هوامش على دفتر التطبيع(2/2)

د. أحمد يوسف أحمد

فَصَلت في الأسبوع الماضي بين الحق السيادي لأي دولة في التطبيع مع إسرائيل وفق ما تراه مصلحة لها والقول بأن هذا يخدم القضية الفلسطينية كونه سيساعد المطبعين على الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات بشأن هذه القضية، واختلفت مع هذا القول أولاً لأن نيتانياهو كان قاطعاً في أن السلام مقابل السلام وليس أي شيء آخر، والأهم أن دروس ما يزيد على نصف القرن من جهود التسوية مع إسرائيل تفضي إلى ما يرقى إلى مرتبة القانون العلمي وهو أنها لم تقدم أي تنازل إلا بعد إعمال القوة بمختلف صورها ضدها مستشهداً بخبرة الرئيسين عبد الناصر والسادات، وأنتقل اليوم إلى دروس الخبرة العربية، ومن المعروف أن الغالبية العظمى من الدول العربية عارضت نهج السادات في التسوية وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع مصر وعلقت عضويتها في الجامعة العربية ونقلت مقرها إلى تونس وغير ذلك فور توقيع المعاهدة المصرية-الإسرائيلية، لكن هذه الدول بعد أكثر قليلاً من ثلاث سنوات ركبت قطار التسوية بقبولها مبادرة السلام السعودية في قمة فاس1982 التي قبلت السلام مع إسرائيل بضمانات من مجلس الأمن إن هي نفذت المطالب العربية وأهمها الانسحاب من الأراضي المحتلة وتفكيك المستوطنات وإقامة الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين، واللافت أن هذا التغير في الموقف العربي, وهذا ما لا يذكره الكثيرون, قد حدث بدوره نتيجة ممارسة إسرائيل للقوة بغزوها لبنان واحتلال العاصمة بيروت بعد مقاومة شرسة، غير أنه سرعان ما دارت الدائرة على إسرائيل فأحدث القانون ذاته أثره عليها واضطُرت للانسحاب نتيجة تصاعد المقاومة والرفض الشعبي للاحتلال بعد أن تصورت أنها حققت كل أهدافها بإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان وتوقيع اتفاق مايو1983 معه والذي أسس لإنهاء حالة الحرب وتطبيع العلاقات وإقامة منطقة أمنية على أراضيه تتعهد حكومته باتخاذ تدابير أمنية داخلها وإلغاء كل ما يمنع تنفيذ أي بند من بنود الاتفاق الذي لم يصمد سوى عشرة شهور إذ ألغاه مجلس النواب والحكومة في مارس1984 نتيجة الرفض الشعبي وتصاعد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، واضطُرت إسرائيل للانسحاب من لبنان عدا الشريط الجنوبي الذي كانت تسميه الشريط الآمن والذي اضطُرت بدورها للانسحاب منه في مايو2000 بعد أن تصاعدت المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله على نحو لم يكن ممكناً احتماله سياسياً في إسرائيل. وعلى الصعيد الفلسطيني تفجرت الانتفاضة الفلسطينية في نهاية1987 بعد أن بدا واضحاً تراجع أولوية القضية الفلسطينية على جدول الأعمال العربي نتيجة الحرب العراقية-الإيرانية، والعالمي نتيجة الوفاق الأمريكي-السوڤيتي في عهد جورباتشوف، واستمرت الانتفاضة بشكل أو بآخر حتى غزو الكويت1990وأثبتت حيوية النضال الفلسطيني واستحالة تجاهله والدعم العربي الشعبي له فعادت القضية إلى جدول الاهتمام الدولي وانتهى الأمر بالمسار الذي أفضى لاتفاق أوسلو1993 الذي قدم على الرغم من مساوئه العديدة تنازلاً تاريخياً باعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني بعد أن كان المبدأ الصهيوني أن فلسطين أرض بلا شعب ومن ثم حق لليهود الذين هم شعب بلا أرض أن يسكنوها، واستمر مسلسل التنازلات الإسرائيلية بعد انتفاضة الأقصى التي تفجرت في 28سبتمبر2000 بعد زيارة شارون الشهيرة للمسجد الأقصى وتميزت عن سابقتها (انتفاضة الحجارة) بوجود البعد العسكري فيها وبالذات في غزة الأمر الذي أفضى إلى تنازل إسرائيلي غير مسبوق في2005 من خلال خطة فك الارتباط الأحادية التي أتى بها شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، وكان قد أتى إلى الحكم بشعار قمع الانتفاضة بالقوة فإذا بخطته الجديدة تقضي بانسحاب قواته من غزة وتفكيك مستوطناتها في سابقة هي الأولى من نوعها بعد أن قال يوماً إن التخلي عن تل أبيب أهون عليه من التخلي عن مستوطنات غزة. وبعد سنتين، فقط، من هذا الإنجاز التاريخي وقع الانقسام الفلسطيني الدموي في غزة بين فتح وحماس الذي لم يلتئم حتى الآن وأوصل القضية الفلسطينية إلى وضعها الحالي، فالسلطة الفلسطينية تتبع النهج التفاوضي العقيم الذي لم ولن يفضي إلى شيء مادام بقي الانقسام الفلسطيني، و«حماس» تعلن نهج المقاومة ولا تقاوم إلا إذا هاجمتها إسرائيل، وكل حزب بما لديهم فرحون، وفي هذا السياق أثبت الشعب الفلسطيني بعد أن خذلته نخبته الحاكمة قدرته اللافتة على النضال المدني الفعال، ففي يوليو2017مثلاً وضعت السلطات الإسرائيلية بوابات إلكترونية على مداخل المسجد الأقصى لاعتبارات أمنية، واندلعت الاحتجاجات من أرجاء فلسطين كافة على هذا الإجراء وقاطع الفلسطينيون الصلاة في المسجد، وأصبحت شوارع القدس كلها مسجداً يؤمه فلسطينيون من كل حدب وصوب بما في ذلك فلسطينيو1948حتى استسلمت السلطات الإسرائيلية وأزالت البوابات بعد أسبوع من الصمود الفلسطيني كانت تؤكد فيه استحالة إزالتها، وفي فبراير2018 أعلن بطريرك القدس إغلاق كنيسة القيامة احتجاجاً على فرض ضرائب إسرائيلية عليها وعلى مشروع قانون يمس أملاك الكنائس المسيحية، وبعد ثلاثة أيام فقط من تصريحات إسرائيلية أكدت قانونية الضرائب المفروضة واستحالة التراجع عنها أعلنت تجميدها إزاء الصمود الفلسطيني، وفي يوليو من العام ذاته اندلعت احتجاجات سكان قرية الخان الأحمر شرق القدس بدعم شعبي فلسطيني ومن دبلوماسيين أوروبيين ضد قرار المحكمة العليا بهدم القرية وأُجبرت السلطات الإسرائيلية على تأجيل التنفيذ لأجل غير مسمى، وقد يُقال إن هذه الأمثلة وغيرها ليست سوى إنجازات جزئية لكن المهم هو دلالتها وهي أن النضال المدني قادر على لي ذراع الاحتلال، وهو الوحيد القادر على تغيير الموقف الإسرائيلي وليس أي مؤتمر دولي أو رئيس أمريكي جديد، فهل ترتفع النخبة الفلسطينية الحاكمة إلى مستوى المسئولية وتفتح صفحة جديدة للوحدة الوطنية؟ وهل يقتنع الذين يتخيلون أن التطبيع مع إسرائيل آلية لتقديم تنازلات من قِبَلها بدروس الخبرة الماضية؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى