تأهيل العائدين من داعش وأخواتها…(1)

تُعتبر عملية التأهيل ضرورية لمساجين التطرف العنيف، وقد طبقتها بعض البلدان تحت اسم المراجعات الداخلية، لكن التأهيل غير المراجعات، هو منظومة متكاملة تكون المراجعات الفكرية جزء منها لا غير. فما هي مراحل عملية التأهيل؟.

1) ما قبل عملية التأهيل

هناك أربعة مراحل لا بد أن يمر بها المتهم بالإرهاب وخاصة العائدون من بؤر التوتر.

– المرحلة الأولى: يتم وضع مساجين الإرهاب في سجن خاص وليس مع مساجين الحق العام.

– المرحلة الثانية: يتم التحقيق الأمني مع هؤلاء المساجين بشكل مُعمّق حول كيفية استقطابه، وما هي الدروس التي كانت تُقدّم لهم ؟ هل هي دروس تعبوية تقليدية تتم في حلقات مغلقة أم دروس وتوصيات تمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ وما هي الجمعيات والشبكات التي أشرفت على تأطيرهم فكريا؟ وكيف تمّ تسفير البعض منهم؟ وكيف التحقوا ببؤر التوتر وعبْر أيّ منْفذ؟ وأين تلقّوا تدريباتهم؟ وما هي الأسلحة التي استعملوها؟ ومع أي فصيل قاتلوا؟ وكيف تمكّنوا من العودة إلى البلاد؟

ومن خلال التحقيق المُعمّق تتكون قاعدة بيانات هامة تُمكّن المصالح الأمنية والعسكرية من التعامل مع الظاهرة الإرهابية بشكل أكثر نجاعة.

– المرحلة الثالثة: تصنيف معتقلي الإرهاب إلى ثلاثة أصناف: قليلو الخطورة، متوسطو الخطورة، وشديدو الخطورة، حيث أن لكل صنف تأهيله الخاص. ويُستحسن وضْع كل صنف على حدة.

– المرحلة الرابعة: تقديمهم للمحاكمة طبق قانون مكافحة الإرهاب الجاري به العمل.

ونشير أنه بالنسبة للمتهمين بالإرهاب من الذين لم يخرجوا من بلدهم الأصلي، يجب أن يتمّ البحث في شبكات التجنيد الداخلي ومعرفة مُكوّناتها، ومدى صلتهم بالشبكات الخارجية، ودراسة المستوى الاجتماعي والتعليمي لهؤلاء المتهمين وكذلك المحيط العائلي والمهني، وكيفية تردّدهم على الفضاءات الدينية وسائر الفضاءات الأخرى. وإثر ذلك يقع المرور إلى مرحلة التأهيل الفكري التي تقوم على بذل مجهود استثنائي للتعامل مع عملية غسل الدماغ التي حصلت لدى هؤلاء وكيفية تعويضها بفكر بديل قادر على نزع الراديكالية لديهم بذكاء وإقناع.

2) مراحل عملية التأهيل

يتم التأهيل أو المراجعات الفكرية استنادا للثقافة السائدة في البلاد وضرورة اجتناب أسلوب الوعظ والتلقين، وتشرف عليه لجنة متركبة من علماء نفس وعلماء اجتماع وعلماء دين ومؤرخين ومختصين في القانون وفي علوم الإجرام وفي الجيوماتيك. ويُشرف على هذا الفريق قاضي التأهيل الذي يتلقى تقارير عن جلسات المراجعات الفكرية، وهو المؤهل قانونا باتخاذ القرار، بعد التشاور مع أعضاء اللجنة، بنجاح عملية التأهيل من عدمها لهؤلاء المتهمين. وتشمل المراجعات كل الأفكار والمقاربات التي أدت بهؤلاء إلى التطرف العنيف. ومن بين المفاهيم التي تتبناها هذه التيارات نجد خمسة مقاربات مشتركة بينهم وهي: مفهوم التوحيد، ومفهوم الجهاد، ومفهوم الولاء والبراء، ومفهوم الخلافة، وأخيرا العلاقة بين الدين والدولة. ويجب أن تتم جلسات الحوار مع المتهمين بحضور كافة أعضاء الفريق المشرف على التأهيل ويلتزم هذا الفريق بتخصيص ما يلزم من الوقت حتى لا تحصل مراوغة من بعض المتهمين الذين يستعجلون إتمام عملية التأهيل للحصول على إفراج في أقرب وقت. ويُستحسن الاتفاق على أن لا يحصل أي إفراج قبل قضاء نصف العقوبة.

يقوم قاضي التأهيل بتجميع التقارير، وهو الوحيد الذي يصدر قرار نجاح التأهيل أو فشله. ومع انتهاء مرحلة التأهيل الفكري يتم المرور إلى مرحلة الإدماج الاجتماعي من خلال توفير مساعدة أو قرض دون فائض لإقامة مشروع في اختصاصه وهو ما يحميه من الخصاصة ومن عودة تجنيده لأفكار التطرف من جديد. ويتم التنبيه عليه من أن العودة للنشاط الإرهابي يضاعف له العقوبة. ونعتقد أن مرحلة التحقيق الأمني المعمق ومرحلة التأهيل الفكري والاجتماعي كفيلة بتقليص الظاهرة الإرهابية إلى حد كبير.

تجدر الإشارة إلى أن هذا المقال هو بداية سلسلة من المقالات يبلغ عددها 12 مقالاً، كتبهم –الكاتب- عن عملية تأهيل العائدين من داعش وأخواتها، وذلك بالتطبيق على حالات دول المغرب العربي، ومن منطلق كيفية التعامل مع العائدين من مواطنيهم، والقوانين المعدة للتعامل مع الإرهاب والجريمة. وعليه، يمكن القول إن ما يذكر في هذه المقالات قد لا ينطبق على العائدين من أبناء دول أخرى، خاصة وأن طرق محاكمة الإرهابيين وتأهيلهم تختلف من دولة لأخرى. ونظرا لاهتمام مركز “رع للدراسات الاستراتيجية” بدراسة الظاهرة الإرهابية، وعواملها تمددها التي قد تختلف من دولة لأخرى، ومن منطلق منهجية برنامج دراسات التطرف والإرهاب الذي يشمله المركز- حرص-المركز- بالاتفاق مع الأستاذ الدكتور أعلية علاني على إعادة نشر هذه السلسلة التي سبق نشرها في صحيفة الشروق التونسية.

د. أعلية علاني

أستاذ وخبير مشارك بالمركز، هو مؤرخ تونسي وباحث في القضايا الاستراتيجية والتيارات المتشددة دينيا، حاصل على التأهيل الجامعي جامعة منوبة- تونس، ويعمل نائب رئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، وعضو بوحدة البحث المجتمع والمجتمع الموازي كلية الآداب منوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى