مخاطر «تسييس» قضية خاشقجي

يوسف الحداد

تقرير وكالة الاستخبارات الأميركية حول مقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي، الذي رفعت الولايات المتحدة السرية عنه الأسبوع الماضي، لا ينطوي فقط على «تسييس» واضح لهذه القضية، ومحاولة استغلالها في ممارسة ضغوط على المملكة العربية السعودية، وإنما أيضاً يثير تساؤلات حول طبيعة التوقيت، الذي صدر فيه والرسالة غير الواضحة من ورائه، والتي يبدو أن واشنطن تريد أن تعطي الانطباع بأنها بصدد إعادة النظر في استراتيجيتها تجاه المنطقة، وتقييم تحالفاتها فيها.

قراءة التقرير تشير إلى أنه ليس سوى تقييم أو تحليل أو تقدير موقف لم يتضمن أية حقائق، وإنما بُني على استنتاجات مغلوطة وتصورات «شخصية»، ولعل هذا يفسر المفردات «الظنية»، التي طغت على لغة التقرير من قبيل «(ربما، نعتقد، نتوقّع، من المحتمل، قد يكون…) على حساب المعطيات المؤكدة التي يفترض أن تتضمنها هذه النوعية من التقارير التي يتم الاسترشاد بها في اتخاذ القرارات التي تخص الدول وترتبط بمستقبلها، وهذا يعيد إلى الأذهان تقارير الاستخبارات الأميركية السابقة، التي أعطت المبرر للغزو الأميركي للعراق في مارس 2003 بدعوى امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، وإيواء عناصر تنظيم «القاعدة»، وتبين في ما بعد زيفها، لكن بعدما كانت قد حدثت الكارثة التي تقف الآن وراء ما يعانيه العراق من أزمات.

محاولات «تسييس» قضية خاشقجي في هذا التوقيت، تنطوي على مخاطر عديدة لا تخدم الأمن والاستقرار في المنطقة، فمن ناحية لم يعد مقبولاً – ولا منطقياً- إعادة فتح هذه القضية بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان، خاصة أن القضاء السعودي قال كلمته، وقدم المتهمين فيها للعدالة وأصدر بحقهم أحكاماً باته، ولهذا فإن إثارة القضية مجدداً يعد تدخلاً مرفوضاً ليس فقط من المملكة، وإنما من جميع الدول العربية والإسلامية، لأنه يعد انتهاكاً للسيادة التي تعد أحد المبادئ المستقرة في العلاقات بين الدول. في الوقت ذاته، فإن التوقيت الذي صدر فيه هذا التقرير، وما أعقبه من تصريحات حول تغير قواعد العلاقات مع السعودية، وما يثار عن«إجراءات جديدة» بحقها يبعث برسالة سلبية، مفادها أن الولايات المتحدة تعاقب«الاعتدال» وتكافئ«التطرف»، خاصة أن حملة الضغط على السعودية لا يقابلها أي خطوة حاسمة تجاه إيران وميليشياتها الطائفية والمسلحة، رغم أن الأخيرة تستهدف صراحة المصالح الأميركية، وتقف وراء حالة الفوضى التي تشهدها العديد من دول المنطقة، بينما تقود المملكة جهود تحقيق الأمن والاستقرار وتتصدى لقوى التطرف والإرهاب، ولهذا يبدو واضحاً أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن- كما قال – وزير الخارجية الأميركية السابق مايك بومبيو في حديثه لقناة «فوكس نيوز» قبل أيام، «تريد أن تجعل الشريك الأمني المهم لأميركا عدوا (في إشارة إلى السعودية)، بينما تجلس وتبرم صفقات مع الإيرانيين الذين قتلوا أشخاصاً كثيرين في جميع أنحاء العالم».

إن مساعي «تسييس» هذه القضية يؤكد مجدداً كيف أن قضايا حقوق الإنسان باتت أحد الأدوات التي يتم توظيفها بشكل سلبي في إدارة العلاقات بين الدول، سواء في ممارسة الضغوط أو في الحصول على تنازلات سياسية تجاه بعض القضايا، وهذا أمر بات مكشوفاً، ولا ينال فقط من مصداقية الدول التي تسعي إلى«تسييس» قضايا حقوق الإنسان، وإنما أيضاً يؤدي إلى تراجع الثقة في المجتمع الدولي الذي يغض الطرف في أحيان كثيرة عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان أودت بحياة الملايين من الضحايا والأبرياء هنا وهناك دون أن يتحرك ساكناً.

الولايات المتحدة التي تتحرك الآن لإثارة هذه القضية مجدداً لم تتعامل بنفس الجدية مع قضايا اغتيال لكتاب وباحثين معروفين آخرين في الآونة الأخيرة، والمثال على ذلك اغتيال الناشط والباحث السياسي اللبناني لقمان سليم في شهر فبراير الماضي، ومقتل الخبير الأمني العراقي والباحث في شؤون الجماعات المسلحة، هشام الهاشمي في شهر يوليو الماضي، وغيرهما العديد من حوادث الاغتيال والقتل العمد لصحفيين وكتاب في العديد من دول العالم، تقدر أعدادهم بثلاثين صحفي في العام 2020 وفقاً لتقرير صدر عن لجنة حماية الصحفيين الأميركية في ديسمبر الماضي، بينما لا يتم التركيز سوى على قضية «خاشقجي»، وذلك في دلالة واضحة على «الازدواجية»، التي يتم التعامل بها في قضايا حقوق الإنسان والحريات بوجه عام.

تعامل إدارة بايدن مع قضية «خاشقجي»، وتراجعها عن تصنيف «ميليشيات الحوثي» على لائحة التنظيمات الإرهابية، وصمتها إزاء ممارسات إيران في الآونة الأخيرة، تمثل شواهد على أنها ربما تعيد إحياء سياسات الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، وهي سياسات لم تضر وحسب بالمصالح الأميركية، وإنما ثبت في ما بعد أنها استندت إلى تقديرات خاطئة، وهذا ما اعترف به أوباما نفسه في كتابه «أرض الميعاد» الذي صدر في شهر نوفمبر الماضي، وذكر فيه صراحة أن «تعامل إدارته مع أحداث المنطقة كان فوضوياً، ولم يكن منطقياً»، وهذا ينبغي أن يكون حاضراً لدى إدارة بايدن الآن، إذا أرادت أن تثبت بالفعل أنها جادة في بناء نهج مختلف في التعامل مع أزمات وقضايا المنطقة، خاصة أنها تعلم جيداً من يعمل لصالح تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، ومن يقف وراء محاولات نشر الفوضى والتخريب فيها.

* إعلامي وكاتب إماراتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى