استقواء بالدب الروسي: هل يلجأ النظام السوري إلى توجيه ضربته الدفاعية؟  

منذ اندلاع النزاع في سوريا في عام 2011، نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي، غارات جوية وصاروخية على الأراضى السورية، مستهدفة الجيش السوري، وقوات إيرانية، كما استهدفت الغارات، عناصر «حزب الله» اللبناني، حيث تم تنفيذه 50 غارة على أهداف سورية في 2020، فضلا عن 20 عملية نوعية عند الحدود اللبنانية والسورية.

والحق، يمكننا القول بأن إسرائيل أدركت أن حزب الله اللبناني يقيم بنى تحتية لخلايا تستهدف تحويل الجولان إلى نقطة انطلاق لمحاربة إسرائيل، فنفذت ضربات عديدة ذات أثر مدمر لتلك الخلايا، كما اغتالت عدداً من قادة هذه الخلايا من الضباط الإيرانيين واللبنانيين، فمثلا اغتالت القيادي العسكري الكبير في حزب الله، عماد مغنية، في دمشق، عام 2012، ثم اغتالت جهاد مغنية وسمير قنطار في 2015. ومع زيادة النفوذ الإيراني، متعدد الأشكال، في سوريا، باتت إسرائيل تنظر إلى التمركز الإيراني المهدد لأمنها القومي على نحو شامل، عسكري وأمني وسياسي.

ضربات متلاحقة:

عقب اغتيال رئيس مؤسسة الأبحاث والتطوير في وزارة الدفاع الإيرانية العالم النووي محسن فخري زاده، في 27 نوفمبر 2020، وُجهت اتهامات مباشرة من قبل حكومة طهران لإسرائيل بالمسئولية عن حادث الاغتيال. ورغم عدم تبني تل أبيب للعملية بشكل رسمي، إلا أن بعض مسئوليها كانوا حريصين على توجيه تلميحات بأنها المسئولة عنها، وهو ما توازى مع رفع درجة الجهوزية العسكرية على الحدود مع سوريا تحسباً لأى رد فعل انتقامي من جانب إيران أو حلفائها رداً على مقتل فخري زاده.

ويمكن القول بأن الضربات الإسرائيلية للأراضي السورية، قد جاءات بالتوازي مع تحركات دبلوماسية على المستوى الدولي، لمواجهة التمدد الإيراني في سوريا، فقد دعا مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة، جلعاد إردان، في 24 نوفمبر 2020، مجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ إجراءات فورية لإخراج القوات الإيرانية من سوريا. كما وجه رسالة رسمية إلى مجلس الأمن قال فيها: “إن النظام السوري يواصل السماح لإيران ووكلائها باستخدام أراضيه، بما في ذلك المنشآت العسكرية والبنية التحتية، لترسيخ وجودها في سوريا وتقويض جهود الحفاظ على الاستقرار في المنطقة”.

ومن أهم أشكال المواجهة التي تبنتها إسرائيل من أجل التصدي لهذا التحدى الإيراني، ما يلى:

(*) قررت إسرائيل محاربة هذا التمركز الإيراني بالقوة، فصارت تقصف ليس قوافل السلاح وحسب بل القواعد الإيرانية المنتشرة في طول وعرض الأراضي السورية. وإذا كانت في السابق قد نفذت هذه الهجمات بسرية ولم تعلن مسئوليتها عنها، فقد أحدثت انعطافاً في هذا النهج، منذ النصف الثاني من سنة 2018 وحتى الآن، وشنت غارات مكثفة أسفرت عن مقتل العديد من عناصر جيش النظام السوري والحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني وعناصر الميليشيات الشيعية.

(*) الدخول فى تفاهمات مع الروس لإبعاد الإيرانيين عن الحدود الإسرائيلية، فقد دخلت إسرائيل في مفاوضات غير مباشرة مع إيران، عبر الجيش الروسي، لإنهاء هذا الوجود، حيث اتفقت على تقليص هذا الوجود وإبعاد الإيرانيين عن الحدود الإسرائيلية بعمق 80 كيلومتراً عن الحدود في الجولان.

(*) سبق أنْ وجه وزير الشؤون الاستراتيجية في حكومة نتنياهو، يوفال شتاينتس، تهديداً مباشراً بالقتل للرئيس السوري، بشار الأسد، إذا سمح لإيران بالعمل من أراضي سوريا ضد إسرائيل.

(*) وجَّهت المخابرات الإسرائيلية تهديداً للمسئول الإيراني المكلف بالملف السوري، فكشفت اسمه على الملأ، الجنرال جواد غفاري، المعروف بلقب “جزار حلب”، بسبب العمليات الحربية الشرسة التي قادها في هذه المدينة.

(*) قامت إسرائيل بقيادة حملة دولية ضد المشروع النووي الإيراني وضد تطوير إيران للصواريخ البلايستية.

(*) سعت إسرائيل، بدعم وقبول أمريكي، لفتح العلاقات مع الدول العربية، وتشكيل تحالف مع بعض الدول العربية لمواجهة إيران، إلا أن إصرار تل أبيب على عدم إحداث تقدم في الموضوع الفلسطيني يشوش عليها التقدم في تلك العلاقات.

(*) تواصلت حملة الاغتيالات لعلماء الذرة الإيرانيين. ونفذ الموساد عملية جريئة في طهران، إذ خطف أرشيفاً من مخازن سرية، احتوت على معلومات عن المشروع النووي العسكري.

(*) وفي إجراء ضيق ومحدود النتائج، أقام الجيش الإسرائيلي قبل سنوات علاقات مع الدروز السوريين، الذين يؤيدون نظام الأسد، ومن خلالهم أوصلت تل أبيب الرسائل للقيادة في دمشق، وذلك إلى حين وصل الروس إلى سوريا في سبتمبر 2015. كما أقامت علاقات أخرى مع قوى المعارضة من جهة ثانية. وفتحت بوابة خاصة على الحدود، استقبلت من خلالها جرحى حرب سوريين، وأقام الجيش الإسرائيلي لهم مستشفى ميدانياً على الحدود. ومنذ بدأ هذا الاهتمام عولج نحو 6 آلاف جريح في المستشفى الميداني، بينهم 4500 نقلوا إلى المستشفيات الإسرائيلية لمواصلة العلاج وتم استيعاب 3500 جريح سوري آخر نقلوا مباشرة للعلاج في المستشفيات وفقا لصحيفة “يديعوت أحرونوت” في 30 يونيو 2018.

الروسي فى المعادلة الإسرائيلية السورية:

عندما وصل الروس بشكل مفاجئ إلى سوريا، بقوتهم العسكرية الضاربة، دبّ الفزع في تل أبيب في البداية، وهنا فهم القادة الإسرائيليون أن المحور الإيراني قد تلقى دعماً حيوياً من شأنه قلب الموازين في المنطقة. وأدركوا أن نشاطهم الحربي ضد إيران وميليشياتها، سيصبح محدوداً ومقيداً. ومع تقدم القتال الروسي في سوريا، انزعجت تل أبيب من الخبرة التي يكتسبها الجيش السوري من أساليب القتال الروسية المميزة، وانزعت أكثر من مشهد عناصر حزب الله اللبناني وهم يحاربون أيضاً جنباً إلى جنب مع الجنود الروس، بما يمنحهم فرصة الاستفادة من الخبرة الروسية. كما اهتم الجيش الإسرائيلي بمعرفة ما إذا كان الروس سيتركون وراءهم، إذا ما غادروا سوريا، الأسلحة المتطورة التي جلبوها واستخدموها في الحرب.

وعلى أية حال ينبغى التأكيد على أن الوجود الروسي فى سوريا، وبرغم تطور العلاقات إيجابا بين موسكو وتل ابيب، ينطوي – بدرجة أو أخرى- على أخطار عدة، فمثلا إسرائيل لا تثق بروسيا، وتعرف أن لديها سلم أولويات مغايرا لسلم أولويات إسرائيل، وفي كثير من الأحيان يوجد تناقض صارخ في مصالحهما.

الحق، إن روسيا لا تنسى للحظة ولا تسمح لإسرائيل أن تنسى بأنها الدولة العظمى بين الدولتين، والأخطر من ذلك هو أن الروس يعملون بشكل حثيث على إعادة بناء الجيش السوري.

ولا يفوتنا التذكير بأن الزيارات المتكررة لبنيامين نتنياهو إلى روسيا للقاء الرئيس فلاديمير بوتين كانت تستهدف – بدرجة أو أخرى- طمأنة تل أبيب والتنسيق معها، لكنّ الروس أيضاً معنيون بعلاقات أفضل مع إسرائيل ولديهم معها مصالح لا تقل أهمية، فالروس .فى علاقتهم مع إسرائيل، ينطلقون من ثلاث سينايوهات أما السيناريو الأول، فهم يريدون أن يتفادوا أي احتكاك عسكري مع إسرائيل؛ فمع ثقتهم من أنهم سيخرجون منتصرين من أي صدام، ولو بسيط، مع إسرائيل، إلا أنهم يخشون من أي خلل يظهر أفضلية الأسلحة والأداء الإسرائيليين. وأما السيناريو الثاني، فيبنى على أساس أنهم معنيون بأن تكف إسرائيل عن هجماتها العسكرية على جيش النظام السوري، وألا تُقْدم على عملٍ يقوض هذا النظام. أما السيناريو الثالث، فمؤداه أن الروس يريدون من إسرائيل أن تساعدهم في الساحة الدولية عموماً، ولدى الكونجرس الأمريكي خصوصاً، لوقف العقوبات على روسيا بسبب الأزمة مع أوكرانيا.

وغنى عن البيان أنه منذ التدخل العسكري الروسي في سوريا في سبتمبر 2015، راحت موسكو تقنع تل أبيب بأن الوجود الروسي فى سوريا يصب في صالح إسرائيل، كونه جاء أولاً ليقضي على داعش وجبهة النصرة وسائر قوى الإرهاب هناك، ويعيد الاستقرار إلى سوريا، وأن نظام الأسد الذي احترم اتفاق فصل القوات لأكثر من أربعة عقود هو نظام آمن لإسرائيل، كما أن موسكو تتفهم جيدا المصالح الإسرائيلية الأمنية في سوريا، و على استعداد لأخذها بعين الاعتبار في علاقاتها مع حلفائها الإيرانيين. وعليه، فقد وجد الطرفان أرضية خصبة للتعاون أكثر من التخاصم.

إسرائيل والهجمات المتكررة:

تسعى تل أبيب إلى منع الإنجازات الإيرانية في سوريا، ودحر النفوذ المتنامي لطهران هناك، وفي جواره-لبنان والعراق. وكثيراً ما تختصر تل ابيب هذا الهدف بعبارة “منع التمركز الإيراني ومواجهته، كما تأمل أن تنال اعتراف دولي بالسيادة على الجولان، وإقامة “حزام أمني” على الجهة الشرقية منه، فضلا عن تقليص مكاسب تركيا، بمحاولة عدم خروج الأكراد من كامل اللعبة، وكذلك التأكيد على وضع حدود للمكاسب الروسية، خصوصاً بعدما اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترمب، قراراً لا يرضي تل أبيب، بالانسحاب وترك الساحة لنفوذ موسكو.

ويمكن القول إن إسرائيل تسعى إلى توجيه رسائل عدة في أكثر من اتجاه. فعلى الساحة الداخلية الإسرائيلية، فإن تلك العمليات العسكرية المتواصلة لا يمكن فصلها عن اقتراب موعد إجراء انتخابات الكنيست الـ24 في مارس 2021، حيث يسعى رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو إلى استغلال تلك الضربات من أجل تعزيز موقعه السياسي في مواجهة خصومه وتقليص حدة الضغوط التي يتعرض لها بسبب قضايا الفساد التي تلاحقه، عبر تصدير مشهد التهديدات الأمنية التي تواجه إسرائيل من الجبهة الشمالية، وجدية حكومته في ترسيخ أمنها وفقاً للخطوط الحمراء التي سبق وحددتها.

وعلى المستوى الدولى، تحاول إسرائيل عبر تلك الضربات توجيه انتباه روسيا بشأن عدم التزام إيران بالتفاهمات الإسرائيلية- الروسية المتعلقة بمنعها من الوجود في المنطقة الحدودية السورية- الإسرائيلية، ودعم النظام السوري لها، وربما تسعى من خلال ذلك إلى توسيع نطاق الخلافات بين روسيا وإيران، والتي تبلورت وبلغت حد الكمال تدريجياً بعد تغير توازنات القوى على الساحة السورية لصالح النظام، إذ تبذل روسيا جهوداً حثيثة من أجل تكريس نفوذها على المستويات المختلفة داخل سوريا وتعزيز دورها باعتبار الطرف الرئيسي الذي يمتلك القدرة على إعادة توجيه مسارات الأزمة، بشكل لا يتوافق مع مصالح وحسابات إيران وحلفائها.

ومن المؤكد أن إسرائيل، بقيادتها الحالية، ترفض التنازل عن الجولان، وسوريا بقيادتها الحالية ترفض التنازل عن حقها في الجولان، وبالتالي فإن العلاقات بينهما هي علاقات عداء، والحدود بينهما تظل جبهة حرب تبرد وتسخن وفقاً للتطورات، قد تتغير هذه الصورة إذا تغيرت الظروف الموضوعية، ونشأت فرصة لتسوية سياسية بين البلدين.

الرد السورى وموقف الحليفة روسيا:

إزاء حالة التخلي الواضحة من جانب الحليف الروسي منذ بدأت الغارات الإسرائيلية على الأراضى السورية وإزاء عدم الترخيص الروسى للجيش السورى باستخدام صواريخ إس 300 بعيدة المدى والتى بإمكانها إنهاك القوة العسكرية الإسرائيلية، يظل رد الفعل السورى على انتهاك سيادته واختراق مجاله الجوى والاعتداء على المدنيين فى مناطق الغارات فضلا عن الاعتداءات المتكررة على مخازن السلاح ومئات القتلى والجرحى ضحايا تلك الغارات، لا وجود له من الأساس ولا يُنتظر رد منها فى المستقبل المنظور.

ولعل هذا الموقف السورى والذى تُرجم فى شكل رد فعل سلبي إزاء الهجمات، تؤكده المسارات السلمية التى سلكتها الخارجية السورية عندما ناشدت المنظمة الأممية في رسالة موجهة إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، جاء بها أن “سلطات العدو الإسرائيلي أقدمت على الاعتداء مجددا على أراضي الجمهورية العربية السورية وذلك عبر إطلاقها ضربات متتالية من الصواريخ من اتجاه الجولان السوري المحتل على المنطقة الجنوبية”. واضافت إن سوريا “تؤكد مرة أخرى أن استمرار إسرائيل في اعتداءاتها الخطيرة والتي باتت تشكل سياسات ممنهجة يتسابق مسئولوها بكل صفاقة للإعلان عنها ولتبريرها بذرائع أمنية واهية لاتنطلي على أحد وأن هذه الذرائع لن تكون المظلة التي يختبئ تحتها العدو الصهيوني لتبرير سلوكه الإرهابي الذي اعتادعليه”.

ومن اللافت أن دمشق حرصت على دعوة مجلس الأمن كي يتحمل مسئولياته في إطار أهدف ميثاق الأمم المتحدة وفي صدارتها، حفظ السلم والأمن الدوليين لاتخاذ إجراءات حازمة وفورية لمنع تكرار هذه الاعتداءات الإرهابية الإسرائيلية، وأيضا العمل على إلزام إسرائيل باحترام قرارات مجلس الأمن المتعلقة باتفاقية فصل القوات ومساءلتها عن إرهابها وجرائمها التي ترتكبها بحق الشعب السوري والتي تشكل جميعها انتهاكات صارخة لميثاق الأمم المتحدة وأحكام القانون الدولي.

نخلص فى ضوء ما تقدم إلى أن الجيش السورى لن يبادر إلى الرد العسكرى على الضربات المتكررة من جانب جيش العدو الصهيوني خاصة فى ظل تقاعس وتخاذل واضح من جانب الحليفة روسيا وتمسك الأخيرة بمصالحها وعلاقاتها مع إسرائيل، حتى ولو انطلقت تصريحات روسية من هنا أو هناك تدين الهجمات الإسرائيلية وتصفها بأنها تهدد الأمن والسلم فى منطقة الشرق الأوسط، وكان الأولى أن يكون هناك رد قاس سواء من الناحية الدبلوماسية أو العسكرية على تصرفات تل أبيب غير المسئولة وعدوانها المتواصل على سوريا بشكل متكرر خاصة مع عدم السماح للجيش السورى باستخدم صوايخ أس 300 والسماح له فقط باستخدام صواريخ أس 200 الأقل تطورا وقدرة على إصابة الصواريخ الإسرائيلية والحيلولة دون توغلها داخل الأراضى السورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى