حرب الطائرات المسيرة: لماذا التصعيد بين “إسرائيل” و “حزب الله”؟ 

استهلت الإدارة الأمريكية الجديدة ولايتها بتوجيه ضربة عسكرية مباشرة، في شمال شرق سوريا ، في الخامس والعشرين من فبراير 2021 ، استهدفت من خلالها مناطق نفوذ حزب الله وكتائب سيد الشهداء، المدعومين من الحرس الثوري الإيراني، الأمر الذي قد ينبأ بتصعيد عسكري ضد إيران وأزرعها في المنطقة . تأتي هذه التطورات بالتزامن مع تزايد وتيرة حرب الطائرات المسيرة بين حزب الله وإسرائيل، عقب انخراط حزب الله في الحرب السورية، ومحاولته إعادة التموضع بالقرب من مناطق الجولان السورية وبالقرب من مثلث الحدود اللبنانية السورية الإسرائيلية ، الأمر الذي عدته إسرائيل تهديد أمني لها، يستوجب الرد العنيف. كان ذلك الأمر هو بداية تجدد المناوشات العسكرية بوتيرة منخفضة وبصورة متقطعة بين حزب الله و”إسرائيل”، على أثر قيام “إسرائيل” بشن غارات جوية ضربت فيها مقاتلين من حزب الله في سوريا، وذلك عامي 2015م، 2016م، مما ترتب عليه رد حزب الله باستهداف آليات عسكرية “إسرائيلية” بمزارع شبعا المحتلة، ثم شنت “إسرائيل” حملة على طول الحدود اللبنانية منذ عام 2018م، لضرب ما أسمته أنفاق تابعة لحزب الله تخترق خط الحدود بين البلدين، أعقبها عمليات عسكرية إسرائيلية تخترق السيادة اللبنانية، بإطلاق عدد من الطائرات المسيرة، لتقوم بعمليات التجسس والكشف عن مناطق نفوذ حزب الله والبنية التحتية لمنصات الصواريخ المتواجدة بالأراضي اللبنانية، كما أن حزب الله في المقابل يطلق طائراته المسيرة باتجاه إسرائيل، وفي غالبية الأحيان يتم إسقاط الطائرات المسيرة لكل منهما. على ضوء ذلك، تثار عدة تساؤلات حول احتمالية اندلاع حرب ثالثة بين حزب الله و”إسرائيل”، إثر زيادة التصعيد بينهما، وبالأخص بعد المناورة العسكرية التي قامت بها قوات الاحتلال، قبل ثلاثة أشهر، حيث أبدت فيها جاهزيتها لأي حرب محتملة مع المقاومة في لبنان، أضف إلى ذلك، أن هناك تكهنات حول إمكانية قيام حزب الله برد عسكري للثأر لمقتل قاسم سليمان، وللردع بعد الضربة الأمريكية التي لحقت بالحرب في سوريا.

موقف الولايات المتحدة 

انخرطت الولايات المتحدة في الصراع بين حزب الله و”إسرائيل”، منذ حرب 2006م، إذ أن قوات اليونيفيل التي انتشرت في لبنان بعد الحرب من بينها قوات أمريكية، وعمدت واشنطن على تعزيز القدرات الأمنية اللبنانية. بعد سنوات من التحفظ ، اتجهت الإدارة الأمريكية خاصة بعد الحرب السورية وثبوت دور حزب الله فيها، نحو إتباع استراتيجيات تقتضي محاصرة حزب الله داخل لبنان سياسياً، ومحاصرته اقتصادياً خارج لبنان، إذ تحاول واشنطن الحد من نفوذ حزب الله في سوريا، هذا ما عكسته الضربة العسكرية الأمريكية الإخيرة، قبل أيام، في إطار سياسة بايدن تقليم نفوذ إيران الإقليميى. حيث قدمت دعم للقوى المناوئة لحزب الله، وذلك لمواجهة حزب الله سياسياً واجتماعياً وإعلامياً، وكذلك عزل الشخصيات التي تنتمي للحزب، وتوصيف الإدارة الأمريكية للحزب، على أنها منظمة إرهابية، هذا ما أفصح عنه السفير الأمريكي، روجرنوريجا، في يوليو 2011م، أن حزب الله وفيلق القدس “أعداء ذوو التصميم والإدارة المميتين”. وعلى ضوء ذلك فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على كل المصارف والمؤسسات التي تتعامل مع حزب الله، ضمن نهجها الذي تضمن فرض عقوبات على كل المسئولين في حزب الله، كما حرصت واشنطن على الدخول في المفاوضات بين “إسرائيل” ولبنان حول ترسيم الحدود الحبرية، إذ أن دور الولايات المتحدة كان دور الوسيط، ورحب الحزب بهذا الدور إلا أن المفاوضات تعثرت، مما يوتر الأجواء أكثر بين “إسرائيل” وحزب الله. ولا تزال واشنطن تنظر لحزب الله ضمن رؤية أوسع تتعلق بالملف الإيراني الاقليمي، الذي أصبح يثير مخاوف حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وعلى رأسهم إسرائيل ودول الخليج.

الرؤية الأمنية الإسرائيلية إزاء حزب الله 

هناك مخاوف لدى إسرائيل حول قدرات حزب الله العسكرية، هذا ما أكده التقييم السنوي الصادر عن مديرية المخابرات العسكرية “الإسرائيلية”، الصادر في شهر فبراير 2021 ، حيث ذكر التقييم أن حزب الله مستعد للدخول في حرب مع “إسرائيل”، بصورة أكثر جاهزية عما كان عليه منذ عام 2006م، في إشارة لتطور قدرات الحزب العسكرية وقدراته على شن هجمات مكثفة على تل أبيب، قدرت بأربعة آلاف صاروخ يومياً، علاوة على عشرات الصواريخ الدقيقة. في المقابل يسعى القاة العسكريون في إسرائيل لتعزيز قدرات القوات البرية بالجيش “الإسرائيلي”، وكذلك تطوير نظم الدروع الدفاعية للدبابات للتصدي لأي صواريخ متطورة لحزب الله قد تواجهها.

على خلفية تبادل الطائرات المسيرة والتصعيد بين حزب الله و”إسرائيل”، ذكر اللواء عاموس يادلين، رئيس معهد بحوث الأمن القومي، “أن المبدأ القائم في المعركة بين حربين هو الامتناع عن التصعيد”، غير أن قيام إسرائيل بمناورة السهم القاتل” في نوفمبر 2020م، عكس مدى استعداد الجيش “الإسرائيلي” لمواجهة تهديدات الحزب ، خاصة وأن المناورة العسكرية اشتركت فيها “وحدة الأشباح الإسرائيلية”، والتي تعد من أكثر الوحدات تطوراً، إذ أنها تتحمل كل الظروف الطارئة، بما فيها الحرب على جبهات عدة، وكان الاجتياح البري السريع في الأراضي اللبنانية من أهداف المناورة، للكشف عن البنية التحتية لحزب الله وانتشار أفراده.

يرى عسكريين “إسرائيليين” أن هناك احتمالية للتصعيد نظراً لتعاظم قدرات حزب الله بشكل سريع، عبر خطوط الإمداد من الأراضي السورية، وقدرات الحزب على إنتاج أسلحة نوعية، علاوة على إمداد الحرس الثوري الإيراني له بأسلحة عالية الدقة، لذا فإن قوات الاحتلال تتعامل مع حزب الله من خلال استخدام شبكة أجهزة استشعار عن بعد متقدمة، كي يتم الكشف عن مواقع حزب الله العسكرية، ومن ثم ربط الأجهزة الاستخبارية بالأسلحة العسكرية، وذلك لشن هجوم عسكري على منصات الصواريخ التابعة لحزب الله، من خلال الدفع بعدد كبير من الطائرات المسيرة للحيلولة دون تصدي المقاومة لها.

المسئولين في الحكومة “الإسرائيلية” في الكثير من الأحيان، كانوا يدعون إلى التصدي لحزب الله من خلال قوات اليونيفيل التابعة للأمم المتحدة، هذا ما أوضحته صحيفة جورساليم بوست أثناء زيارة المبعوثة الدائمة للولايات المتحدة بمجلس الأمن، نيكي هيلي، وذلك في يوليو 2017م، حينما أرسل نتنياهو خطاب رسمي لها من أجل تعديل قرار مجلس الأمن (1701)، من أجل تجريد حزب الله من السلاح وإزالته من الجنوب اللبناني، من خلال إعطاء صلاحيات أعلى لقوات اليونيفيل في لبنان. ثم تجددت دعوة الحكومة “الإسرائيلية” وحث الولايات المتحدة لعرقلة نفوذ حزب الله، من خلال تصريح نتنياهو في 19 ديسمبر 2018م، بقوله “منذ انتهاء حرب لبنان الثانية كان لدى حزب الله 16 ألف صاروخ في لبنان، معظمهم في الجنوب، واليوم لديه 110 ألف صاروخ”، وطالب نتنياهو حينها، وزير الخارجية الأمريكي السابق، مايك بومبيو، بضرورة التدخل ونقل رسالة إلى الحكومة اللبنانية مفادها “إذا لم توقف تسلح حزب الله، فإن إسرائيل ستفعل ذلك بنفسها”.

موقف حزب الله 

في الحقيقة، هناك حرب نفسية إعلامية يحرص عليها كلاً من “إسرائيل” وحزب الله، فتارة يؤكد نصر الله أنه “عندما يزداد التهديد الإسرائيلي خلفه تحركات غير حقيقة، وهذا الضجيج الإعلامي محاولة ردع نفسية ليس أكثر”، وتارة أخرى يذكر الشيء نفسه اللواء عاموس يادلين، رئيس معهد أبحاث الأمن القومي، بقوله “يجب أن نأخذ تهديدات نصر الله بجدية، لكن يجب أن نتذكر أن نصر الله يمارس قتال الحرب النفسية وعلى وعي … إنه خبير بالحرب النفسية الردعية، وإنه يريد ردع الإسرائيليين الذين لا يريدون حرباً”. مما سبق يتضح أن التهديد بالتصعيد العسكري أعرب عنه الحزب وكذلك قوات الاحتلال، والوعيد بأن الحرب القادمة إن اندلعت ستكون طاحنة، هذا ما يعكسه مدى جاهزية الجانبين بشكل غير مسبوق، سواء كان ذلك على مستوى الخطط العسكرية والتدريب ومستوى التسليح خاصة وأن نصر الله أكد على إمكانية استقدام آلاف المقاتلين إلى الداخل اللبناني فيما بعد.

يحرص حزب الله في مناوشاته العسكرية مع “إسرائيل”، على الرد العسكري الرادع، منذ حرب 2006م، والحيلولة دون خوض حرب مباشرة، وعلى الجانب الآخر السعي نحو تحجيم دور قوات اليونيفيل في لبنان، وذلك من خلال التصدي لأي محاولة لتعديل قرار الأمم المتحدة (1701). لقد أوضحت حرب الطائرات المسيرة مدى إمكانيات حزب الله العسكرية وقدراته الاستخبارية العالية، حيث اخترقت الحدود بعض طائرات الحزب المسيرة وعبرت بعمق الأراضي الإسرائيلية في مهمات تجسسية لاختبار مدى قدرات الدفاع الجوي “الإسرائيلي” ونظام القبة الحديدية، كما أن للحزب مئات الطائرات المسيرة والتي لها قدرات عالية مثل طراز “مرصاد”، و”أبابيل”، وهي طائرات إيرانية الصنع، وباتت المقاومة تمتلك من الصواريخ الدقيقة وغير الدقيقة، ومن الإمكانيات التسليحية، تجعل الحسابات لدى إسرائيل مختلفة ،و يحرص حزب الله على الحفاظ على ميزان الردع العسكري تجاه دولة الاحتلال، وعمل بنية تحتية تحت الأرض ومنصات صواريخ داخل المدن السكنية، وإخفاء الوسائل القتالية، وإنهاك الخصم.

في النهاية، يمكن القول إن الضربة الأمريكية الأخيرة لسوريا ، والتي استهدفت قواعد تابعة لحزب الله بالقرب من الحدود السورية العراقية، انما هي مؤشر على اتجاهات الإدارة الجديدة إزاء حزب الله، خاصة في ضوء الموقف الأمريكي من مسألة تشكيل الحكومة اللبنانية، والذي يعترض على أن يكون لحزب الله دور مؤثر فيها . وعلى نفس الخط نعتقد أن إسرائيل ستستمر في استهداف حزب الله خاصة في سوريا ، من خلال الطائرات المسيرة والضربات الصاروخية المباشرة والضربات الجوية، فحسب الرؤية الأمنية الإسرائيلية يعتبر حزب الله أكبر تهديد أمني في المرحلة الحالية على إسرائيل، نظراً لتموضعه المباشر بالقرب من الحدود الإسرائيلية وإمكانية استهدافه العمق الإسرائيلي بسهولة، ومن خلال سلاح الطائرات المسيرة، الذي بات من أهم ملامح الحروب في ساحات الصراع في منطقة الشرق الأوسط.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى