تحالفات هشة: من هو الرئيس القادم لـ “كينيا”؟

على غرار معظم دول القارة الإفريقية، تعتبر الإنتماءات العرقية هي الصبغة الرئيسة للنظام السياسي في كينيا، بيد أن ثمة ملمح آخر يميز الوضع الراهن في كينيا، ويتمثل بالأساس في التحالفات الهشة التي تشهدها البلاد بشكل متواتر، والتي تستهدف فقط حسم الانتخابات الرئاسية قبل أن تبدأ التصدعات في تقويض هذا التحالف وإعادة تشكيل تحالفات جديدة استعداداً للإنتخابات التالية، ويبدو أن كينيا مقبلة على فصل جديد من هذه التحالفات الهشة، في ظل الاستعداد للإنتخابات الرئاسية في 2022، والتي بدأ الاستعداد لها مبكراً في عام 2018، عندما أعلن الرئيس الكيني “أوهور كينياتا” التصالح مع زعيم المعارضة “رايلا أودينجا” على حساب التحالف التقليدي الذي كان يضم الرئيس ونائبه “وليام روتو”، وهو ما يحمل العديد من التساؤلات بشأن مستقبل هذه التحالفات واحتمالات إعادة تجربة العنف العرقي الدموي التي كثيراً ما تعقب الانتخابات الرئاسية في كينيا.

المستعمرة البريطانية:

تُعد كينيا أحد الدول “المصنوعة”؛ إذ أنها نشأت من خلال الإمبراطورية البريطانية والتي عمدت في عام 1895 لإقامة مستعمرة كينيا على ما يسمي محمية شرق إفريقيا، والتي تعد في حد ذاتها إحدى هدايا الشركة البريطانية الإمبريالية لشرق إفريقيا، والتي ورثت هذه المنطقة من الدولة البوسعيدية العمانية التي كانت تحكم منطقة زنجبار والساحل الإفريقي بما فيه ممبسا.

استحوذت بريطانيا على هذه المنطقة من إفريقيا وقاموا بتأسيس كينيا الحالية، حيث أنشأوا خط سكة حديد بين كمبالا ( عاصمة أوغندا الحالية) ومدينة مومباسا الساحلية في كينيا، وذلك بغرض ربط المناطق التي تسيطر عليها بريطانيا والوصول إلى البحر، وفي أثناء ذلك، مر البريطانيون بالمرتفعات وسط البلاد وأسسواً مدينة “نيروبي” التي صارت لاحقاً هي عاصمة الإقليم، وفي عام 1920 أصبح هذا الإقليم رسمياً مستعمرة بريطانية تحت مسمى “كينيا”.

وتجدر الإشارة إلى أن التقسيم الإداري الحالي لكينيا يعود إلى فترة الإستعمار البريطاني، والذي كان له دوراً أيضاً في إنشاء ما يسمى بـ “المحميات العرقية”، والتي تتمخض عن فصل المجموعات العرقية المختلفة وانشاء مناطق متجانسة عرقية، وبعد الاستقلال شكلت هذه المحميات الأقاليم الإدارية للنظام اللامركزي لكينيا.

وفي الخمسينيات، تشكلت حركة تحريرية تحت مسمى “الماو ماو” بفعل الإضطهاد الذي تعرض لها الشعب الكيني من انتزاع الأراضي والمنازل وفرض الضرائب الباهظة وغيرها من مظاهر الاستبداد، ومن ثم شنت حركة “الماو ماو” عدة هجمات استهدفت المواطنين البيض الذين استوطنوا منازل وأراضي الكينيين، وهو ما ترتب عليه عمليات اعتقال واسعة قامت بها قوات الاستعمار ضد الشعب الكيني، وكان من ضمن المعتقلين “جومو كينياتا” الذي ينتمي لقبيلة “كيكويو”، والذي صار أول رئيس لكينيا بعد استقلالها عام 1963.

دولة متعددة الأعراق:

قبل وصول البريطانيون كانت كينيا مأهولة بثلاث مجموعات عرقية كبيرة، هم الكوشيون والنيلوتيك والبانتو، وتُعد الأخيرة أغلبية سكان كينيا في الوقت الراهن، يليهم النيلوتيك، في حين يمثل الكوشيون أقلية صغيرة. وقد أنحدرت من هذه العرقيات الرئيسية المجموعات الإثنية التي تعيشي حالياً في البلاد، والتي تعترف بهم الحكومة الكينية ومجموعهم 45 مجموعة. وتشكل خمس مجموعات منهم ثلثي عدد السكان، هم (الكيكويو 17.7%)، و(قبيلة اللوهيا 14.3%)، و(قبيلة الكامبا 9.8%) وهذه القبائل من عرقية البانتو، و(قبيلة الكالينجيون 13.4%)، و(قبيلة اللوو 10.7%) وهما من العرقية النيلية.

لا يزال استمرار الاستقرار في كينيا يعتمد بالأساس على التحالفات الهشة بين الجماعات العرقية المختلفة، حيث تنظر القبائل لبعضها البعض بعين الريبة، وقد تتجلى حالة الإنقسامات والتناحر بين هذه القبائل في أعمال العنف المتكررة التي تشهدها الأقاليم الكينية بين الحين والآخر، ولعل أبرز هذه الصدامات كان في الوادي المتصدع الذي تسكنه قبيلتا “الكنجلين” و”الكيكويو”، حيث عمدت الأولى إلى استخدام العنف ضد الأخيرة بغرض إخراج الكيكويو من الأراض الزراعية من المناطق التي يعتبرون أنها سلبت منهم في وقت سابق. وتعمد النخب السياسية إلى استخدام التصدعات الإثنية في حشد الناخبين.

تطور في النظام السياسي:

بعد عام واحد من الإستقلال، تحولت كينيا إلى النظام الجمهوري في عام 1964، حيث حل نظام رئاسي محل نظام الحكم البرلماني، وأعتمد “جومو كينياتا” المركزية في الحكم، والتي ترسخت أكثر بعد وفاته في عام 1978، حيث تولى الحكم بعده ” دانيال آراب موي” الذي أعتمد نظام الحزب الواحد.

وحافظت كينيا منذ استقلالها على علاقات قوية بالغرب، والذي كانت نيروبي محسوبة عليه في فترة الحرب الباردة، حيث كانت الشريك الرئيسي للغرب في إفريقيا لمواجهة الإشتراكية والإتحاد السوفيتي، كما قدمت كينيا قواعد للجيش البريطاني كما تم توقيع معاهدات عسكرية مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا.

وفي 2002، شهدت كينيا أول تداول للسلطة حيث فاز زعيم المعارضة “مواي كيباكي” بالإنتخابات، بيد أن الفساد الذي وعد الأخير بمحاربته قد استمر واستشرى بدرجة أكبر، فضلاً عن تورطه هو الآخر في قضايا فساد، والتي تعد من أكثر الإشكاليات التي تواجه كينيا تعقيداً، إلى جانب الإنقسامات السياسية والإجتماعية.

أزمة تبدأـ.. وعوامل فاعلة:

استمر النظام الرئاسي الذي أنشأه الرئيس الأول لكينيا “جومو كينياتا” حتى عام 2007، حيث شهدت البلاد تصدعات اجتماعية كبيرة؛ وذلك بفعل نتائج الانتخابات الرئاسية التي أفرزت إعادة انتخاب “مواي كيباكي” (المنحدر من إثنية الكيكويو) رئيساً للجمهورية، بفارق ضئيل عن منافسه “رايلا أودينجا” زعيم حركة “الديموقراطية البرتقالية” (المنحدر من إثنية الليو)، وقد عمت الإحتجاجات البلاد والتي خلفت مئات القتلى وأكثر من 600 ألف نازح خلال شهرين فقط، نتيحة العنف العرقي الموجه ضد عرقية ” الكيكويو” التي ينتمي إليها ” كيباكي”.

عكست هذه الأزمة عن هشاشة التركيبة العرقية في كينيا، والأزمة الأكثر تعقيداً والتي تتمخض عن النظام الإنتخابي – الموروث عن بريطانيا- والذي يرسخ هيمنة الأغلبية العرقية، بحيث يحصل الفائز على كافة الإمتيازات مقابل حرمان الطرف الخاسر من كل شيء، كما تعمد النخب السياسية إلى تحريض العرقيات ضد بعضها البعض للفوز في الانتخابات، فضلاً عن الإعتماد على شعار “الآن نأكل” والذي يعني استفادة نخبة محددة من الشعب لأن حاكماً من هذه المجموعة العرقية موجوداً في السلطة. لكن، تم التوصل إلى إتفاق بين الأطراف المتصارعة يفضي إلى تقاسم السلطة بين الرئيس “مواي كيباكي” وزعيم المعارضة ورئيس الوزراء “رايلا أودينجا”، وقد تم استحداث منصب رئيس الوزراء بغرض تسوية الأزمة. وفي عام 2010، تم الاستفتاء على دستور جديد، أفرز نظاماً لامركزياً يمنع التفرد بالسلطة، حيث منح الأقاليم الـ 47 حكم شبه ذاتي، كما ألغى هذا الدستور منصب رئيس الوزراء.

ائتلاف اليوبيل: 

كانت من أبرز إفرازات الصراع العرقي الذي شهدته كينيا في 2007 هو إعادة هيكلة التحالفات الداخلية؛ فقد نجح “أوهور كينياتا” (ابن الرئيس الأول لكينيا “جومو كينياتا”) وخصمه “وليام روتو” بتشكيل تحالف سياسي بين حزبيهما تم تسميته ” إئتلاف اليوبيل” في عام 2012، حيث كان الرجلان على قبل هذا الإتفاق على جانبين مختلفين فترة انتخابات عام 2007، حيث وجهت لهما المحكمة الجنائية الدولية اتهامات بشأن الأحداث التي أعقبت هذه الانتخابات، ونجح هذا الإئتلاف في تحقيق الفوز في الانتخابات الرئاسية 2013 و2017. وكان من بين بنود هذا التحالف هو تولي “روتو” لمنصب نائب الرئيس حتى موعد الانتخابات الرئاسية 2022 والتي سيصبح فيها “روتو” هو مرشح الأئتلاف لمنصب الرئيس، حيث أن المادة “142” من الدستور الكيني الصادر في 2010 تحدد مدة الرئيس بفترتين فقط.

وفي الانتخابات الرئاسية عام 2017، نجح “أوهور كينياتا” مرشح “ائتلاف اليوبيل” في الفوز على زعيم المعارضة “رايلا أودينجا”، ما أدى إلى أزمة جديدة نتيجة طعن ائتلاف المعارضة “ناسا” في نزاهة الانتخابات، وأعقب ذلك قرار المحكمة العليا ببطلان الانتخابات وإعادتها، بيد أن المعارضة بقيادة “أودينجا” قررت مقاطعة الإعادة تحت ذريعة عدم حيادية لجنة الإشراف على الانتخابات، وفي الوقت الذي حقق ” كينياتا” الفوز في الإعادة، أعنلت المعارضة تنصيب ” أودينغا” رئيساً، الأمر الذي كاد أن يدخل البلاد في أتون الحرب الأهلية على غرار أزمة 2007.

“المصافحة” وبداية تشكيل الأحلاف:

استمرت أحداث العنف في شوارع كينيا حتى مارس 2018، حيث عُقد لقاءً مفاجئاً بين الرئيس الكيني “كينياتا” و”رايلا أودينجا” زعيم ” الحركة الديموقراطية البرتقالية” المعارض، عرف بإتفاق “المصافحة” The Handshake Deal والذي نجح في الحيلولة دون سقوط البلاد في صراعاً دموياً جديداً، وقد تمخض عن هذا اللقاء إطلاق مشروع وطني سمي بـ “مبادرة بناء الجسور” Building Bridges Initiativie والتي تستهدف إيجاد حلول لأزمة الانتخابات في كينيا والتي يصاحبها دوما صراعات تهدد استقرار وسلامة البلاد، حيث تم التوصل إلى تفاهمات بشأن إعادة تشكيل الواقع السياسي والإثني من خلال إيجاد صيغة سياسية للمعارضة في البرلمان، مع تعيين زعيم المعارضة في البرلمان، فضلاً عن السماح لها بتشكيل حكومة ظل لمراقبة أعمال الحكومة. كذلك، إمكانية قيام الحزب الفائز بأغلبية مقاعد البرلمان بترشيح عضو منه لتولي منصب رئاسة الوزراء ( مسئوليتها محدودة)، مع إفساح المجال أمام الإثنيات المهمشة لتحقيق تمثيل سياسي لها في البرلمان.

ومثلما كانت هذه “المصافحة” نقطة تحول رئيسي في إنهاء الإنقسام السياسي والعرقي في كينيا، كذلك فقد فرض هذا اللقاء واقعاً جديداً على الساحة السياسية الكينية، حيث فتح الباب أمام إعادة فك وتركيب للتحالفات القائمة، وذلك من خلال التمهيد لتحالف جديد بين “كينياتا” و”أودينغا”، مقابل إحداث تصدعات كبيرة في ائتلاف” اليوبيل” الحاكم، وبالتحديد في علاقة الرئيس الكيني بنائبه “روتو”، حيث يخشى أنصار “روتو” من “مبادرة بناء الجسور” كونها قد تمثل محاولة من قبل الرئيس “كينياتا” للتراجع عن اتفاقية تقاسم السلطة والخلافة، والتي بموجبها سيدعم نائبه “روتو” للرئاسة في انتخابات 2022 بعد أن قضى فترتين.

وقد تحولت التصدعات الداخلية في الائتلاف الحاكم إلى العلن، وذلك بعدما حدث إنقسام بين جناحين داخل الإئتلاف، أحدهما داعم للرئيس يطلق عليه ” kielewekwe” والآخر داعم لنائبه يطلق عليها “tangatnga”، وبات التراشق وتبادل الإتهامات شيئاً مكرر بين الطرفين، وقد أمتدت آثار هذه الاصطفافات الداخلية في الائتلاف الحاكم إلى الحكومة وكافة مؤسسات الدولة، مع وجود إتجاه لتشظي هذا الإئتلاف إلى حزبين منفصلين.

مستقبل غامض:

ثمة حرب تكسير عظام واضحة بات يشنها كل طرف ضد الآخر، ففي حين تم فتح العديد من ملفات الفساد التي تورط فيها مقربون من “روتو”، فضلاً عن مطالبة أعضاء من ائتلاف اليوبيل والبرلمان الكيني بتجريد “وليام روتو” من منصبه كنائب للرئيس، في المقابل هناك تصعيد واضح من قبل أنصار الأخير ضد “مبادرة بناء الجسور” والرئيس “كينياتا”، كذلك بدأ “روتو” في حملته الإنتخابيه مبكراً في محاولة منه لكسب أكبر عدد ممكن من الإثنيات والعرقيات، وعلى الجانب الآخر يبدو أن هناك محاولات من قبل “كينياتا” وحليفه الجديد “أودينجا” إلى التوصل إلى مرشح توافقي بينهما يتم الدفع به لخوض الانتخابات المقبلة، ولعل أبرز الأسماء المطروحه والتي تحظي بدرجة من القبول بينهما هو “فريد ماتيانجل” وزير التربية والتعليم والعلوم والتكنولوجيا الحالي.

كذلك، لا تزال هناك شكوك بشأن احتمالات ترشح الرئيس “كينياتا” لولاية ثالثة بعد تعديل للدستور، فعلى الرغم من نفي الرئيس المتكرر لما يثار في هذا الأمر، بيد أن تصريحات متكررة صدرت عن بعض أعضاء ائتلاق اليوبيل تعكس أن هذا السيناريو لا يزال قائماً، في ظل التفاهمات الراهنة مع زعيم المعارضة “أودينجا” والتعديلات الدستورية التي سيتم الاستفتاء عليها خلال الفترة المقبلة والتي تتعلق بإفرازات “مبادرة بناء الجسور” التي بموجبها سيتم إعادة منصب رئيس الوزراء والذي من المفترض أن يتولاه الحزب الحاصل على الأغلبية، بالتالي لا يمكن استبعاد وجود ترتيبات بين “كينياتا” و”أودينجا” يتمخض عنها تقاسم المناصب بينهما بالدرجة التي تحفظ مصالحهما وتضمن استمرارهما في المشهد.

أخيراً، هناك تزايد مستمر في أعداد المرشحين للإنتخابات القادمة، ومن أبرز الأسماء المطروحة مؤخراً هو “موخيسا كيتوي” وزير التجارة السابق في حكومة الرئيس الأسبق “مواي كيباكي”، والذي أعلن استقالته من منصب الأمين العام لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية للترشح للرئاسة في عام 2022، وإذا ما أخذنا في الإعتبار اتساع قواعد الأحزاب والتحالفات الجديدة في الساحة السياسية الكينية، فإن الأمر يبدو أكثر تعقيدأ وصعوبةً في استشراف مستقبل هذه التحالفات التي تخضع باستمرار لعملية الفك والتركيب، كذلك لا تزال فصول المنافسة الحادة مستمرة بين الرئيس “كينياتا” وحليفه الجديد “أودينجا” من ناحية، ونائب الرئيس “وليام روتو” من ناحية أخري، ومن ثم تبقى كافة السيناريوهات قائمة بشأن الطرف القادر على حسم الفصل الأخير من هذه المنافسة، أم أن هناك طرفاً ثالثاً يمكنه حسم الأمر في2022.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى