الارتداد البطىء: كيف تغيرت مفاهيم الأمن الخليجي بعد المصالحة؟

ركزت التحليلات التي تناولت المصالحة الخليجية التي تمت في يناير الماضي خلال قمة العلا على مسألة عودة العلاقات السياسية بين قطر ودول الرباعي العربي، وطي صفحة الخلاف، وكانت معظم هذه التحليلات متفائلة إلى حد كبير، مُتجاهلة حقيقة ما حدث خلال السنوات القليلة الماضية من تحولات جوهرية وعميقة في مفاهيم الأمن الخليجي، والتي نعتقد أنها القاعدة الصلبة والحاكمة للمدركات الاستراتيجية ليس فقط على مستوى النخب الخليجية، بل على مستوى صناع السياسات في عواصم الدول المعنية بأمن الخليج إقليمياً ودولياً. لقد اُتيحت لي الفرصة للتواجد في الخليج خلال سنوات الأزمة، وعايشت من خلال موقعي كخبير في إحدى المراكز الاستراتيجية هناك، وقّع هذه الأزمة على النخبة وعلى المجتمع، وكذلك على تفكير بعض الدول المعنية بالأمن في الخليج العربي. لقد كانت التحولات عميقة والتغيرات كبيرة في مفاهيم الأمن الخليجي، على النحو الذي يجعل من عملية الإرتداد لمربع ما قبل الأزمة أمراً صعباً، يحتاج ما لا يقل عن عقد من الزمن، إذا ما سارت الأمور على حالها دون انتكاسات أخرى خلال السنوات القادمة.

حدود التغيير في مدركات الأمن الجماعي: 

منذ حصول معظم دول الخليج العربي على استقلالها، في سبعينات القرن الماضي، ترسخت واستقرت عدة مفاهيم حاكمة في رؤية القوى الدولية والإقليمية للأمن في منطقة الخليج، كذلك رؤية النخب الخليجية المتعاقبة لحدود قدراتها الوطنية، وللكيفية التي يمكن من خلالها تحقيق الرفاهية لشعوبها، وفي نفس الوقت كيفية حماية أمنها الوطني من أي مهددات، وما يتفرع عن ذلك من استراتيجيات وتكتيكات حركة على كافة المستويات. فمفهوم الأمن الجماعي ، والرؤية لمصادر التهديد، ومفاهيم ومفاهيم التوازن العسكري والاستراتيجي ومفاهيم الأمن الاقتصادي جميعها تعرضت لهزة عنيفة، وبعضها تغير بالفعل، على النحو الذي يجعل تجاهل هذا التغيير، عملية محفوفة المخاطر، لأنها ستقود حتماً لاخطاء في التقدير الاستراتيجيللموقف الراهن في التفاعلات الخليجية المحلية والإقليمية والدولية.

التغير في رؤية مصادر التهديد. دوما ما كانت دول مجلس التعاون الخليجي تنظر لمفهوم التوازن العسكري من واقع نظرة (6+ 1) بمعنى مجموع القوة الشاملة لدول المجلس الستة ضد مهدد خارجي واحد( ايران / العراق) باعتبارهما القوتان الأكبر في المجال الحيوي الخليجي، لكن كانت الملاحظة الأساسية خلال السنوات السابقة هو إعادة توجيه المؤسسات المعنية بهذا الأمر لإجراء مراجعات دقيقية لميزان القوة وفق قواعد مختلفة، تنظر بمعايير فردية وليست جماعية لمفهوم القوة الشاملة، وبات التوجه واضح بالتركيز على مصادر التهديد المحتملة والحديث عن تهديد من دولة خليجية مجاورة، من داخل منظومة مجلس التعاون.

تصاعد النزعة للأمن الفردي. قام مجلس التعاون الخليجي منذ عام 1981على مفهوم الأمن الجماعي، لمواجهة التهديدات الخارجية، التي مثلتها الثورة الإيرانية في ذلك الوقت، والشكوك الخليجية إزاء سياسات النظام العراقي في حينه. وقد نجحت هذه السياسة في التعامل مع المهددات التي واجهت دول الخليج سواء خلال حرب الخليج الأولى أو أثناء الغزو العراقي للكويت( حرب الخليج الثانية) وكذلك في التعامل مع التهديدات الإيرانية للبحرين في 2011م، وكانت قوات درع الجزيرة التي تم تشكيلها من بعض التشكيلات العسكرية لدول المجلس تحت قيادة السعودية فاعلة إلى حد كبير، وتعبير عن تجميع قوة لمجموع دول مجلس التعاون الخليجي، كذلك انخرط مجلس التعاون في توحيد السياسات العسكرية بين الدول الأعضاء، وعليه ارتكنت السياسة العسكرية خاصة للدول الصغرى في الخليج( قطر، البحرين، الكويت) على هذا القدرات الجماعية، إلا أنه بعد 2017 جرى إعادة النظر في هذا المفهوم خاصة من الدول الصغيرة في الخليج، التي اتجهت لبناء قدرات عسكرية خاصة بها، والسعي لإمتلاك أسلحة جديدة ومتطورة، وتقوية ما يعرف بسياسة الردع الذاتية.

تزايد نزعة الاستقلالية في السياسة الخارجية. دوما ما حرصت دول مجلس التعاون على التحرك وفق إرادة سياسية مشتركة، وصلت فيها الطموحات لتكرار التجربة الاندماجية الناجحة لدول الاتحاد الأوروبي، على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري. هذه الإرادة السياسية المشتركة سيكون من الصعب إلتأمها فور المصالحة، في ظل استمرار الطموحات الاستقلالية لبعض دول الخليج، ورغبة بعضها في أن يكون لها هامش حركة على مستوى السياسة الخارجية، قد يخالف أحياناً التوجهات الجماعية لدول المجلس إزاء القضايا المختلفة. فجانب سلطنة عمان التي حرصت منذ تشكيل مجلس التعاون الخليجي على أن يكون لها سياساتها المستقلة إزاء بعض القضايا الإقليمية والدولية، انضمت قطر بشكل واضح لهذا المحور الاستقلالي، وهناك محاولات مستمرة لجر الكويت لهذا المحور أيضاً.

فك الارتباط والبحث عن الأمن الاقتصادي خارج الحدود. غيرت بعض دول الخليج خاصة قطر، من بعض القواعد فيما يتعلق بنطاقات تأمين أمنها الغذائي، وتوسعت في بناء شراكات مع دول مثل استراليا ومع دول عديدة في أفريقيا، لزراعة وانتاج محاصيل يمكن من خلالها تأمين احتياجاتها من الغذاء وكافة الاحتياجات الممكنة، كما تحركت باتجاه فتح محاور استراتيجية جديدة ، وتدشين خطوط ملاحية مع دول مثل تركيا وإيران وباكستان والهند وسلطنة عمان والسودان. وهذا المفهوم الجديد يصعب الرجوع عنه فور المصالحة، فهي تحركات قامت على اتفاقات طويلة الأجل والتزامات دولية متبادلة.

حدود التغيير في خارطة التحالفات الدولية:

قبل الأزمة الخليجية كانت خارطة التحالفات الإقليمية والدولية في منطقة الخليج واضحة المعالم، تتلخص فيما يلي:

(*) انفراد استراتيجي من جانب الولايات المتحدة بالأمن في منطقة الخليج العربي، وشبه غياب تام من جانب روسيا والصين في معادلة الأمن في الخليج.

(*) اعتماد أمني خليجي متبادل، ونسق شبه متناسق للتحالفات الإقليمية والدولية لدول الخليج العربي.

(*) غياب أي وجود إقليمي في معادلة الأمن الخليجي.

لكن خلال السنوات الماضية نستطيع قراءة بعض المؤشرات الدالة على حدوث تغير في خارطة التحالفات لدول الخليج العربي، نلخصها فيما يلي:

(*) تصاعد الشكوك الخليجية حول جدية الالتزام الأمريكي بأمن الخليج.

(*) محاولات روسيا الجادة الانخراط في معادلة الأمن الخليجي، وطرح نفسها كبديل موثوق الولايات المتحدة ( زيارات متبادلة على أعلى مستوى بين روسيا وبعض دول الخليج/ الحديث عن صفقات سلاح نوعية، الحديث عن مشروعات تصنيع مشتركة/ تدريب مشترك…الخ).

(*) إعادة تموضع لمنطقة الخليج العربي في الاستراتيجية الصينية، وتنامي العلاقات الصينية الخليجية خاصة في البعد العسكري مع السعودية والإمارات وقطر.

(*) دخول دول أوروبية أخرى بشكل أكثر كثافة من قبل في معادلة الأمن الخليجي، خاصة بريطانيا (بعد البريكسيت) وفرنسا وألمانيا، فالدول الثلاث صارت أكثر ندية وأقل انصياعا للسياسة الأمريكية بشكل عام، وكان أكبر دليل هو قيادة فرنسا لتحالف أوروبي مقره الإمارات لتأمين الملاحة في الخليج، رغم وجود تحالف تقوده الولايات المتحدة( تحالف سينتيال) ومقره البحرين.

(*) دخول أطراف إقليمية في معادلة الأمن الخليجي، مثل تركيا، التي تحتفظ الآن بوجود عسكري في قطر، وباتفاقية دفاع مشترك، مع مساعي مستمرة من جانب أنقرة لجذب الكويت وسلطنة عُمان لنفس الاتجاه، كذلك دخول إسرائيل كلاعب رسمي في منظومة الأمن الخليجية، بعد توقيع اتفاقات سلام بينها وبين بعض دول الخليج، وما يشهده هذا المسار من احتمالات توسيعه مستقبلاً ليشمل دول أخرى.

المفاهيم الجديدة والتفاعلات المستقبلية:

لا شك أن المفاهيم الجديدة للأمن الخليجي سواء فيما يخص الأمن الجماعي أو فيما يتعلق بالرؤية الخليجية للتحالفات الإقليمية والدولية، سيكون لها تأثير واضح في التفاعلات الخليجية سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، وعليه يصعب تخيل إمكانية العودة لمربع ما قبل 2017، لأنه ببساطة لم يعد موجوداً على أرض الواقع، فهناك تغيرات كثيرة حدثت في البيئة الاستراتيجية الخليجية بمستوياتها الثلاث، المحلية والإقليمية والدولية، وسيكون على دول الخليج على المدى المتوسط والطويل العمل وفق الواقع الجديد ووفق المفاهيم الجديدة التي استقرت في أذهان الساسة والنخبة في دوائر صنع القرار الخلجية، وهو تحدي كبير لاشك، لذلك نعتقد أن بعض الرؤى الاستراتيجية التي وضعتها الدول الخليجية( السعودية 2030/ قطر 2030/ الامارات 2050/ سلطنة عمان 2040 / الكويت 2035/ البحرين 2030) ربما ستحتاج لمراجعات جوهرية، لوضع المفاهيم الجديدة في الاعتبار عند التخطيط لمستقبل بلدانهم، خاصة في ضوء أزمة كورونا التي لا تزال في أعلى مستوياتها، والتي تشكل اختبار صعب لمناعة الدول الخليجية وقدرتها على التعاون الجماعي في تنظيم السياسات الخاصة بالمواجهة والتعاون في الحصول على اللقاحات، وتخطي آثار الأزمة على مستوى الاقتصاد المحلي الخليجي، سواء بالنسبة لمعايير دولة الرفاهية التي اعتاد عليها المواطن الخليجي لسنوات، أو بالنسبة لقضايا عديدة مثل العمالة الوافدة والتوطين، وإعادة هيكلة القطاعات الاقتصادية وغيرها.

أما على المدى القريب، فإن مرحلة ما بعد المصالحة تتطلب جهداً كبيراً من كل الدول الأعضاء في المنظومة الخليجية، ويظل الأمل معقود دوماً على الدول الكبرى داخل منظومة مجلس التعاون خاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات المتحدة، بما لديها من عقول وخبرات وإمكانيات تؤهلها لقيادة المرحلة القادمة، لإعادة منظومة مجلس التعاون لخطها الاستراتيجي الذي يستوعب الجميع، ويُجمع القدرات، تحت مظلة واحدة، انطلاقاً لإستعادة مجلس التعاون الخليجي كمنظمة إقليمية فاعلة، وإضافة قوية لمنظومة الأمن القومي العربي، تكون قادرة على التعامل مع التحولات التي تشهدها المنطقة خاصة فيما يتعلق بمستقبل العلاقات الأمريكية الخليجية ومستقبل الملف الإيراني، وما تشهده دول الجوار الخليجية من تحولات كثيرة، فالقادم في المنطقة قد لا يكون في صالح دول الخليج، أو على أقل تقدير سيكون محور ضاغط على الأمن الخليجي الفردي والجماعي.

في النهاية، يمكن القول إن رسم السياسات الخليجية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي قد بات محاطاً بمفاهيم ومدركات استراتيجية مختلفة، ستنتج واقع جديد من التفاعلات الخليجية مع كافة القضايا الخاصة بأمن الخليج، وهذا الواقع الجديد لا يعني بأي حال من الأحوال نظرة تشاؤمية إزاء مشاريع التكامل الخليجي أو مشاريع الأمن الجماعي، أو مستويات الاستقرار المتوقعة في العلاقات الخليجية الخليجية خلال السنوات القادمة، فربما تكون هناك دروس مستفادة، نأمل أن تكون محل مراجعة من كافة الدوائر الخليجية، لتلافي أوجه القصور، ومعالجة نقاط الضعف، والبناء على الإيجابيات، والعمل المشترك لترميم البيت الخليجي من الداخل، كأولوية في مرحلة ما بعد المصالحة، فإذا كانت صفحة الخلاف قد طويت باتفاق سياسي، فإن هناك حاجة ماسة لإطلاق عملية مراجعة وحوار شفاف، على مستوى النخب وكذلك على مستوى مؤسسات المجتمع المدني الخليجية، ويمكن لمراكز الدراسات الاستراتيجية المنتشرة في العواصم الخليجية أن تلعب دوراً بناءً في هذا الإطار، لتقديم الرؤى والمقترحات الملائمة لما جرى من تغيير خلال الفترة الماضية على مستوى المفاهيم والمدركات، وربما يكون التحرك الأهم هو معالجة بعض الترسبات والحواجز النفسية التي تعمقت خلال سنوات الخلاف.

د.أكرم حسام

نائب مدير المركز خبير في الشؤون الخليجية، دكتوراه علوم سياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ٢٠١٣، عمل في عدة مراكز بحثية داخل مصر أخرها المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، وعمل خبير في الأمن الإقليمي بالعديد من مراكز الدراسات بدول الخليج. شارك بأوراق بحثية في بعض المؤتمرات الدولية، بدعوة من مركز نيسا بالولايات المتحدة الأمريكية بواشنطن (2017-2018)، ومعهد العلاقات الدولية التابع لوزارة الخارجية الإيطالية بروما (2019-2020).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى