سقوط طائرة “رئيسي”.. هل حادث أم اغتيال؟

ذكرت وسائل إعلام إيرانية، اليوم الأحد الموافق 19 مايو الجاري 2024، أن “طائرة مروحية كانت تقل الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي ووفداً مرافقاً له من أعضاء حكومته، أبرزهم وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان،- سقطت بعد وقت قليل من صعودها”، كما أعلن التلفزيون الرسمي، أن “الطائرة سقطت بالقرب من مدينة جلفا الواقعة على الحدود مع أذربيجان الشرقية شمال غرب الجمهورية الإيرانية”، وأكدت وسائل الإعلام  أن “مجموعات من الهلال الأحمر، ما زالت تبحث عن الرئيس ومرافقيه، وأن هناك صعوبة في الوصول إلى طائرته بسبب حالة الطقس السيئة والضباب الكثيف الذي يحجب الرؤية، بالإضافة إلى الطبيعة الجغرافية الصعبة للمنطقة”، وقد أرجعت الأنباء الأولية، الحادث إلى الظروف الجوية السيئة التي أدت إلي هبوط المروحية بشكل اضطراري.

ولكن بالنظر إلي الأنباء الواردة من الوكالات الرسمية الإيرانية، بأن المروحية التي سقطت، هي واحدة من 3 مروحيات كانت تقل الرئيس الإيراني والوفد المرافق له، وتم وصول مروحيتين تقلان بعض الوزراء، بينهم وزيرا الطاقة والمواصلات وآخرين إلي وجهتهم بسلام، في حين أن المروحية التي سقطت هي التي تقل الرئيس الإيراني ومازالت مفقودة إلي الآن، ومحاولة إلقاء الأمر برمته علي الظروف المناخية، هي حسابات قد تكون مبكرة، خاصة في الوضع الراهن، واحتدام الخلاف بين إيران وإسرائيل، ما قد يدفع إلي إثارة الشكوك والتساؤلات حول ما إن كان الأمر، هو اغتيال مدبر للرئيس إبراهيم رئيسي، سيما وأن الأوضاع الإقليمية غير مستقرة وسيناريو الاغتيالات متواجد بالفعل علي الساحة السياسية وبقوة وبالفعل تفاقم مؤخرا، سيما الاغتيالات الموجهة للقيادات الإيرانية وحتي قيادات أذرعها المسلحة في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية علي وجه التحديد، من قبل الكيان الصهيوني. لذا لابد من الأخذ في الاعتبار، هذا الاحتمال. حتي تظهر طائرة الرئيس ومعرفة مصيره، فكل السيناريوهات مطروحة.

تطور ظاهرة الاغتيالات :

تشهدا الساحتين الإقليمية والدولية منذ بداية العام الحالي 2024، عودة في ظاهرة الاغتيالات السياسية، تحديدا في منطقة الشرق الأوسط، التي تشهد اضطرابات متصاعدة وصراعات متجددة، ناهيك عن الوضع الدولي أيضا الملئ بالتصعيد بين أقطابه، جراء توترات اقتصادية وسياسية وعسكرية. لذا اكتسبت هذه الظاهرة المزيد من الزخم والتحليل، كون أن الاغتيالات السياسية أداة للتخلص من الخصوم أـو إضعافهم، أو كما يصفها الخبراء والساسة، بأنها قد تكون أداة للتغطية علي الفشل في بعض الأزمات القائمة.

وتعد الاغتيالات السياسية كما هو متعارف عليها، من أقدم الظواهر السياسية في التاريخ، وتعني استخدام القتل خارج إطار القانون كأداة للتصفية بين الدول أو الجماعات أو بين كلاهما، ومحاولة لإضعاف الخصوم، وهو ما يعبر بطبيعة الحال عن الوصول إلي أقصي درجات التوتر والاندفاع. كما أنه في ظل التطور التكنولوجي الهائل الذي يعيشه العالم حاليا، وظهور ما يعرف بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وما علي شاكلتها والتي تساهم في تحديد الهدف وإصابته بمنتهي الدقة، بات هناك أنماط معقدة لعمليات الاغتيال، توصف بحسب الخبراء بأنها عابرة للحدود، بل تتميز بالمزيد من التطور والتمويل، ما قد يؤدي إلي إرباك الأنظمة الدولية لاحقا.

ووفقا للمتابعين تعد منطقة الشرق الأوسط، البؤرة الأوضح لهذه العمليات، وبخاصة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما ترتب عليها من خلق ذريعة أمريكية شرسة للتدخل بشكل سافر في هذه المنطقة ذات الأهمية الجيوسياسية والاستراتيجة الكبري، مرورا بأحداث الربيع العربي في عام 2011، ووصولا إلي احتدام القضايا الصراعية والخلافات الراهنة كالصراع الفلسطيني الإسرائيلي والملف النووي الإيراني والأذرع الإيرانية في المنطقة وغيرهم من الملفات الشائكة.

تأسيسا علي ما سبق، يُقدم هذا التحليل الذي تم نشره في 4 فبراير 2024، رؤية شاملة لظاهرة الاغتيالات السياسية من حيث المفهوم والدوافع ، ومحفزات تصاعدها مؤخرا، وأهم أنواعها، وانعكاساتها، مع ذكر أبزر الأمثلة الحية، كذلك موقف القوانين الدولية من هذه الظاهرة، وتداعيات ذلك علي الأنظمة ومستقبل العلاقات الدولية بشكل عام.

المفهوم والدافع:

يُعرف اغتيال الشئ لغة بأنه “القضاء عليه والتخلص منه” واللفظ مأخود من الكراهية والغل الشديد. ومن هنا طرحت الأدبيات التاريخية تعريفات عدة حول مفهوم ظاهرة الاغتيالات وتفسيرها، وكان أبرزها، الاغتيال السياسي، الذي يُعرف بأنه “جريمة القتل العمد لشخصية عامة ذات تأثير، إما لأسباب سياسية أو عسكرية أو فكرية أو دينية أو طائفية”، أو بأنه “القضاء على فرد معين لديه سلطة أو تأثير سياسي بهدف إحداث تغييرات في المجتمع دون الحاجة إلى التأثير على عقلية الناس”، ويعد الاغتيال السياسي أحد أبزر حالات العنف السياسي بل وأشدها قسوة. كما تتعدد الجهات المنفذة للاغتيالات السياسية، من شخص واحد فقط إلى مؤسسة جماعية إلي حكومات رسمية ضد معارضيها أو العكس، فقد تنفذه الأحزاب المعارضة أو المستقلون المعارضون ضد شخصيات حكومية. ورغم انتقاد ونبذ الفكرة تاريخيا وسياسيا من قبل العديد من المفكرين، كونها من الطرق الملتوية التي لها تعبات غاية في الخطورة علي المجتمعات، إلا أن هناك من دافع عن هذه الظاهرة من المفكرين الغربيين، وأبرزهم “توماس مور” الذي قدم مبررات للاغتيالات السياسية من خلال وصفه بأن “الاغتيالات للقادة السياسيين، يمكن اعتبارها أداة من أدوات فن الحكم ووسيلة لتجنب المواطنين العاديين مشاق الحرب التي كان قادتهم مسئولين عنها”.

أما دوافع الاغتيالات،  تجرى الاغتيالات بدافع الانتقام من شخصيات مؤثرة، التي تعتبر عائقا في طريق الطرف الذي يقف خلف عملية الاغتيال. لذا تتنوع دوافع الاغتيالات السياسية كالآتي:

(-) دافع سياسي: لاستهداف المعارضين أو شخصيات سياسية هامة ومؤثرة في شريحة كبري من المجتمع وذات فكر قيادي، وتوجه في معظم الأحيان إلي الرموز النشطة والمعارضة للأنظمة الحاكمة والتي قد تشكل خطرا عليها. والعكس كذلك حيث قد تلجأ قوة المعارضة إلى اغتيال القيادات السياسية الحاكمة أو الشخصيات التي لها تأثير على النظام السياسي. وعلى جانب أخر قد يتم الاغتيال بدوافع سياسية بين الدول وبعضها البعض. ومن ابرز أمثلة الاغتيالات بهذا الدافع، اغتيال مؤسس حركة حماس، الشيخ أحمد ياسين في 2004 من قبل الكيان الصهوني،و اغتيال الدبلوماسي المصري بالعراق، إيهاب الشريف في يوليو 2005، علي يد جماعة أبو مصعب الزرقاوي، واغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 2005.

(-) دافع عسكري: لاستهداف قادة وشخصيات عسكرية هامة، وتكتسب أهمية كبيرة إذا كان القائد ذو ثقل، علي غرار ما حدث في اغتيال القائد العام للقوات البحرية اليابانية في أثناء الحرب العالمية الثانية، ايسوروكو ياماموتو، والذي كان لاغتياله تأثيرا سلبيا كبيرا على معنويات وأداء الجيش الياباني حينئذ. وكذلك اغتيال الرئيس المصري الراحل، محمد أنور السادات، وغيرهم من القيادات العسكرية المؤثرة.

(-) دافع ديني أو طائفي: تحدث الاغتيالات نتيجة للخلافات الدينية والعقائدية، وتعد من أكثر الدوافع شيوعا علي الإطلاق في عمليات الاغتيال تحديدا في إقليم الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية، نتيجة وجود المجتمعات التي يغلب عليها الصراع الديني والمذهبي، مثل اغتيال رئيسة وزراء الهند، أنديرا غاندي عام 1984، من قبل بعض المتشددين، واغتيال عالم الدين اليمني وإمام مسجد بحضرموت، الحبيب عيدروس بن عبدالله، في 2018 علي يد مسلحين مجهولين ويشار إلي أنهم ينتمون لعناصر القاعدة، وكذلك اغتيال وزير الأوقاف الفلسطيني وإمام المسجد الأقصي سابقا، الشيخ يوسف سلامة في 2023.

(-) دافع اجتماعي: بهدف التخلص من شخصيات ونشطاء في الحركات الاجتماعية التي تروج لأفكار قد تسبب إشكالية بالنسبة للنظام القائم، أو أية مجموعات معينة في المجتمع. مثل محاولة اغتيال الكاتب الهندي البريطاني، سلمان رشدي والذي قد افتي المرشد الإيراني السابق بهدر دمه عام 1989 بسبب رواية كتبها وتشمل إهانة للإسلام، وكذلك محاولة اغتيال الكاتب المصري الراحل، نجيب محفوظ علي يد متشددين عام 1994.

(-) دافع علمي أو تكنولوجي: اغتيال الكوادر العلمية هو أسلوب رائج حول العالم خاصة في المجالات الحساسة، مثل مجال الطاقة النووية. مثل اغتيال عالمة الذرة المصرية سميرة موسي عام 1952، واغتيال العالم النووي الإيراني، محسن فخري زادة عام 2020.

(-) دافع نفسي: في بعض الأحيان من يقوم بتنفيذ عملية الاغتيال قد يعاني من خلل نفسي ما، حتى إذا كان الدافع الحقيقي وراء عملية الاغتيال يعود إلي أسباب أسباب سياسية أو اقتصادية أو غيرهم. ويعد اغتيال السفبر الروسي في تركيا عام 2016 احتجاجا علي مشاركة روسيا في الحرب في سوريا، أحد أهم الأمثلة علي الاغتيال بدافع نفسي.

 (-) دافع اقتصادي: حيث أن الأوضاع الاقتصادية المتردية في بعض المجتمعات كالفقر والبطالة قد تدفع أحيانا إلي تبني أحد أفرادها لأسلوب الاغتيالات تجاه شخصيات أو طبقات معينة من أجل التربح من خلال طلب المال. كما تعد عصابات المافيا أشهر من تمارس عمليات الاغتيالات حال عدم توافر الأموال.

(-) دافع شخصي: قد تكون هناك دوافع شخصية خلف عملية الاغتيال كالغيرة والكراهية والحقد الشديد، من قبل المعتدي تجاه المعتدي عليه، وقد تكون بسبب حالة ظلم وقعت من قبل شخص تجاه الآخر، كالقاضي والمحكوم عليه بحكم غير عادل، وغيرها من الحالات المماثلة.

محفزات التصاعد:

لا يمكن إغفال أن تصاعد موجة الاغتيالات السياسية في العلاقات الدولية بشكل متكرر ومتتالي في الآونة الأخيرة، كان نتاجا وامتدادا لأنظمة وتكتلات تشكلت مسبقا، خاصة خلال السنوات القليلة الماضية، وساهمت في توفير بيئة مواتية لتحفيز وتوظيف الاغتيالات كأداة لتحقيق المصالح سواء التسلق إلي السلطة أو مواضع النفوذ داخل الدول. ومن هذا المنطلق، يمكن الإشارة إلى عدد من المحفزات الرئيسية لتصاعد موجة الاغتيالات الراهنة؛ وذلك على النحو الآتي:

(*) صعود اليمين المتطرف: شهد العقد الماضي علي وجه التحديدالصعود السياسي لتيارات اليمين القومي المتطرف بمختلف انتماءاته الدينية والفكرية في العديد من الدول، خاصة الغربية، ومن المعروف عن تيار اليمين المتطرف، التشدد والكراهية والعنصرية وتبريره الدائم لمثل هذه الأساليب، لإتاحة الفرصة لأعضائه لاستخدام الاغتيالات السياسية كسبيل للتعبير عن آرائهم أو معتقداتهم، أو كوسيلة للوصول إلى السلطة أو تحقيق مكاسب سياسية بشكل أو بآخر، ومن المتوقع أن تستمر هذه التيارات في الازدياد والحضور والتأثير بالمشهد السياسي العالمي مستقبلا، خاصة مع بزوغ أنماط من القادة يتبنون خطابا استعلائيا قائما على العنصرية ومعاداة أفكار التعايش مع قوميات بعينها، علي غرار حكومة الكيان الصهيوني الحالية التي يتزعمها المتطرف الأكبر بنيامين نتنياهو، والتي تستخدم كافة أساليب الكراهية ليس سرا فقط وإنما علنا، ولعل العدوان الإسرائيلي الغاشم الوحشي علي قطاع غزة في الفترة الحالية والذي دخل شهره الخامس دون هوادة وما سبقه خلال السنوات القليلة الماضية من سياسات عنصرية ومتطرفة من تلك الحكومة التي يكتسحها تيار اليمين، كاستمرار الاستيطان والممارسات الإرهابية للمستوطنين، ورفض مبدأ حل الدولتين والاعتراف بدولة فلسطين، وتهويد القدس، وارتفاع معدل الاعتقالات العشوائية إلي جانب التنكيل بالأسري الفلسطنيين، ويجب التنويه إلي أن تلك الحكومة الفاشية تمارس الاغتيالات علنا وتفخر بها بل وتشرعنها، وللأسف الشديد هنالك حكومات غربية علي نفس الشاكلة، تبرر لها هذه التصرفات التي تتنافي مع القيم الإنسانية والقوانين الدولية.

(*) غياب الاستقرار السياسي: علي ذكر غياب الاستقرار السياسي كونه أحد أهم محفزات بزوغ ظاهرة الاغتيالات السياسية، تأتي منطقة الشرق الأوسط في المقدمة، تلك المنطقة الحافلة بتاريخ مشتعل من الصراعات والتنافس والتدخل الأجنبي السافر في شئون دولها، فكما ذكرنا خلال العقدين الماضي والحالي، كانت وما زالت المنطقة تعاني من اضطرابات شديدة علي كافة الأصعدة، لاسيما السياسية، خاصة منذ منذ الغزو الأمريكي للعراق وما عٌرف بعدها بثورات الربيع العربي وانعكاساتها، ما أفضي إلي ظهور عدد كبير من الجماعات السياسية والدينية المتطرفة، بالإضافة إلي عودة جماعات أخري قديمة إلي المشهد مرة أخري، كذلك أيضا وجود حكومات متطرفة داخل المنطقة، ما أدي إلي تصاعد وتيرة ظاهرة الاغتيالات السياسية، إلي جانب تصاعدها بشكل عام في العالم وليس فقط إقليم الشرق الأوسط وذلك تحديدا مع اشتعال الحرب الروسية الأوكرانية.

(*) خفض التكلفة: تسعي بعض الأنظمة والجماعات إلي تجنب المواجهات العسكرية التقليدية، والتي تكبد الدول تكاليف باهظة سواء بشرية أو مادية، لذا تلجأ إلي استخدام الاغتيالات السياسية، كاغتيال قادة بارزين في الحرس الثوري الإيراني من قبل أمريكا وإسرائيل دون الدخول في مواجهة مباشرة مكلفة مع إيران.

(*) إضعاف الخصوم: يمكن استخدام عملية الاغتيالات وكذلك عمليات الفجيرات، من أجل بث الخوف في نفوس الخصوم وزعزعة صورتهم الخارجية، والترويج لمعضلة الأمن، وبالتالي إضعافهم وترهيبهم من خلال إلحاق الخسائر بهم، واختراق استراتيجيتهم الأمنية، خاصة مع تطور أنماط الجاسوسية وزيادة التطور التكنولوجي.

(*) تنامي دور الفواعل من دون الدول: خلال السنوات القليلة الماضية وتحديدا في منطقة الشرق الأوسط والدول العربية كاليمن والعراق ولبنان، لوحظ تراجع سيادة الدول بمفهومها المتعارف عليه، ومن هنا برزت الاغتيالات كأحد تجليات تراجع هذه السيادة، ما أعطي مساحة كبيرة للفواعل من غير الدول  للتحرك عبر الحدود وتنفيذ هذه العمليات.

(*) التغطية والاسترضاء: تسعي بعض الأنظمة والجماعات التي تقوم بتنفيذ عمليات الاغتيالات في الوقت الراهن من أجل ما يلي: أولا، التغطية علي فشلها في التفوق علي الطرف الآخر والذي وقع لاحقا ضحية للاغتيال، ثانيا، استرضاء الرأي العام، بل وأحيانا إخماده في حال إذا كانت الجهة المنفذة لعملية الاغتيال هي نظام حاكم، ولعل أبرز الأمثلة في هذا الصدد هو الكيان الصهيوني، في ظل عدوانه الحالي علي قطاع غزة وفشله الذريع في القضاء علي فصائل المقاومة أو حتي أيا من قياداتها، كذلك فشله في تحرير الأسري الإسرائيلين لدي المقاومة، ما أدي إلي إشتعال الرأي العام داخل الكيان والمطالبة بإسقاط حكومة نتنياهو وبن غفير المتطرفة، والتي ما كان منها إلا أن تلجأ لتلك الأساليب، وتنفذ عدد من عمليات الاغتيال بحق قيادات عديدة في محور المقاومة، للتغطية علي فشلها العسكري في قطاع غزة، محاولة إسترضاء الرأي العام الداخلي لديها.

حالات معبرة:

فبحسب الخبراء تتعدد أنواع عمليات الاغتيال من حيث الكيفية والزمان والمكان، ويشير هذا التعدد إلي استمرار استخدام أسلوب القتل خارج إطار القانون كأداة لتصفية الخلافات والحسابات السياسية، ما يعبر عن الوصول لأقصى درجات الاندفاع والتوتر. وأبرزهم كما يلي:

(*) الاغتيال المباشر: وهو عبارة عن قيام مجموعة من أعضاء أجهزة السلطة الأمنية أو الجماعات بعملية الاغتيال بشكل مباشر وإعلان وتبني ذلك.

(*) الذئاب المنفردة: والتي تقوم بعمليات الاغتيال بمنتهي الدقة ويتم اللجوء لهذا النمط لصعوبة تتبع منفذيه.

(*) العملاء المحليين: تستعين الأجهزة الأمنية في كثير من الأحيان بعملاء محليين لتنيذ عمليات الاغتيال، في حال إذا كان الهدف مأمنا علي أعلي مستوي ويصعب الوصول إليه، لذا تسمي فرق العملاء المحليين ب”الوحدات الخاصة”، حيث يتخفون بشكل بارع ويقتربون من الهدف ويقومون بإطلاق النار عليه.

(*) التفجير عن بُعد: عن طريق زرع العبوات الناسفة أو الألغام، خاصة في الأماكن التي يتردد عليها الهدف باستمرار.

(*) الاغتيال عن طريق الطائرات: عن طريق قصف واستهداف المنازل والسيارات أو أماكن الاختباء.

(*) الاغتيال داخل المعتقلات: سواء عن طريق القتل العمد داخل المعتقل أو بالتعذيب والممارسات الوحشية حتي الموت.

(*) الإهمال الطبي العمد: يتم الاغتيال بالإهمال وعدم تقديم العلاج، وهي طريقة شائعة في النظم الفاشية لقتل الأسري عمدا، لذا تسمي بالإعدام الخفي. وتحدث داخل السجون أو المستشفيات.

(*) الاغتيال بالحقن السامة: يتم هنا النوع بشكل خفي وفي معظم الأحيات لا تُكشف تفاصيله، وهو أشد أنواع الاغتيالات بشاعة حيث يتم الوصول إلي الهدف وحقنه في الخفاء ما يؤدي  حيث يتم الوصول إلي الهدف وحقنه في الخفاء ما يؤدي إلي موته علي الفور.

أما الأمثلة، في هذا الصدد نركز علي حركة الاغتيالات السياسية الموجهة للقيادات الإيرانية سواء خارج إيران أو داخلها بداية من العقد الماضي ووصولا إلي الفترة الحالية، كذلك العمليات الإرهابية والتفجيرات التي شهدتها المدن والمنشآت الإيرانية. في إشارة دائمة من طهران لتوجيه أصبع الإتهام إلي الكيان الصهيوني بشكل مباشر أو غير مباشر، إلي جانب استهداف الولايات المتحدة الأمريكية لقادة وعلماء إيرانيين. ويشير الخبراء إلى أن إسرائيل هي التي بدأت بتبني سياسة الاغتيالات مؤخرا أيضا وبوتيرة متتالية ضد قادة قيادات إيرانية هامة في المنطقة خاصة بعد عملية “طوفان الأقصى” وأنها وجدت في ذلك مساحة كافية لضرب الأراضي اللبنانية والسورية، إلي جانب التفجيرات والعمليات في الداخل الإيراني نفسه، من أجل التغطية علي فشلها ضد إيران بدءا من البرنامج النووي ووصولا إلي محور المقاومة المدعوم إيرانيا، كذلك زعزعة صورة إيران الأمنية ومحاولة إضعافها. ومن أبرز الاغتيالات التي وجهت للشخصيات الإيرانية في السنوات الماضية وكان أبرزها (اغتيال مسعود على محمدي أستاذ مادة فيزياء الجسيمات في جامعة طهران في انفجار دراجة نارية مفخخة عام 2010، اغتيال مجيد شهرياري عالم فيزياء نووي بانفجار قنبلة في سيارته بطهران في عام 2010، اغتيال داريوش رضاني نجاد عالم نووي برصاص أطلقه مجهولان في طهران في عام 2011، اغتيال حسن طهراني مقدم جنرال في الحرس الثوري جراء استهداف أحد مستودعات الذخيرة بطهران في عام 2011، اغتيال مصطفى أحمدي روشان عالم نووي في انفجار قنبلة بسيارته عام 2012، اغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني في ضربة بطائرة مسيرة أمريكية بالعراق في عام 2020، اغتيال محسن فخري زادة والذي كان مُلقبا بمهندس القنبلة النووية الإيرانية جراء استهداف سيارته قرب طهران في عام 2020، اغتيال حسن صياد خدابي عقيد في الحرس الثوري برصاص أطلقه مجهولان في طهران في عام 2022، واغتيال رضا موسوي، أحد أقدم مستشاري الحرس الثوري الإيراني في سوريا، في غارة جوية على ريف دمشق 2023).

مؤثرات وتداعيات:

يوُصف موقف القانون الدولي من ظاهرة الاغتيالات السياسية ، بالضعف وعدم تحمل المسئولية في مواجهة هذه الظاهرة والتصدي لها، لاسيما أن لها مردودات سلبية كثيرة علي الأنظمة والمجتمعات وعلي العلاقات الدولية بشكل عام. ومع ذلك لا يوجد لها مناقشة جادة في القانون الدولي، رغم تعدد الاتفاقيات التي تُجرم وتمنع التعرض إلي الأشخاص الذين يتمتعون بالحماية الدولية، خاصة الشخصيات الدبلوماسية. فنهجد أن اتفاقيات ومواثيق هامة لم تتطرق إلي الأمر بتاتا، كميثاق الأمم المتحدة وميثاق الاتحاد الأوروبي وغيرهم. وعلي الجانب الآخر هنالك عدد محدود من المواثيق الدولية كاتفاقيات جينيف والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ولقد تناولا “حظر السلوك الذي يوصف علي أنه اغتيال”، وكذلك ” حظر استهداف وقتل أي شخص خارج نطاق القضاء”. استنادا إلي القانون الدولي الإنساني والمفترض تطبيقه خلال فترات الحروب والنزاعات المسلحة. ولكن من المؤسف حقا أن هذه المواثسق أيضا لا يتم الالتزام بها، فالكيان الصهيوني علي سبيل المثال شرع في تنفيذ قانون الغاب الخاص به ، قافزا علي كل القوانين والمواثيق وضاربا بها عرض الحائط، والمجتمع الدولي متواطئ في هذه الجرائم، فلقد مارس الاحتلال اغتيالات عديدة مؤخرا، سواء في الداخل أو الخارج وكل مرة يجد من يبرر له مزاعمه المزيفة  بل ويدعمه، لذا من المتوقع بشكل كبير في ظل غياب تجريم القانون لمثل هذه الأساليب أن ترتفع حالات الاغتيال في الفترة المقبلة

أما الانعكاسات السلبية للاغتيالات، فقد تتمثل في إجراء تغييرات حساسة في مفاصل الدولة، كتغيير رئيس الدولة حال تم اغتياله، أو تغيير رئيس الوزراء أو عدد من الوزراء. كما قد يتم استخدام الاغتيالات السياسية، سيما المتكررة في منطقة أو دولة بعينها، كذريعة للتدخل الأجنبي في شئونها، كما يمكن استخدام عمليات الاغتيال أيضا كمحرك من أجل الضغط الداخلي في المجتمعات لإحداث تغييرات هامة ومؤثرة. كما يمكن أن تؤدي حادثة اغتيال ما إلى تبني الدولة سياسات جديدة كانت تدافع عنها الشخصيات المستهدفة بالاغتيال. كما قد تساهم الاغتيالات أيضا في تعميق الخلافات بين الأنظمة ومختلف القوى السياسية والمجتمعية، وهو ما قد يؤدي إلى انتشار ما يمكن تسميته بحسب الخبراء”دورة العنف” وهو ما قد يدفع بالعديد من الأنظمة السياسية إلي حافة الهاوية.

وختاما، يمكن القول أن الأوضاع الحالية في النظام الدولي والإقليمي، وخاصة ما تشهده منطقة الشرق الأوسط، تُنبأ بتصاعد وتفاقم ظاهرة الاغتيالات السياسية في الفترة المقبلة ، نتيجة حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي التي تشهدها العديد من الدول ما أدي إلي كثرة الصراعات وظهور الميليشيات وارتفاع معدل الجريمة أيضا، كذلك ضعف أو يكاد يكون غياب كامل للشق القانوني من تجريم هذه الظاهرة، والسيناريو الأسوأ من ذلك هو لجوء الدول والأنظمة لهذه الظاهرة بشكل متكرر بديلا عن الحرب المسلحة المباشرة نظرا للتكاليف المنخفضة للاغتيالات، وهو ما قد يؤدي إلي المزيد من الاشتعال في العلاقات الدولية.

الرابــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــط: 

لماذا تتصاعد ظاهرة الاغتيالات في الشرق الأوسط؟

سارة أمين

سارة أمين، الباحثة حاصلة علي ماجستير في العلوم السياسية، شعبة العلاقات الدولية، متخصصة في دراسة شئون الشرق الأوسط والخليج العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى