فلسفة الزكاة في الإسلام.. قراءة في رؤية الشرفاء الحمادي

في صباح اليوم الأول من شهر رمضان الكريم 1445، الحادي عشر من مارس 2024 أعلنت دار الإفتاء المصرية، على صفحتها الرسمية بـمنصة “إكس” عن أن قيمة زكاة الفطر لهذا العام 35 جنيها كحد أدنى عن كل فرد، كما حددت قيمة فدية الصيام لمن يعجز عنه لسبب شرعي مستمر ومعتبر بـ30 جنيهًا.

إن التعجيل في إخراج زكاة الفطر، وفقا لما أشار له الدكتور شوقي علام مفتي الديار المصرية، وهو أنه “يجوز شرعًا إخراج زكاة الفطر منذ أول يوم في شهر رمضان، وحتى قبيل صلاة عيد الفطر… كذلك مناشدته المسلمين بتعجيل زكاة فطرهم وتوجيهها إلى الفقراء والمحتاجين، – يعنى أن الإنسانية تعيش ظروفًا استثنائية غيَّرت بصورة غير مسبوقة سمات الحياة العامة المعتادة في شهر رمضان، وهو ما يعني المطالبة بتعزيز التكافل الاجتماعي والتبكير بالزكاة لمساعدة المحتاجين في بقاع المنطقة الإسلامية.

قراءة وتحليل مفهوم التبكير في خروج زكاة الفطر الذي أكد عليه مفتي الديار المصرية، يعنى سعي الأمة للتكافل فيما بينها جهادًا في الله وسعيًا إلى مرضاته، وهذا بالتأكيد هو المفهوم الحقيقي للزكاة في الخطاب الإلهي، الذي أكد عليه المفكر العربي على محمد الشرفاء في كتابه ““الزكاة صدقة وقرض حسن”، فالهدف المحوري للزكاة وفقا “للشرفاء” هو إرسال قاعدة التكافل الاجتماعي في أجمل صوره، التي تتحقق باستمرار المساعدات وحسن اختيار توقيت توزيعها، وهو ما يتطابق مع فكرة التبكير في خروج زكاة الفطر التي ينادى بها مفتي الديار المصرية. فالهدف المحوري للزكاة في الخطاب الإلهي كما سبق القول وفقا للشرفاء الحمادي، هو إرساء قاعدة التكافل الاجتماعي في أجل صوره.

 

تعتبر فلسفة “الزكاة” وفقا “للشرفاء” في الخطاب الإلهي، هي عبارة الإنفاق في سبيل الله وهذا الإنفاق هو نوع من الجهاد. وعليه يُعد سعي الأمة للتكافل فيما بينها جهادًا في الله وسعيًا إلى مرضاته، وفي ذلك يقول الله تعالى: ” مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ”. ( البقرة 261).

وبالتالي، فإن المبادرات التي تقوم بها بعض مؤسسات الدولة المصرية، مثل التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، كذلك الأجهزة الأمنية، خلال شهر رمضان الكريم، تأتي في إطار تفعيل الدور المجتمعي للجهات الأمنية وغيرها من مؤسسات الدولة، وهو ما يعني تحقيق التكافل الاجتماعي الحقيقي، المتمثل في الحرص على تخفيف العبء عن كاهل المواطنين، وتحقيق توازن بالسوق المحلى وضبط الأسواق وتوفير السلع بأسعار مناسبة للمواطنين ومواجهة غلاء التجار واحتكارهم للسوق السوداء.

وعلي ما سبق، يمكن القول إن ترجمة الدور الاجتماعي الذي تقوم به الدولة المصرية، خصوصاً وزارة الداخلية، وغيرها من الأجهزة الأمنية الكبيرة في مصر- يجعلنا نتطرق إلى مفهوم التكافل الاجتماعي في الإسلام وفلسفته عند على الشرفاء الحمادي، الذي يعتبر أن الزكاة تحمل بين طياتها سرًا من أسرار هذا الدين القيم، وذلك حين تكون الزكاة عاملًا هامًا وأداة محورية في تحقيق الأمن والاستقرار في المجتمعات، بل تزكي النفس البشرية وتطهر المال، وتجمعها مطواعة للخير، بعيدة عن الشر، بفعلها يصلح المجتمع ويأتلف؛ فيصبح متمسكًا قويًا كالبنيان المرصوص التكافل الاجتماعي.

ويؤكد “الشرفاء” في رؤيته عن الزكاة، أنها ركنًا وفرضًا حالها حال الصلاة والصيام وحج بيت الله الحرام، مصدقًا لقول الله تعالى: “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ  وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ” (110سورة البقرة). ويعتبر الشرفاء أن الزكاة، هي اختبار لكل مسلم رزقه الله بمال وثروة يؤدي ما عليه من فرض الزكاة وفق ما حدده الله سبحانه في تشريعه نسبة خُمس الربح الصافي؛ فمن اختار طريق اليُسر وابتغاء وجه ربه الأعلى فلسوف يرضى، وعده الله بمضاعفة رزقه في الدنيا وجنة النعيم في الآخرة. وأما من لم يصدق بالحسنى ويبخل واستغنى فسيصلى نارًا، خسر الدنيا والآخرة. ويدلل الشرفاء على مكاسب تأدية الزكاة في قول الله تعالى: “فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى”.

وبالتالي، تظل “قاعدة التكافل الاجتماعي” وإرسائها بمثابة فكرة محورية عند الشرفاء الحمادي، باعتبار أن الإنفاق من المال في سبيل الله هو نوع من الجهاد، ويدلل “الشرفاء” على أن سعي الأمة للتكافل فيما بينها، يُعد جهادًا في الله وسعيًا إلى مرضاته، من يقول الله تعالى: ” مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ  وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ”. ( البقرة 261).

تأسيسا على ما سبق، تتمثل فلسفة الزكاة عند المفكر الشرفاء، في أنها فريضة في التشريع الإلهي، ضمانة وحامية لروح التكافل الاجتماعي داخل الأوطان، وأنها فرضًا وعبادة يأثم تاركها إن كان قادرًا على البذل في حين أنه سبحانه وتعالى قد أعفى الفقير من العطاء، فليس عليه من زكاة ما دام غير قادر. لذا شرعت لتكون بمثابة التقاء بين الأغنياء والفقراء فيه يعطي من منحه الله المال لمن هو في أشد الحاجة إليه، وذلك باعتبار أن المال هو مال الله، وقد جعل الله الأغنياء وسائط ووسائل لتوصيلة لمستحقيه، حيث يُعتبر الزكاة في الخطاب الإلهي من هذا المدخل تكون طوقًا للنجاة من الفقر، حين يعطي من معه لمن ليس عنده ما تقوم به حياته وتستقر.

فالزكاة في رؤية الشرفاء الحمادي، لم تكن حصرية لرسالة الإسلام فحسب، بل أنها كانت فريضة رئيسية أيضًا فيما قبل رسالة الإسلام، كونها الضمانة الهامة والمحورية في بقاء الأمم سالمة آمنة متعافية من داء الفقر والعوز والضعف، حيث تأتي الزكاة لتزكية مال الغني المقتدر وتطهره فيبارك الله له فيه ويضاعف له ما انفق من صافي أرباحه حسب النسبة المقررة في التشريع الإلهي وهي 20% بحسب قول الله تعالى: “وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ  وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”، (سورة الأنفال41).

وتظهر فلسفة الزكاة عند “الشرفاء” في أنها الجسر الذي يعبر بالمسلم من دنس عبودية المال وكنزه إلى العطاء والبذل ومن ثم تطهير النفس كي لا يكون المال هو كل همه وفي لب فؤاده، وأنها تأتي لتجعل المال مكانه في غير القلب والأعماق؛ فيسهل على المرء بذله في سخاء وكرم كي لا يصاب المسلم بأخطر داء قد حذرنا منه الله – سبحانه وتعالى- وإنه داء الشح وهو أشد داء وأكثر ما يصيب هؤلاء الأغنياء أولئك الذين حذرهم الله من خطورة داء الشح بقوله تعالى: “وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (9سورة الحشر).

وإذا كانت الزكاة تسبب السعادة للطرفين مقدمها ومستقبلها، فإن أهدافها أعمق من ذلك بكثير، فهدفها الرئيسي عند “الشرفاء”، هو تربية النفس وإعلاء وتيرة السمو الإنساني والروحي لدى المسلم، حين تكون آثار الزكاة وقائية علاجية للجوانب الروحية لما قد ينتاب الإنسان من الانزلاق في درك المادية القاتلة والأنانية وحب الذات. كما أن اقتران الزكاة مع الصلاة في مواضع عديدة في كتاب الله، كان دلالة وفقا “للشرفاء” على عظم منزلتها، مما يؤكد أن إقامة الصلاة تطهير للقلب، أما الزكاة هي كذلك تطهير ولكن متعلق تطهير للمال بواسطة الصدقة؛ فهي أيضًا تؤدي نفس النتيجة للذين ينفقونها في سبيل الله.. تأكيدًا لقول الله تعالى: ” وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ” (٤٣ البقرة) “وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ”، (٨٣ البقرة).“وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ” (١١٠ البقرة) “وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا”( ١٧٧ البقرة) “وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ” (٢٧٧ البقرة) “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاة” (٧٧ النساء).

د.أبو الفضل الاسناوي

المدير الأكاديمي -حاصل على دكتوراه في النظم السياسية من جامعة القاهرة في موضوع الأداء البرلماني في دول الشمال الأفريقي. -حاصل على ماجستير في النظم السياسية عن موضوع النظام السياسي والحركات الإسلامية في الجزائر. -مدير تحرير مجلة السياسة الدولية بالأهرام. -كاتب في العديد من المجلات العلمية وخبير مشارك في العديد من مراكز الدرسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى