قمة نجامينا: أي مستقبل للاستراتيجية الفرنسية في منطقة الساحل الإفريقي؟

قبل عام واحد من الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 2022، يواجه الرئيس “إيمانويل ماكرون” ضغطأ داخلياً متزايداً بشأن الإنخراط العسكري في منطقة الساحل الإفريقي، في ظل التعقيدات التي تواجهها المقاربة الفرنسية في هذه المنطقة، والتي ستؤثر بشكل كبير على تقييم الناخبيين لسياسة ماكرون الخارجية، وفي هذه الإطار جاءت قمة مجموعة دول الساحل الإفريقي الخمسة في العاصمة التشادية “نجامينا” والتي شهدت حضوراً إفتراضياً لمكارون، حيث عمدت هذه القمة لتقييم الاستراتيجية العسكرية في منطقة الساحل وبحث مستقبل العملية الفرنسية “برخان”.

تراجع واضح:

ثمة تراجع كبير في مستوى الدعم الشعبي في الداخل الفرنسي لإنخراط باريس في منطقة الساحل الإفريقي، فقد أظهر استطلاع للرأي أجراه المعهد الفرنسي للرأي العام (IFOP) في يناير 2021 أن 51% من الفرنسيين لم يعودوا يدعمون التدخل العسكري لبلادهم في الساحل الإفريقي، وهو ما يمثل أدنى مستوى من الدعم الشعبي للدور الفرنسي في هذه المنطقة منذ ثماني سنوات، وهو ما دفع الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ إلى بدء مناقشات بشأن تقييم الدور الفرنسي في هذه المنطقة، وذلك بعد عام واحد من قمة “باو” الفرنسية في يناير 2020 بين قادة دول “مجموعة الساحل الخمسة” 5G وفرنسا والتي أسفرت عن تعزيز الدور الفرنسي عبر نشر 600 جندي فرنسي إضافي في منطقة الساحل، ليصل إجمالي عدد القوات الفرنسية المنضوية تحت لواء عملية “برخان” إلى حوالي 5100.

ويرتبط تراجع الدعم الداخلي الفرنسي لدور بلادهم في منطقة الساحل الإفريقي بالخسائر المتتالية التي تتعرض لها فرنسا جراء انخراطها في مكافحة الإرهاب في هذه المنطقة، فبعد مرور عام من قمة “باو” فقدت باريس 12 جندياً إضافياً ليبلغ إجمالي الخسائر الفرنسية منذ بداية تدخلها في 2013 حوالي 57 جندياً، إضافة إلى الخسائر المادية الهائلة والتي تبلغ تكلفتها السنوية قرابة المليار يورو في حرب تبدو – من وجهة نظر المواطنيين الفرنسيين- بعيدةً ولا تنتهي، وبالتالي تعكس نتائج استطلاع الرأي لمعهد IFOP أن دافعي الضرائب الفرنسيين لا يرون في تمويل العمليات العسكرية في الخارج أولوية في هذا التوقيت، وذلك بالنظر إلى مدى تضرر اقتصاد بلادهم من فيروس كورونا.

قمة ناجمينا:

شهدت العاصمة التشادية “نجامينا”، في 15 و 16 فبراير الجاري، القمة السابعة لرؤساء دول مجموعة الساحل الإفريقي الخمسة 5G ( موريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وتشاد) بالإضافة إلى الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” الذي أنضم لهم افتراضيا عبر تقنية الفيديو كونفرانس، كذلك شهدت هذه القمة حضوراً إقليمياً ودولياً واسعاً؛ وهو ما يعكس القلق من التوتر الأمني بالساحل الإفريقي وتصاعد رقعة انتشار الإرهاب في هذه المنطقة، حيث شهدت القمة مشاركة ممثلين عن مصر والإمارات والسودان والمغرب وغانا وكوديفوار والولايات المتحدة وألمانيا فضلاً عن ممثلين عن الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي واتحاد الساحل.

وتمثلت أبرز الملفات التي تم بحثها خلال هذه القمة في تقويم مخرجات الحرب القائمة ضد الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل، خاصة في منطقة “الحدود المثلثة” بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو حيث ترتكز هذه العمليات، كما تم بحث تداعيات فيروس كورونا على هذه المنطقة، كذلك ناقشت القمة مستقبل القوة الفرنسية “برخان”، خاصةً وأن هذه القمة تأتي في أعقاب جملة من التلميحات من قبل بعض المسئوليين الفرنسيين – على رأسهم ماكرون- والتي رجحت وجود نية فرنسية في تقليص تواجدها في منطقة الساحل، حيث أشارت تقارير فرنسية سبقت قمة “ناجمينا” أن الرئيس “ماكرون” بات يتعرض لضغوط انتخابية في الداخل لتقليل التزام القوات الفرنسية في منطقة الساحل، ومن ثم رجحت هذه التقارير أن ماكرون سوف يناقش في القمة مع القادة الأفارقة فكرة سحب قوة الزيادة الإضافية التي يبلغ قوامها 600 جندي والتي كانت أرسلتها باريس بعد قمة “باو” في يناير 2020.

تراجع اضطراري:

في كلمته خلال قمة “ناجمينا”، تراجع الرئيس الفرنسي ” إيمانويل ماكرون” عن إعلان انسحاب قوات بلاده من منطقة الساحل الإفريقي، والإحتفاظ بقوى عملية “برخان” الـ5100 كاملة دون تقليص، ولعل هذا التراجع يربتط بعدة محددات، يتمثل أبرزها في تلقي باريس وعوداً من الإدارة الأمريكية الجديدة للرئيس “جو بايدن” بشأن تعزيز التعاون بين البلدين، كذلك إرسال تشاد لـ 1200 جندي إلى منطقة الحدود “المثلثة” بين النيجر وبوركينا فاسو ومالي بعد أن تأجل تنفيذ هذا القرار لأسباب أمنية ومادية، ومن ثم ستركز هذه القوات التشادية عملياتها على كبح جماح “تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” ISGS، مقابل تفرغ القوات الفرنسية لمواجهة جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” JNIM وفروعها.

كذلك، لا ترغب فرنسا في خسارة ما انفقته في هذه المنطقة، فعلى الرغم من العديد من التعثرات التي تواجه المقاربة الفرنسية في الساحل الإفريقي، بيد أنها نجحت كذلك في تحقيق بعض التطور، ويضاف لذلك وجود رغبة من قبل قادة دول الساحل الخمسة في بقاء فرنسا للحيلولة دون تدهور الأوضاع في ظل اتساع رقعة انتشار الجماعات الإرهابية في المنطقة والتي تهدد وجودية هذه الدول، فقد أشاد الرئيس الموريتاني خلال زيارته لمقر حلف الناتو في بروكسل في 14 يناير 2021 بأهمية دور عملية برخان الفرنسية.

من ناحية أخرى، ربما تدرك فرنسا أنها لا تسطيع الانسحاب الآن بعدما أقنعت حلفائها الأوروبين بالأنضمام إلى الحملة العسكرية، والمتمثلة بالأساس في قوة “تاكوبا” التي تم تشكيلها العام الماضي وتضم قوات خاصة من عدة دول أوروبية.

مأزق الساحل:

عكست قمة “نجامينا” حالة الإرتباك التي تسود في منطقة الساحل الإفريقي، فتنظيما “القاعدة” و”داعش” وفروعهما المختلفة لا تزال مستمرة في التوسع نحو مزيد من المناطق الجديدة، في الوقت الذي تعاني فيه دول الساحل حالة الهشاشة الأمنية والفقر الذان يقوضان أي قدرة لهذه الدول على مواجهة هذه التحديات، فضلاً عن حالة الارتباك والتخبط التي تعاني منها الجهود الدولية – بقيادة فرنسا- خاصةً بفعل تداعيات فيروس كورونا، وقد انعكست حالة الارتباك بوضوح خلال قمة “نجامينا” من خلال تراجع فرنسا عن تقليص عدد قواتها في منطقة الساحل، ما يثير العديد من التساؤلات بشأن مستقبل المقاربة الفرنسية في التعامل مع مأزق الساحل الإفريقي، وهل يكون للدعم الأمريكي المحتمل دوراً في تعزيز فرص نجاح الاستراتيجية الفرنسية في هذه المنطقة؟

كذلك، يراهن الرئيس الفرنسي “ماكرون” على القوة الأوروبية “تاكوبا”، بيد أن هذه الخطة الفرنسية تواجه العديد من التحديات، لعل أبرزها هو أن هذه القوة الأوروبية لاتزال في بداية تشكيلها نظراً لإحجام بعض القوى الأوروبية عن المشاركة، خاصة ألمانيا التي تبدي تحفظات تجاه فكرة توسيع الإنخراط العسكري في منطقة الساحل، وهو ما عبر عنه وزير الدفاع الألماني الذي أشار إلى عدم نية بلاده إرسال قوات إضافية إلى منطقة الساحل والإكتفاء بالدعم الألماني الراهن للجهود الدولية في هذه المنطقة، وفي الوقت الذي أعلنت فيه عدد من الدول الأوروبية استعدادها لإرسال جنود للمشاركة في العملية العسكرية في الساحل الإفريقي، بيد أن هذه الجهود تسيير ببطئ.

لكن، هناك خطة جديدة أعلن عنها ماكرون مؤخراً قائمة على محورين رئيسيين هما: “التدويل” وذلك من خلال السعي لوصول القوة الأوروبية الخاصة لحوالي ألفي جندي ( بالإضافة إلى 500 جندي فرنسي) بهدف دعم قوات دول الساحل، فضلاً عن إحلال هذه القوة تدريجياً محل القوات الفرنسية. أما المحور الثاني: فيتمثل في العمل على تسليم قيادة العمليات للقوة العسكرية المشتركة لدول الساحل 5G. بيد أن هذه الخطة أيضاً تواجه تحديات كبيرة، لعل أبرزها ما يرتبط بنقص التمويل، حيث أشار الرئيس الفرنسي إلى أن القوة العسكرية المشتركة لدول الساحل تتطلب دعماً مالياً بقمة 40 مليون يورو سنوياً، ويبقى السبيل الوحيد لتوفير هذا الدعم هو وضع هذه القوة تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو الأمر الذي طالما رفضته الإدارة الأمريكية السابقة لدونالد ترامب، بيد أن ثمة مؤشرات إيجابية بدأت تتبلور وتعكس ملامح تغيير محتمل في نهج الإدارة الأمريكية الجديدة.

من ناحية أخرى، لا تزال هناك إشكالية بشأن ملف الحوار مع الجماعات الإرهابية، وهو المسار الذي ترفضه فرنسا، بيد أن هذا الطرح يلقى قبولاً واسعاً لدى بعض دول الساحل الإفريقي الخمسة، وبالتالي يبقى هذا الملف أحد أبرز الخلافات بين باريس ودول الساحل، وربما يثير إعلان مالي في 20 فبراير الجاري عن إنشاء هيئة لبدء المحادثات مع التيارات المتطرفة حفيظة فرنسا، خاصةً وأن هذا الإعلان يأتي بعد أقل من أسبوع عن قمة “نجامينا” التي أكد خلالها الرئيس الفرنسي عن رفضه لأي حوار مع الجماعات الإرهابية.

في النهاية، يمكن القول إن هناك حالة لا تزال من الضبابية بشأن مستقبل الاستراتيجية التي يتبعها الشركاء الدوليين في منطقة الساحل الإفريقي. فعلى الرغم من حجم الاستثمارات الهائلة التي تتم في هذه المنطقة والتي نجحت في تحقيق بعض التقدم، بيد أن المقاربة الغربية ركزت بالأساس على المسار العسكري على حساب الجانب التنموي وهو ما أدى إلى إهدار الكثير من هذه الجهود، وربما هذا ما دفع “أرانتشا غونثاليث لايا” رئيسة “تحالف الساحل” ( وهو تحالف تم تشكيله منذ ثلاث سنوات يضم 24 من الشركاء والممولين) للإشارة إلى أن 17 مليار يورو سيتم توجيهها للمشروعات التنموية في منطقة الساحل.

وبالتالي، فعلى الرغم من النجاحات التكتيكية المتحققة على الأرض في منطقة الساحل، بيد أن الوضع في هذه المنطقة لا يزال قاتما، في ظل وجود استراتيجية جديدة للجماعات الإرهابية في هذه المنطقة تستهدف مزيد من التوسع خلال الفترة القادمة، لذا تبقى الحاجة ملحة لرؤية شاملة وتعاون من قبل الفواعل الدولية والإقليمية لمكافحة هذه الجماعات سياسياً وتنموياً وعسكرياً.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى