا المرجعيات الوحيدة لرسالة الإسلام حتى يسيطروا على عقول المسلمين ويوجهونهم حيث يريدون، وقد وصل بهم تجاوز الفرض الإلهي الذي أمر الناس بالتدبر في آيات قرآنه والتفكر في مقاصد تشريعاته لخير الإنسانية جمعاء إلى أنهم أفتوا بقفل باب الاجتهاد والتوقف عن التفكر والتدبر فى آيات الله، رافضين أمر الله للناس بقوله سبحانه: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء: 82) وقوله سبحانه: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد: 24) وقوله سبحانه: ( أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ) (المؤمنون: 68) وقوله سبحانه: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ )(ص: 29).

 وبقراءة الآيات السابق، يبقى السؤال: كيف قرر شيوخ الدين (إقفال باب الاجتهاد)، فى موقف يتناقض مع تشريع الله وآياته وعصيان لأوامر الله وطاعته، وذلك بقولهم بعدم جواز استنباط جديد وفهم أمين يوضح للناس مقاصد آياته لما يحقق لهم الأمن والرحمة والعدل والحرية والسلام بالرغم أن الله سبحانه جعل التدبر في آياته والتفكر فى تشريعاته فرض عين على كل إنسان لديه القدرة على القراءة ومعرفة معاني الكلمات حيث يتحمل وحده مسؤولية فهم النص وإدراك مقاصده؟.

لذلك تفرقت بهم السبل وضلوا عن الطريق المستقيم، أربعة عشر قرنا من الزمان، حينما احتكر بعض الفقهاء فهم النصوص القرآنية وسوقوا لمفاهيمهم بمختلف الوسائل الدعائية من ترهيب لمن يخالف فتاويهم وتفسيراتهم وأحكامهم عن الحلال والحرام من العذاب يوم القيامة ومصيرهم جهنم وبئس المصير. فقد حذرهم الله سبحانه عن ذلك بقوله (وَلا تَقولوا لِما تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هـذا حَلالٌ وَهـذا حَرامٌ لِتَفتَروا عَلَى اللَّـهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذينَ يَفتَرونَ عَلَى اللَّـهِ الكَذِبَ لا يُفلِحونَ) (النحل: 116)، ولمن يؤمن برواياتهم وفتاويهم ويكون تابعا لهم يسير خلفهم كالأعمى لا يرى غير ما يراه الفقهاء ويعطل فرض التفكر والتدبر فى آيات القرآن الكريم يعدونه بأن سيجزيه الله جنات النعيم علما بأن الرسول عليه السلام قد بلغ الناس في حجة الوداع قول الله سبحانه (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3).

وبهذا الإعلان الواضح من الرسول بانتهاء الخطاب الإلهي للناس فمن أين أتي من يسمونهم بالعلماء والأئمة وناقلي الروايات وغيرهم بروايات مفتراه بعشرات الآلاف مما أطلق عليها بالأحاديث ظلما وبهتانا بين ضعيف وحسن وقدسي وغير قدسي ومقبول ومقطوع، فمن أنبأهم بذلك؟ هل نزل عليهم جبريل بكتب جديدة وأحاديث غير أحاديث الله سبحانه في كتابه الكريم الذي أنزله على رسوله بالرغم مما تدحضه الآيات التي سبق ذكرها في القرآن الكريم فى قوله سبحانه (اللَّـهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّـهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّـهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)(الزمر : 23) وقوله سبحانه (اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّـهِ حَدِيثًا ) (النساء: 87) وقوله سبحانه (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (المرسلات : 50) ومخاطبته لرسوله الكريم مستنكرا بقوله سبحانه (تِلْكَ آيَاتُ اللَّـهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّـهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ) (الجاثية: 6).

تلك الآيات تنفي الاعتراف بكل ما يسمى أحاديث بكل أنواعها أحاديث وروايات مرسلة أو ما يسمى بأحاديث قدسية فكلها محض افتراء وبهتان على رسول الله لأن الرسول مؤتمن على إيصال الرسالة الكلف بها إلى الناس ولا يمكن حذف أو إضافة من الرسالة المكلف بها من الله تأكيدا لقوله سبحانه (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48)) (الحاقة: 40-48).

 لقد حذر الله مبلغا الناس الذين يستقبلون آيات الله عن رسوله الأمين، بأن الله قد نبه رسوله الكريم بعدم التقول على الله وجزاء ذلك من يتقول على الله تأكيدا من الله سبحانه للناس ما ينطق به الرسول عليه السلام من آي الذكر الحكيم آمنوا به وصدقوه واتبعوه بكل ما يبلغكم به عن ربه من عبادات وتشريعات وقواعد المعاملات بين الناس وما يعظكم به من الأخلاقيات ومبادئ قيم الفضيلة لتسمو به العلاقات الإنسانية.

 وعليه، خاطب الله رسوله بقوله سبحانه ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة: 67)، وهذه الآية تأكيد إضافي للرسول الكريم بأنه مكلف فقط بتبليغ الناس بما أنزل إليه من آيات القرآن الكريم وليس بأي شيء آخر مثل الروايات المغرضة التي ألفها غير المؤتمنين على رسالة الإسلام والتي نسبوها للرسول عليه السلام افتراءا وبهتانا وأطلقوا عليها أحاديث منها القدسية، ومنها أحاديث عادية مصنفة بعشرات الأنواع، منها يتيه فيها المسلم في ظلمات لا يكاد يجد سبيلا للخروج منها بما فعله ناقلي الروايات، ومن قام بتسويقها للمسلمين ممن يسمونهم الفقهاء وشيوخ الدين على مدى أربعة عشر قرنا من الزمن.

إن ما تم فعله بهذه الطريقة المذكورة سابقاً أفقدت رسالة الإسلام قيمها، وأهدافها السامية لما تستهدفه من مصلحة الإنسان، ومنفعته فى الحياة الدنيا والآخرة، والتي يستشهد بها القرآن في قوله سبحانه ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشقى (123) وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى (124) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرتَني أَعمى وَقَد كُنتُ بَصيرًا 125) قالَ كَذلِكَ أَتَتكَ آياتُنا فَنَسيتَها وَكَذلِكَ اليَومَ تُنسى (126) )(طه: 123-126).

لقد خاطب الله رسوله ينبئه بما سيتبعه المسلمين فى المستقبل بصيغة استنكارية حيث قال سبحانه (تِلْكَ آيَاتُ اللَّـهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّـهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ) (الجاثية: 6)، يبين الله للناس ويحذرهم من إتباع ما سمي بالأحاديث لأن ذلك سيصرفهم عن تلاوة القرآن الكريم وهو رسالة الله للناس ودستورا لحياتهم ومماتهم يرشدهم الى طريق الخير والسعادة والأمن والسلام.

ومن هنا أصبح موضوع تصويب الخطاب الإسلامي، هو العودة لأصل الرسالة التي أنزلها الله على رسوله في الكتاب المبين ليبين للناس طريق الهدى والخير والأمن والرحمة والعدل والسلام ويضع تشريعا يمنع به الناس من الاعتداء على بعضهم، ويأمرهم بالتعامل بينهم بالحسنى، وأن حسابهم يوم القيامة ليس بأنسابهم ولا بقربهم من الرسول، إنما بأعمالهم وفق القاعدة الإلهية (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) (الزلزلة: 7-8). وقوله سبحانه ( يَومَ تَأتي كُلُّ نَفسٍ تُجادِلُ عَن نَفسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت وَهُم لا يُظلَمونَ ) (النحل: 111)، وقوله سبحانه يصف للناس يوم الحساب جزاء كل نفس بما كسبت فى الحياة الدنيا( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّـهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ) (النساء: 173).

كل ذلك جاء تفادياً لما سيواجهه الإنسان يوم القيامة أثناء الحساب على قاعدة المنهاج الإلهي، وهو القران الكريم وآياته، والذي سيحاسب عليه الناس جميعا دون استثناء ليتحقق للإنسان الأمن يوم الحساب، كما قال سبحانه (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء: 9)، وقوله سبحانه: (الَّذينَ آمَنوا وَلَم يَلبِسوا إيمانَهُم بِظُلمٍ أُولـئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدونَ ) ( الأنعام: 82).

وعلى المسلمين يجب التقيد بالآيات القرآنية ضرورة قصوى للإنسان ليأمن يوم الحساب دون النظر إلى الاجتهادات البشرية، والروايات المستحدثة، وأقوال الفقهاء المرجفة. فالمسلم مأمور بإتباع القرآن وهديه وإتباع مقاصد آياته وأنه في هذه اللحظة الفارقة بين رسالة الإسلام الحقيقية التي أنزلها الله على رسوله منذ أربعة عشر قرنا ( في كتاب لا يضل ولا ينسى).

إن ما حدث خلال تلك العصور السابقة من تحريف وتزوير وافتراءات على الله ورسوله يجعلنا أن نقف اليوم أمام الله معاهدين بأن نرفع عن كتابه ما وقع عليه من ظلم وبهتان وهجر وتشويه لكتابه وأحكامه أمانة ومسؤولية عظيمة سيحاسب عليها الإنسان يوم القيام حتى لا يتهم العارفين باللغة العربية والمتعلمين بما قاله سبحانه ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (البقرة: 159)، أمانة عظيمة يحملها كل من آمن بالله ورسوله واتبع كتاب الله وعرف مقاصد آياته وما تدعو إليه الناس من رحمة وعدل وحرية وسلام والمعاملة بالحسنى.

إن التكليف للرسول واضح، والرسالة محددة بالتقيد بإبلاغ الناس بآيات القرآن الكريم والالتزام بإيصال الخطاب الإلهي وشرح مقاصده لما ينفع الناس في الدنيا والآخرة ويرشدهم إلى إتباع منهج القرآن الكريم كما قال سبحانه لرسوله فى خطاب التكليف (( قُلْ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) (النور: 54)، تلك هي مهمته عليه السلام الذى أداها بكل الأمانة والإخلاص وبلغ قومه بآيات الله وشرح لهم مقاصدها لما يحقق منفعتهم وسعادتهم و يحقق لهم الأمن والسلام للمجتمعات الإنسانية.

فالله سبحانه قد كلفه يبلغ عباده بخطابه لهم وأن الرسول محمد بن عبد الله لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتقول على الله ما لم يكلفه به في كتابه الكريم تؤكده الآيات السابقة من استحالة أن يضيف الرسول على كلام الله الذي أنزله عليه في قرآن مجيد أي قول من عنده، يؤكد ذلك تلك الآيات السابق ذكرها تنسف ما نقله وزوروه أهل الروايات على الرسول منسوبة للصحابة من أكاذيب وتحريف أسموها أحاديث وما حشدوا لها من تسويق وانتشار في بقاع الأرض ليقوموا بعملهم الشائن في تشويه رسالة الإسلام الخالدة وما ترتب على الروايات والإسرائيليات من تفرق المسلمون وتعدد مناهج دين الإسلام وخلق الطوائف والفرق أدت إلى التناحر بينهم والصراع وسفك الدماء منذ وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا.

لقد آن الأوان أن يتم إقفال الصفحة السوداء في تاريخ الدعوة الإسلامية لتعود من جديد كما بدأت بيضاء ناصعة كما أمر الله، وكما بلغها رسوله للناس في آيات القرآن الكريم بأن يعتمد المسلمون كتاب الله المرجعية الوحيدة لرسالة الإسلام.

قد يكون جميعنا غير مدركين لعظمة المهمة وخطورتها. ولتوضيح أهميتها فلنعلم جميعا بأن كل من يفكر فى تصويب الخطاب الإسلامي بعدما هجره المسلمون وما تراكم على الخطاب الإلهي من كم هائل من الروايات والأقاويل المفتراة على الرسول حتى خفت نور الرسالة وحولت تلك الإسرائيليات والروايات المسلمين إلى أدوات يسوقهم دعاة الفرقة والتطرف إلى صراع دائم تأكل الأخضر واليابس منذ وفاة الرسول إلى اليوم والمسلمون يعيشون في محنة وفتنة وقتال وصراع وكراهية ووحشية وعدم تقبل الأخر والاستعلاء على الغير والله سبحانه يبين لهم بقوله (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (القصص: 83).

المؤكد أن كل ذلك سببه عزل القران وهجره وطغيان الروايات على الآيات حينما تم تقديس أصحاب الروايات وافتراءاتهم وأوهموا الناس بأنها أقوال الرسول، وكيف تم توظيفها للاعتداء على الأوطان طمعا للسلطة والثروات واحتلال البلدان باسم الإسلام وما أحدثه المسلمون من قتل وسبي واغتصاب واحتلال باسم الفتوحات الإسلامية لنشر الإسلام أكذوبة انتشرت وقيادات وظفتها لتحقيق مآربا سياسية لا علاقة لها بالإسلام فدعوة الناس للإسلام حددها الله سبحانه في تكليفه لرسوله الأمين بقوله سبحانه ( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(النحل: 125).

ونستكمل الحديث عن الخديعة الكبرى، ومخاطرها، وكيفية تفاديها في المقال المقبل إن شاء الله تعالي.

المفكر على محمد الشرفاء

مفكر وكاتب عربي مشغول بهموم أمته.. لديه رؤية ومشروع استراتيجي لإعادة بناء النظام العربي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.. وينفذ مشروع عربي لنشر الفكر التنويري العقلاني وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام.. الكاتب قدم للمكتبة العربية عدداً من المؤلفات التي تدور في معظمها حول أزمة الخطاب الديني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى