عنف متصاعد: ما هي دلالات وأبعاد مقتل السفير الإيطالي في الكونغو الديموقراطية؟

بعد نحو نصف قرن من استقلالها عن بلجيكا، لا تزال جمهورية الكونغو الديموقراطية تعاني حالة من عدم الاستقرار والتفتت على أسس عرقية وقبلية، والتي أنعكست على ديمومة وتصاعد الصراعات الدموية في البلاد، والتي مثلت عملية مقتل سفير إيطاليا لدى كينشاسا “لوكا أتاناسيو” في 21 فبراير الجاري أحد فصولها، حيث تعرض موكب برنامج الأغذية العالمي أثناء زيارة قرب “غوما” في شرق الكونغو الديموقراطية لهجوم مسلّح أدى إلى مقتل السفير الإيطالي وحارسه الشخصي وسائق المركبة، وهو ما حمل العديد من المؤشرات بشأن الأوضاع الأمنية المتدهورة التي تعاني منها كنشاسا.

أرض الثراء وبلد الفقراء:

تعد الكونغو الديموقراطية واحدة من أغنى الدول الإفريقية، حيث تزخر بالثروات المعدنية النفسية كالماس والذهب والكوبالت والنفط، فضلاً عن مساحات زراعية هائلة، لكن في المقابل لا يزال سكان هذه الدولة (والتي كانت تعرف في البداية بالكنغو البلجيكية ثم تحول الاسم إلى الكونغو يوبولدفيل، ثم الكونغو كنشاسا، والكونغو زائير وأخيراً أصبح الاسم الرسمي هو الكونغو الديموقراطية) يمثلواً أحد أفقر الشعوب على مستوى العالم، لذلك توصف العاصمة “كينشاسا” بأنها “أرض الثراء وبلد الفقراء”.

وظلت المنطقة التي يجري فيها نهر الكونغو بعيدة عن أنظار العالم الخارجي حتى منتصف القرن التاسع عشر، وذلك عندما وصل المستكشف الويلزي “هنري مورتون ستانلي” ( المعروف في الكونغو الديمقراطية بلقب “بولا ماتاري”) إلى مصب نهر الكونغو في رحلته الاستكشافية التي أمتدت بين عامي 1874 – 1877، حيث أدرك أهمية هذه المنطقة، وعرض الأمر على ملك بلجيكا “ليوبولد الثاني”، والذي نجح في الحصول على دعم مؤتمر بيرلين 1884-1885 للسيطرة على الكونغو حتى حصلت على الاستقلال في عام 1960.

ولم تكن أحداث العنف المتتالية التي تشهدها الكونغو الديموقراطية وليدة اللحظة، بل أنها تمثل نتاج للصراعات التي تشهدها شرق البلاد منذ تسعينيات القرن الماضي، والتي أججتها النزاعات العرقية والتدخلات الخارجية من قبل عدة دول مجاورة. ومنذ استقلالها، شهدت الكونغو الديموقراطية صراعات متواصلة أدت إلي عدم الاستقرار السياسي، والذي تحول في منتصف تسعينات القرن الماضي إلى حرباً إقليمية واسعة سميت “حرب الكونغو الأولى”، حيث شاركت فيها عدة دول إفريقية بشكل مباشر أو غير مباشر، وأنتهت هذه الحرب بسقوط نظام الرئيس “موبوتو سيسي سيكو” وسيطرة زعم المتمردين “لوران كابيلا” على الحكم في العاصمة كينشاسا.

وبعد أقل من عام على نهاية هذه الحرب، أندلعت حرباً جديدة في عام 1998 هي “حرب الكونغو الثانية”، والتي تعد أحد أكثر الحروب دموية في التاريخ الإفريقي، لذا تم تسميتها بـ “الحرب العالمية الإفريقية”، حيث أدت إلى مقتل ما يزيد عن الـ 5.4 مليون شخص، حتى أنتهت في عام 2003 بعد مقتل ” لوران كابيلا” وتولي حكومة إنتقالية في الكونغو الديموقراطية.

أزمة متشابكة:

ترتبط الصراعات في شرق الكونغو الديموقراطية بأقلية التوتسي المقيمة في هذه المنطقة، والتي حافظت على أواصر العلاقات بأقلية التوتسي الحاكمة في محيطها الإقليمي في كل من روندا وأوغندا وبروندي، الأمر الذي أفرز تحالفات بينية على أساس إثني بين هذه المجموعات في الدول المتاخمة لبعضها البعض.

كذلك، ثمة تكالب دولي وإقليمي على الكونغو الديموقراطية للإستفادة من ثرواتها الهائلة، وهو الأمر الذي بات يمثل محدداً إضافياً لتحول البلاد إلى بؤرة متجددة من النزاعات العرقية، فقد عمدت المليشيات المسلحة لاستغلال هذه الأوضاع المتمثلة في النزاعات المحلية وتوتر العلاقات بين دول الجوار للسيطرة على موارد الكونغو، وذلك عبر انتهاج سياسة العنف والقتل ضد السكان المدنيين، وتنشط حوالي 122 جماعة مسلحة في مقاطعات شمال وجنوب كيفو وإيتوري وتنجانيقا بشرق الكونغو، لكن تتمثل أبرز هذه المليشيات المسلحة في “تحالف القوى الديمقراطية” الأوغندية و”القوى الديمقراطية لتحرير رواندا”، و”القوى الوطنية لتحرير بوروندي”، و”جيش الرب للمقاومة”.

أيضاً، بدأ تنظيم “داعش” ينشط بشكل كبير في الكونغو الديموقراطية والتي أطلق عليها “ولاية وسط إفريقيا”، وذلك منذ الهجوم الذي شنه التظيم في أبريل 2019، والذي أسفر عن مقتل 8 من أفراد الشرطة على الحدود المتاخمة لأوغندا، كما هاجم التنظيم في أكتوبر 2020 شجناً كبيراً شمال شرق الكونغو، وتمكن من إطلاق سراح حوالي 1300 سجين، منهم الكثير من العناصر المتشددة. ووفقاً لنشرة “مؤشر الإرهاب العالمي” التي نشرت في نوفمبر 2020، فقد نقل تنظيم “داعش” مركز ثقله من منطقة الشرق الأوسط إلى القارة الإفريقية – وبدرجة أقل إلى آسيا-، فقد شهدت منطقة الساحل الإفريقي زيادة في أعمال القتل خلال عام 2020 بنسبة 67% مقارنة بعام 2019، وأشارت النشرة إلى أن ثمة سبع دول من الدول العشر التي شهدت تصاعدا في الاعمال الارهابية تقع في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء وهي بوركينا فاسو وموزمبيق وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي والنيجر والكاميرون واثيوبيا.

مقتل السفير الإيطالي:

شهدت الكونغو الديموقراطية فصلاً جديداً من فصول أحداث العنف الإرهابي من قبل المليشيات العسكرية المنتشرة شرق البلاد، فقد قُتل السفير الإيطالي “لوكا أتاناسيو” وحارسه الشخصي “فيتوريو إياكوفاتشي” بالإضافة إلى سائق المركبة في عملية إرهابية استهدفت مركبتين تابعتين لبرنامج الأغذية العالمي كانت تنتقل من “غوما” عاصمة مقاطعة شمال كيفو، لزيارة أحد برامج التغذية المدرسية للوكالة في “روتشورو” على بعد حوالي 40 كيلومترًا، حيث أوقفتهم مجموعة مسلحة وأجبرت جميع الركاب على النزول، وقتلت أحد السائقين، بينما أصيب السفير الإيطالي ومرافقه الأمني ​​بجروح قاتلة.

 وقد أتهمت وزارة الداخلية الكونغولية “المتمردين الهوتو الروانديين” بالوقوف خلف الهجوم، وأشارت الوزارة في بيان صادر عنها إلى اختطاف 4 آخرين في الحادث، مشيرةً إلى أن عناصر من القوات الكونغولية عثرت على أحد المختطفين، وهي تواصل عملية تمشيط المنطقة. وأشار “ستيفان دوجاريك” المتحدث الرئيسي باسم الأمين العام للأمم المتحدة أن هناك عدداً من الجماعات المتمردة العاملة في المنطقة، وهو ما يزيد صعوبة تحديد هوية منفذي العملية، وكشف “دوجاريك” أن قوات حفظ السلام في بعثة الأمم المتحدة المعروفة باسم “مونوسكو” تم تعبئتها بالكامل، وستعمل مع نظيرتها الكونغولية في التحقيق.

جرائم معتادة وأوضاع معقدة:

لا تُعد هذه الحادثة هي الأولي من نوعها والتي تشهد مقتل أحد الدبلوماسيين أو أعضاء الأمم المتحد في الكونغو الديموقراطية، ولعل أبرز هذه الأحداث ما شهدته البلاد في عام 2017، عندما قام مسلحون بإعدام إثنين من أعضاء الأمم المتحدة هناك، هما السويدي “ايدة كتالان” والأمريكي “ومايكل شارب”، ولم يتم الكشف عن ملابسات الحادث أو هوية المنفذين حتى الآن.

ولا يمكن عزل هذه العملية الإرهابية عن السياق العنيف الذي تشهده الدولة الإفريقية، حيث تعد منطقة شمال “غوما” مركز إقليم “شمال كيفو” أحد المناطق التي تتعرض مراراً لأعمال عنف تنفّذها المجموعات المسلحة التي تتنازع السيطرة على الموارد.

وفي أكتوبر 2020، قدمت “ليلى زروقي” رئيسة بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية إفادة إلى مجلس الأمن، حثت خلالها أعضاء المجلس على مواصلة دعم الجهود الرامية لمساعدة الحكومة الكونغولية وشعبها في الحفاظ على المكاسب التي تحققت، مشيرةً إلى أن النظام السياسي الحالي لا يزال هشا، لكنه في الوقت نفسه لديه القدرة على الحفاظ على المكاسب التي تم تحقيقها وتعزيزها في حال سعي جميع الجهات الفاعلة لتحقيق هذا الهدف.

وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن الأوضاع الأمنية لا تزال هشة في الكونغو الديموقراطية، بيد أن ثمة تخطيط لسحب بعثة أممية لحفظ السلام في الكونغو الديموقراطية ( مونوسكو)، وهي البعثة التي بدأت عملها في 2010، خلفاً لبعثة مراقبي الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديموقراطية، وقد تضمنت بعثة (مونوسكو) نشر ما يزيد عن 18 ألف فرد ( منهم 13 ألف جندي)، بميزانية بلغت خلال السنوات العشر الماضية حوالي 1.09 مليار دولار.

وفعلياً، تواجه كينشاسا أوضاعا معقدة، فقد أشار تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) للأوضاع الخطيرة التي تهدد آلاف الأطفال، في خضم أعمال العنف في “إيتوري” بشرق الكونغو، كما حذر التقرير من تعرض حياة أكثر من ثلاثة ملايين طفل نازح في الكونغو الديموقراطية للخطر، في ظل أعمال العنف التي تشنها المليشيات المسلحة على المناطق المأهولة بالسكان، وهو ما أجبر مجتمعات بأسرها على الفرار، وهو ما أكده التقرير الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين في فبراير 2021، والذي أشار إلى مدى خطورة أعمال العنف المرتكبة من قبل الجماعات المسلحة بشرق الكونغو، والتي باتت تمثل نهجاً مقصوداً بهدف بث الخوف بين المدنيين ونشر الفوضى.

مجمل القول، ثمة تحديات كبيرة تواجه الحكومة الكونغولية بقيادة الرئيس “فيليكس تشيسيكيدي”، والذي يسعى إلى تحسين الأوضاع الأمنية والإقتصادية، بيد أن تفاقم الأوضاع الأمنية في النسق الإقليمي المحيط يمثل عامل إضافي في تعقيد الأوضاع الداخلية الهشة، فضلاً وجود رغبة واضحة من قبل الأطراف المتصارعة في الكونغو الديموقراطية لإطالة أمد الصراع، لنهب الثروات التي تزخر بها البلاد.

أخيراً، ربما تمثل رئاسة الكونغو للاتحاد الإفريقي في دورته الحالية أحد الفرص التي ربما تساعد الكونغو الديموقراطية في حشد الدعم الدولي والإقليمي للملفات الشائكة في كينشاسا، كما أن العلاقات الوطيدة التي تربط الكونغو ومصر- فضلاً عن التقارب في الرؤى الخاصة بالملفات الإقليمية- قد تسهم في تعزيز التعاون بين البلدين في ملف مكافحة الإرهاب، خاصةً في ظل الخبرة التي تتمتع بها الدولة المصرية في التعامل هذا الملف، والتي يرجح أن تستفاد منها الكونغو الديموقراطية بدرجة كبيرة.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى